22 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 03 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: أصول الشيعة

التوحيدُ ومراتبُه وأبعادُه إلى الكون والاِنسان والحياة



الاَصلُ السابعُ والعشرون: وجود الله تعالى

إنّ الاعتقاد بوُجود الله أصلٌ مشترك بين جميع الشرائع السماويّة، وأساساً يكمنُ الفارقُ الجوهريُّ والاَساسيُّ بين الاِنسانِ الاِلَهيّ المتدينِ (مهما كانت الشريعة التي ينهجها) والفردِ الماديّ، في هذه المسألة.

إنّ القرآنَ الكريمَ يعتبر وجودَ الله أمراً واضحاً وغنيّاً عن البرهنة، ويرى أنّ الشك والتردّد في هذه الحقيقة أمر غير مبرَّر، بل ومرفوضاً كما قال: (أفي اللهِ شَكٌ فاطِرِ السّموات والاَرضِ)1

إلاّ أنّه رغم وضوحِ وجودِ الله وبداهته قد وضع القرآنُ الكريمُ أمام من يريدُ معرفة الله عن طريق التفكّر والبرهنة، وإزالة جميعَ الشكوك والاحتمالات المضادّة عن ذهنه، طرقاً تؤدي هذه المهمة وأبرزها هو:

1 ـ إحساس الاِنسان بالحاجة إلى كائنٍ أعلى، هذا الاِحساس الذي يتجلّى في ظروف وحالاتٍ خاصّة، وهذا هو نداء الفطرة الاِنسانية التي تدعوه إلى مبدأ الخلق يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: (فَأقِمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنِيفاً فطرتَ اللهِ الّتي فَطَرَ الناَسَ عَليها لا تبديلَ لخلق الله)2

ويقول أيضاً: (فَإذا رَكبُوا في الفُلْكِ دَعوُا اللهَ مخلِصِينَ لهُ الدينَ فلمّا نجّاهُمْ إلى البَرّ إذا هُمْ يُشْركُون)3

2 ـ الدعوة إلى مطالَعة العالَم الطبيعيّ والتأمّل في عجائب المخلوقات التي هي آياتٌ واضحةٌ، ودلائلٌ قويةٌ على وجود الله. إنّها آيات تدلّ على تأثير ودور العلم والقدرة، والتدبير الحكيم في عالم الوجود: (إنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ والاَرْضِ واْختلافِ اللَيلِ والنَهارِ لآياتٍ لاَُولي الاَلباب)4.

إنّ الآيات في هذا المجال كثيرة وما ذكرناه ليس سوى نماذج من ذلك.

ومن البديهيّ أن ما ذكرناه لا يعني بالمرّة أن الطريق إلى معرفة وجودِ الله وإثباته يختص في هذين الطريقين، بل هناك طرق عديدة أُخرى لاِثبات وجودِ الله أتى بها علماء العقيدة، والمتكلمون المسلمون في مؤلفاتهم المختصة بهذه المواضيع.

التوحيد هو الاَصل الموحّد بين الشرائع

تقوم جميعُ الشرائع والمناهجِ السماوية على أساس التوحيد كما وأنّ الاعتقاد بالتوحيد هو أبرز أصلٍ مشتركٍ بين تلك الشرائع، وإن كان هناك شيء من الانحراف لدى أتباع بعض تلك الشرائع في هذه العقيدة المشتركة. وفيما يأتي مراتب التوحيد وأبعاده في ضوء القرآن الكريم والاَحاديث الشريفة، والبراهين العقلية:

الاَصلُ الثامنُ والعشرون: التوحيد الذاتي ومعانيه

إنّ أول مرتبة من مراتب التوحيد هو التوحيد الذاتي، وللتوحيد الذاتي معنيان:
ألف: إنّ الله واحدٌ، لا مثيل له ولا نظير ولا شبيهَ ولا عديل.
ب: إن الذات الاِلَهيّة المقدّسة ذاتٌ بسيطةٌ لا كثرةَ فيها، ولا تركّب.

يقول الاِمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حول كلا المعنيَين:
1 ـ «هُو وَاحدٌ لَيسَ له في الاَشْياء شَبَهٌ».
2 ـ «وإنّه عزّ وجل أَحديّ المعنى لا ينقسم في وجودٍ ولا وَهمٍ ولا عقلٍ»5.

وسورة «الاِخلاص» التي تعكس عقيدة المسلمين في مجال التوحيد تشير إلى كلا القسمين:
فقوله تعالى: (وَلَمَ يَكُنْ لَه كُفْواً أحَد) إشارةٌ إلى القسم الاَوّل.
وقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أحَد) إشارةٌ إلى القسم الثاني.

وعلى هذا الاَساس يكون «التثليث» باطلاً من وجهة نظر الاِسلام، وقد صرّح القرآنُ الكريمُ في آيات عَديدة بعدم صحة ذلك.

مراتب التوحيد وأبعاده …

كما أنّ هذه المسألة تَناولَتْها الكتبُ الكلاميّة (العقيديّة) بالبحث المُفَصَّل وفَنَّدَتْ التثليثَ بطرق مختلفة، ونحن نكتفي هنا بذكر طريق واحد:

إنّ التثليث بمعنى كون الاِلَه ثلاثاً لا يخلو عن أحد حالين:

إمّا ان يكون لكلِّ واحدٍ من هذه الثلاثة وجودٌ مستقلٌّ، وشخصية مستقلّة، أي أنْ يكون كلُّ واحدٍ منها واجداً لكلّ حقيقةِ الاُلوهية، وفي هذه الصورة يتنافى هذا مع التوحيد الذاتي بمعناه الاَوّل (أي كون الله لا نظير له).

وإمّا أن تكون هذه الآلهة الثلاثة ذات شخصيّة واحدة، لا متعدّدة ويكون كلُ إلَهٍ جزءاً من تلك الحقيقة الواحدةِ، وفي هذه الصورة يكون التثليث كذلك مستلزماً للتركب، ويخالف المعنى الثانيَ للتوحيد الاِلَهيّ (أي بساطة الذاتِ الاِلَهيّة).

الاَصلُ التاسعُ والعشرون: التوحيد في الصفات

المرتبة الثانية من مراتب التوحيد هو: التوحيد في صفات الذات الاِلَهيّة.

نحن نعتقد أنّ الله تعالى موصوف بكلّ الصفات الكمالية، وأنّ العقلَ والوحيَ معاً يَدُلاّن على وجودِ هذه الكمالات في الذات الاِلَهيّة المقدسة.

وعلى هذا الاَساس فإنّ الله عالمٌ، قادرٌ، حيٌ، سميعٌ، بصيرٌ و.. و.

وهذه الصفات تتفاوت فيما بينها من حيث المفهوم، فما نفهمه من لفظة «عالِم» غير ما نفهمه من لفظة: «قادر».

ولكن النقطة الجديرة بالبحث هو أن هذه الصفات كما هي متغايرة من حيث المفهوم هل هي في الواقع الخارجيّ متغايرة أم متحدة؟

يجب القول في معرض الاِجابة على هذا السؤال: حيث إنّ تغايرَها في الوجود، والواقع الخارجي، يستلزم الكثرةَ والتركّب في الذات الاِلَهيّة المقدسة، لذلك يجب القولُ حتماً بأنّ هذه الصفات مع كونها مختلفةً ومتغايرةً من حيث المعنى والمفهوم إلاّ أنّها في مرحلة العينيةِ الخارجيةِ، والواقع الخارجِي متحدةٌ.

وبتعبير آخر: إن الذات الاِلَهيّة في عين بساطتها، واجدةٌ لجميع هذه الكمالات، لا أنّ بعض الذات الاِلَهيّة «عِلم» وبعضها الآخر «قُدرة» والقسم الثالث هو «الحياة» بل هو سبحانه ـ كما يقول المحقّقون: ـ علمٌ كلُّه وقدرةٌ كلّهُ وحياةٌ كلهُ...

وعلى هذا الاَساس فإنّ الصفاتِ الذاتية للهِ تعالى، مع كونها قديمةً وأزليةً فهي في نفس الوقت عين ذاته سبحانه لا غيرها.

وأمّا ما يقولهُ فريقٌ من أنّ الصفات الاِلَهية قديمةٌ وأزليةٌ ولكنها زائدةٌ على الذات غير صحيح، لاَنّ هذه النظرة تنبع ـ في الحقيقة ـ من تشبيه صفات الله بصفات الاِنسان وحيث إنّ صفاتِ الاِنسان زائدةٌ على ذاته فقَد تصوَّروا أنّها بالنسبة إلى الله كذلك.

يقول الاِمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لم يَزلِ اللهُ ـ جلّ وعزّ ـ ربُّنا والعلمُ ذاتُه ولا معلومَ، والسَمعُ ذاتُه ولا مسموعَ، والبَصَرُ ذاتُه ولا مُبْصَرَ، والقدرةُ ذاتُه ولا مقدورَ»6

ويقول الاِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «وكمالُ الاِخلاصِ له نفي الصفاتِ عنه، لشهادة كلِّ صفَةٍ أنها غيرُ الموصوف، وشهادةِ كلّ موصوفٍ أنّه غير الصفة»7 - 8


1- إبراهيم | 10.
2- الروم | 30.
3- العنكبوت | 65.
4- آل عمران | 190.
5- التوحيد، للصدوق ص 84، الباب 3، الحديث 3.
6- التوحيد، للصدوق، ص 139 الباب 211، الحديث 1.
7- نهج البلاغة، الخطبة 1.
8- سمّى بعض من لا إلمامَ له بالمسائل الكلاميّة هذه النظرية بالتعطيل والمعتقدينَ بها بالمعطلة، في حين أنّ المعطّلة إنما يُطلَقُ على من لا يُثبت الصفات الجمالية للذات الاِلَهيّة، ويستلزم موقفُهم هذا خلوَّ الذات الاِلَهيّة من الكمالات الوجودية، وهذه العقيدة الخاطئة لا علاقة لها مطلقاً بنظرية (عينيّة الصفات للذات الاِلَهيّة ووحدتهما خارجاً) بل نظريةُ العينيّة هذه في عين كونها تُثبت الصفاتِ الجماليّة والكماليّة لله، مُنزَّهَة من الاِشكالات والاِعتراضات الواردةِ على نظريّة زيادةِ الصفاتِ على الذات.

09-02-2016 عدد القراءات 483



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا