22 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 03 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: أصول الشيعة

الكون في نظر الاِسلام



الاَصلُ السادس: الكون مخلوق لله

الكون ـ أَيْ كل ما سِوَى الله ـ مخلوقٌ لله تعالى، وليس واقعُ الكونِ هذا سِوَى التعلّق، والرَّبط بالله تعالى، وليست الكائنات في غنىً عن الحقّ تعالى ولا لحظةً واحدة، ومعنى قولنا: إِنَّ الكون مخلوق لله، هو أَنَّ الكون خُلِقَ بإِرادة الله ومشيئته، وأنّ نسبته إلى الله ليس مِنْ نمطِ نسبة الوَلد إلى الوالد، فليست العَلاقة بين الكون وبين الله علاقة توْليد، وَولادةٍ، يقول سبحانه: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)1

الاَصلُ السابع: نظام الكون الحالي ليس أبديّاً

النِّظام الحالي للكون ليس خالداً ولا أبديّاً، بل سينهدمُ ويندثر بعد زمانٍ يعلمه الله وحده على وجه التحديد، ويقوم مكانه نظامٌ آخر هو العالم الاَُخروي وما يسمّى بالمعاد، كما يقول تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَرضُ غيرَ الاَرْضِ والسَّماواتُ وَبَرَزُوا لله الْوَاحِدِ الْقَهّارِ)2.

وفي قوله سبحانه: (إِنّا للهِ وَإِنّا إِليْهِ راجِعُونَ)3 إِشارَة إلى هذه الحقيقة.

الاَصلُ الثامن: العلّة والمعلول

النِّظامُ الكوني الرّاهنُ قائمٌ على أَساس العلَّة والمعلول، وتقومُ بين ظواهرِهِ وأجزائه رابطةُ العليّة والمعلوليّة.

وتأثيرُ كلّ ظاهرة في ظاهرة أُخرى متوقّف على الاِذن الاِِلهي وَالمشيئة الاِلَهيَّة، وقد تَعلَّقت المشيئة الاِلَهيَّة الحكيمة بتحقيق فيّاضيّته غالباً عن طريق النِّظام السببيّ، وعَبْرَ الاََسباب والمسبّبات.

ومن الواضح أَنَّ الاِعتقاد بتأثير الظّواهر بعضُها في بعض، لا يعني الاِعتقاد بخالقيّتها قَطُّ، بل المقصود هو أنّ تلك الاََسبابَ والعلل توفِّر ـ بإِذن الله ومشيئته ـ أرضيّة تحقّق ظواهر أُخرى، وأَن أيّ نوع من أَنواع التأثير والتأثر مظهرٌ من مشيئة الله وإِرادته الكلّيّة.

وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى كلا المطلبين المذكورَين ونعني خضوع الظواهر الطّبيعية لقانون العليّة وكذا توقُّفَ تأثيرِ كلّ علّةٍ وسبب في الكون على الاِذن الاِلَهي الكلّي.

ففي المجال الاَوّل نكتفي بذكر الآية التالية:
(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمرَاتِ رِزَقاً لَكمْ)4
وفي المَجالِ الثّاني نكتفي بالآيةِ التّالِيَة أَيْضاً:
(وَالْبلَدُ الطَّيّبُ يخرُجُ نَبَاتُهُ بإِذْنِ رَبِّه)5 .6

الاَصلُ التاسع: الوجود ليس مساوقاً للطبيعة المادية

الوجودُ ليس مساوِقاً للطبيعة المادّيّة، فهو لا ينحصرُ في المادّة وحدها بل هو أوسع من المادة ومن ما وراءَها الَّذي أَطلقَ عليه القرآنُ اسْمَ عالَمِ الغيبِ في مقابل عالَمِ الشَّهادةِ.

وكما انّ الظواهر المادية يؤثر بعضُها في بعضٍ بإذن الله تعالى كذلك تؤثّر الموجوداتُ الغيبية في عالَم الطبيعة بالاِذن الاِلَهيّ.

وبعبارة أُخرى: هي وسائط للفيض الاِلَهي.

ويتحدث القرآنُ الكريمُ عن تأثير مَلائكةِ الله وتسَبّبِها لحوادثِ العالَمِ الطبيعيّ إذ يقول: (فَالمُدَبِّراتِ أمْراً)7
(وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرسِلُ عَليكم حَفَظَةً)8

نَستَنتجُ من الآيات الصَريحة السابقة:
أنّ عالَمَ الخلق بقسمَيْه: الطبيعة وما وراء الطبيعة مع ما يسوده من النظام السببي قائمٌ برمَّته بمشيئة الله سبحانه ومرتبط به، بلا استثناءٍ.

الاَصلُ العاشر: خضوع الكون لهداية خاصة

إنَّ الكونَ حقيقةٌ تخضع لهدايةٍ خاصّةٍ، وانّ جميع ذرات العالم ـ كلٌّ في مرتبته ـ تتمتع بحسب ما هي عليها بنورِ الهداية.

كما وإنّ مراتب هذه الهداية العامّة والشاملة تتكون من الهداية الطبيعية، والغريزية والتكوينية.

وَلقد ذكَّر القرآنُ الكريمُ في آيات عديدةٍ بهذه الهداية التكوينيّة والعامّة نأتي فيما يلي بواحدةٍ منها: (ربُّنا الّذِي أَعطى كُلّ شيْءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى)9

الاَصلُ الحادي عشر: الكون نظام كامل

إنَّ نظامَ الخليقة الحاضر هو النظامُ الاَكملُ والاَحسنُ، وإنّ جهاز الوجود قد صُوِّر على أفضل صورة، فلا يمكن تصوّر ما هو أكمل وأفضل مما عليه الآن.

يقول القرآن الكريم: (الَّذِي أَحسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقَهُ)10

والدليلُ العقليُّ يدعمه، وذلك لاََنّ فعلَ أيّ فاعل يتناسب ـمن حيث الكمال والنقص ـ مع ما عليه الفاعلُ من حيث الصفات والكمالات، فإذا كان الفاعلُ منزَّهاً عن أيّ نقص من حيث الصفات الوجوديّة، كان فعلهُ كذلك عارياً عن أيّ نوع من أنواع النقص والعيب.

وحيث إنّ الله تعالى يُوصف بكلّ الكمالات الوجوديّة على وجهها الاَتمّ الاَكمل يكون فعله أيضاً ـ وبطبيعة الحال ـ أكملَ فعلٍ وأفضلَه.

هذا مضافاً إلى أنّ كونَ اللهِ حكيماً يقتضي ما دام خلقُ العالمِ الاَحسنِ ممكناً، أن لا يوجِدَ غيره.

والجدير بالذِكرِ أنّ ما في العالَم الطبيعيّمما يسمّى بالشُّرور لاينافي النظامَ الاَحسنَ للوجود، وتوضيحُ هذه النقطة سيأتي في أبحاث «التوحيدِ في الخالقيّة».

الاَصلُ الثاني عشر: الحكمة في خلق الكون

حيث إنَّ العالَمَ مَخلوقٌ لله الّذي هو الحقُّ المطلَق وفعلهُ، فإنَّ مصنوعَه كذلك حقٌ ويتَّسم بالحِكمة، فلا مجالَ للعبثيّة واللاهدفيّة فيه.

وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى هذا الموضوع في آياتٍ عديدةٍ نذكر واحدةً منها هنا: (ماخَلَقْنا السَّماواتِ والاَرْضَ وَمَابيَنَهما إلاّ بِالحقِّ)11

على أنّ غايةَ هذا العالم والاِنسان إنما تَتَحقّق عندما تقومُ القيامة، كما قال الاِمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «فإنّ الغاية القِيامة».12


1- الاِخلاص | 3.
2- إبراهيم | 48.
3- البقرة | 156.
4- البقرة | 22.
5- الاَعراف | 58.
6- للتَّوسُّع ومَزيد الاطِّلاعِ في هذا المجال تُراجَع كتب التّفسير والكلام (العقائد) منها: تفسير الميزان: 1 | 74 طبعة بيروت، والاِلهيّات: 2 | 51 ـ 54.
7- النازعات | 5.
8- الاَنعام | 61.
9- طه | 50.
10- السجدة | 7.
11- الاَحقاف | 3.
12- نهج البلاغة، الخطبة 190.

09-02-2016 عدد القراءات 470



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا