21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: أصول الشيعة

التوحيد في الخالقية



المرتبة الثالثة من مراتب التوحيد هي التوحيد في الخالقية، بمعنى انّه لا خالق إلاَّ الله، وأنّ الوجود برمته مخلوقُه، وقد أكّد القرآن الكريم على هذه الحقيقة إذ قال: (قُلِ اللهُ خالقُ كلِّ شَيءٍ وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ)1

(ذلكمُ اللهُ رَبُّكُم خالقُ كلِّ شَيءٍ لا إلهَ إلاّ هُوَ)2

وليس الوحي وحده يثبت ذلك بل يقول به العقل ويؤكّده، لاَنّ كل ما سوى الله ممكنٌ محتاجٌ، وترتفع حاجته ويتحقّق وجوده من جانب الله.

إنّ التوحيد في الخالقية لا يعني نفي أصل السببيّة والعليّة في عالم الوجود، لاَنّ تأثيرَ كلِّ ظاهرة مادّية في مثلها منوطٌ بإذن الله، ووجودُ السبب وسَبَبيّتُه كلاهُما من مظاهر المشيئة الاِلَهية، فالله سبحانه هو الذي أعطى النور، والضوء للشمس والقمر، وإذا أراد سَلْبَه عنهما فعل ذلك دون مانع ومنازع، ولهذا كان الخالق الوحيد بلا ثان.

وقد أيّد القرآن الكريم ـ كما أسلفنا في الاَصل الثامن ـ قانون العليّة ونظام السببية في الكون كما قال الله: (يُرسلُ الرياحَ فتثيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَماءِ كيفَ يَشاء)3

فقد صَرَّحَتِ الآيةُ المذكورة بتأثير الرياح في تحريك السحابِ وسَوْقها.

إنّ تعمِيم خالقيّة الله على جميع الظواهر الطبيعيّة لايستلزم أبداً أن ننسب أفعال البشر القبيحة إلى الله تعالى، لاَنّ كل ظاهرة من الظواهر الكونية لكونها كائناً إمكانياً وإن كان مستحيلاً أن ترتدي ثوب الوجود من دون الاستناد إلى القدرة، والاِرادة الاِلَهيّة الكلية.

ولكن في مجال الاِنسان يجب أن نضيف إلى ذلك، أنّ الاِنسان لكونهِ كائناً مختاراً، وموجوداً ذا إرادة، فهو يفعلُ أو يترك بإرادته واختيارِهِ بحكم التقدير الاِلَهيّ أي إنّ الله قدّر وشاء أن يفعلَ الاِنسانُ ما يريد فعلهُ بإرادته، ويترك ما يريد تركه بإرادته، لهذا فإنّ اصطباغ الفعل البشري من حيث كونه طاعة أو معصية لله تعالى ناشىَ مِن نوعيّة إرادته واختيار الاِنسان نفسهِ.

وبعبارة أُخرى: إنّ الله واهبُ الوجود، والوجود مطلقاً مستند إليه، ولا قبح في الاَمر من هذه الناحية كما قال: (الّذِي أحسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلْقَه)4

ولكنّ جَعْلَ وجود هذا الفعل مطابقاً أو غير مطابق لمعايير العقل والشرع، نابعٌ في الحقيقة من كيفية اختيار الاِنسان وإرادته، وعزمه.

ولاِيضاح المقصود نأتي بمثال:

إنّ الاَكل والشرب من أفعال الاِنسان بلا ريب فيقال أكل فلان وشرب، ولكنّ كلاً من الفعلين يشتملان على جهتين:

الاَولى: الوجود، وهو الاَصل المشترك بينه وبين سائر الموجودات.

الثانية: تحديد الوجود وصبّه في قالب خاص وانصباغه بعنواني الاَكل والشرب، فالفعل من الجهة الاَُولى منسوب إلى الله سبحانه، فلا وجود في الكون إلاّ وهو مفاض منه تعالى، ولكنّه من الجهة الثانية منسوب إلى العبد إذ هو الذي باختياره وقدرته صَبَغ الوجود بصبغة خاصة وأضفى عليه عنواني الاَكل والشرب، فهو بفمه يمضغ الغذاء ويبلع الماء.

وبعبارة أُخرى: إنّ الله سبحانه هو الذي أقدر العبد على إيجاد الفعل، وفي الوقت نفسه أعطى له الحرية لصرف القدرة في أيّ نحو شاء، وهو صرفها في مورد الاَكل والشرب.

الاَصلُ الواحدُ والثلاثون: التوحيد في الربوبية

المرتبة الرابعة من مراتب التوحيد هو: التوحيد في الربوبية وتدبير الكون والاِنسان.

والتوحيد الربوبي يكون في مجالين:
1 ـ التَدبير التكوينيّ.
2 ـ التَدبير التشريعيّ.

وسنتحدّث عن التدبير التشريعيّ في أصل مستقل، فيما بعد، ونركّز في هذا الاَصل على التدبير في المجال التكويني.

إنّ تاريخ الاَنبياء يشهد بأن مسألة التوحيد في الخالقية لم تكن قط موضع نقاش في أُممهم وأقوامهم، وانما كان الشرك ـ لو كان ـ في تدبير الكون وإدارة العالم الطبيعي الذي كان يتبعه الشرك في العبادة.

فمشركو عصر النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام) كانوا يعتقدون بوحدة خالق الكون، إلاّ أنّهم كانوا يعتقدون خطأً بأنّ النجوم والكواكب هي الاَرباب والمدبّرات لهذا الكون، وقد تركّزت مناظرة إبراهيم لهم على هذه المسألة كما يتضح ذلك من بيان القرآن الكريم5

وكذا في عهد النبي يوسف (عليه السلام) الذي كان يعيش بعد النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام) فإنّ الشرك كان في مسألة الربوبية، وكأنَّ الله بعد أن خلقَ الكون، فوّض أمر تدبيره وإدارته إلى الآخرين.

ويتّضح هذا جلياً من الحوار الذي دار بين يوسف الصدِّيق (عليه السلام) وأصحابه في السجن إذ يقول:(ءأربابٌ مُتَفَرِّقُون خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القهّار)6

كما ويُستفاد من آيات القرآن الكريم أن مشركي عصر الرسالة كانوا يعتقدون بأنّ بعض مصيرهم إنّما هو بإيدي معبوداتهم إذ يقول: (واتَّخذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً ليكُونوا لَهُمْ عزّاً)7

ويقول أيضاً: (واتَّخذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً لَعَلّهُم يُنْصَرون * لا يَستطِيعُون نَصْرَهم وَهُم لهُمْ جُندٌ مُحْضَرونَ)8

إنّ القرآنَ الكريم يحذّر المشركين في آياتٍ عديدة بأنّ ما يعبدونه من الاََرباب المختلفَة غير قادرةٍ على جلب نفعٍ إلى عابِدِيها ولا دفعِ ضررٍ عنهم أبداً.

إنّ هذه الآيات تكشف عن أنّ مشركي عصر الرسالة المحمدية كانوا يعتقدون بأنّ تلكَ المعبودات تضرُ أو تنفع عُبّادها.9 وهذا هو كان الدافع لهم إلى عِبادتها.

إنّ هذه الآيات ونظائرَها ممّا يعكس ويصوّر عقائد المشركين في عصر الرسالة، تحكي عن أنّه رغم أنّهم كانوا يعتقدون بالتوحيد في الخالقية، إلاّ أنّهم كانوا مشركين في بعض الاَُمور المتعلّقة بربوبيّة الحق تعالى، إذ كانوا يعتقدون بأنّ معبوداتهم مؤثرة ـ على نحو الاستقلال ـ في الاَُمور والاَشياء، أي إنَّها فاعِلة في صفحة الكون من دون إذنِ الله ومشيئته بل بصورة مستقلّةٍ وحسب مشيئتها وإرادتها لا غير، وهي من صفات الربِّ الحقيقي.

ولقد عَمَدَ القرآنُ الكريمُ ـ بهدف منع أُولئك المشركين عن عبادة الاَصنام بصورة جذرية ـ إلى إبطال هذا الاِعتقاد الفاسد وهذا التصوّر الخاطىَ، وقال بأنّ هذه الاَصنام لاتضرّ ولاتنفع ولامثقال ذرة، فليس لهم أيّ تدبير وربوبيّة.

ففي بعض الآيات يندّد القرآنُ بالمشركين لكونهم يتّخذون لله تعالى نظيراً وندّاً، وشبيهاً ومثيلاً، إذ يقول: (وَمن الناسِ مَنْ يتّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْداداً يُحبُّونَهُمَ كحبِّ اللهِ)10

وقد ورد تقبيح اتّخاذ الندّ للهِ في آيات قرآنية أُخرى أيضا11 ويتضح من الآيات المذكورة أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لتلك الاَصنام شؤوناً مثل شؤون اللهِ سبحانه، ثم انطلاقاً من هذا التصوّر كانوا يحبّون تلك الاَصنام ويودّونها بل ويعبدونها!!

وبعبارة أُخرى: لقد كان المشركون يعبدون تلك الاَوثان والاَصنام لكونها ـ حسب تصوّرهم وزعمهم ـ «أنداداً» و «نظراء» لله سبحانَه في التدبير.

إنّ القرآن الكريم ينقل عن المشركين يومَ القيامة بأنّهم يقولون تنديداً بأَنفسهم وبأَصنامهم: (تَاللهِ إنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبينِ * إذ نسَوِّيكُمْ بِرَبّ العَالَمِين)12 أجل إنّ دائرةَ ربوبية الله واسعة، ومن أجل هذا كان مشركو عصر الرسالة موحّدين في أُمور هامّة. كالرزق والاِحياء والاِماتة والتدبير الكلي للكون كما يقول القرآن الكريم: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والاَرْض أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والاََبْصارَ وَمَنْ يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيّتِ وَيُخرِجُ الميّتَ منَ الحيّ وَمَنْ يُدَبّرُ الاَمرَ فَسَيَقُولونَ الله فَقُلْ أفَلاَ تَتَّقون)13.

(قُلْ لِمَن الاَرضُ ومَنْ فيها إنْ كنْتُمْ تَعلَمونَ * سَيَقُولونَ للهِ قُل أفَلا تَذَكَّرُون * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وربُّ العرشِ العظِيم * سَيُقُولُونَ لله قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ)14

وَلكنَّ هؤلاء الاَفراد أنفسَهم ـ كما مرّ في آيات سورة مريم وسورة يسـ ينسبون بعض الاَُمور والشؤون مثل النَصر في القتال والحفْظ في السَفَر، وَما شابهَ ذلك، إلى مَعْبُوداتهم وأصنامِهمْ ويَعْتَقدون بتأثيرها الذاتيّ والمُستقلِّ في مصائرهم.

وأبْرزُ من كل ذلك؛ الشفاعةُ التي كانوا يرون أنّها حقٌ طلْقٌ لتلك الاَصنام وكانوا يَعتقدون بأنّها تشفع من غير إذن الله، وأنّ شفاعَتها مفيدةٌ لا مَحالة ومؤثّرة قطعاً وجزماً.

وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون بعض الاَفراد يعتقدون بتدبير اللهِ لبعض الاَُمور دون سواه فيكونون موحّدين في هذا المجال، بينما يعتقدون بتدبير الاَصنام والاَوثان لاَُمور وجوانب أُخرى من مصائرهم وشؤونهم كالشفاعة والاِضرار والاِنفاع والاِعزاز والمغفرة، فيكونون مشركين فيهذه المجالات.

وَلكنّ «التوحيد في الربوبية» يفنّد كلَّ لونٍ من ألوان تصوّر الاِستقلال، والتأثير المستقل عن الاِذن الاِلَهيّ كليّاً كان، أو جزئياً.

فهو يُبطل أي إسنادٍ، لتأثير غير الله في مصير الاِنسان والكون، وتدبير شؤونها بمعزلٍ عن الاِذن الاِلَهيّ وبهذا يُبطل ويرفُضُ عبادةَ غير اللهِ تعالى.

إنَّ الدليل على التوحيد الربوبيّ واضحٌ تمامَ الوضوح، لاَنّ تدبيرَ عالمِ الخلق، في مجال الاِنسان والكون، لا ينفصل عن مسألة الخَلْقِ، وليس شيئاً غير عمليّة الخَلق.

فإذا كانَ خالقُ الكونِ والاِنسان واحداً، كان مدبّرهما بالطبع والبداهة واحداً كذلك، لوضوح العلاقة الكاملة بين عمليّة التدبير وعملية الخَلْق للعالم.

ولهذا فإنّ الله تعالى عندما يصف نفسَه بكونه خالِقَ الاَشياء يصف نفسَه في ذاتِ الوَقتِ بأنّه مدبّرُها (اللهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ثمّ اسْتَوى على العَرْشِ وسَخّرَ الشَّمسَ والقَمَرَ كلٌّ يَجْرِي لاَجَلٍ مُسمًّى يُدَبِّرُ الاَمرَ...)15.

وفي آية أُخرى يعتبر التناسقَ والانسجام السائد والحاكم على الكون دليلاً على وحدة مدبر العالم إذ يقول: (لَوْ كانَ فيهما آلِهةٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا)16.

إنَّ التوحيد في التدبير لاينافي وجودَ مدبّراتٍ أُخرى تقومُ بوظائفها بإذن الله في صفحة الكون، فهي بالحقيقةِ مظاهِر لِربوبية الحق تعالى.

ولهذا فإنَّ القرآن الكريم مع تأكيده الشديد على التوحيد في الربُوبيّة والتدبير يصرّح بوجود مدبّراتٍ أُخرى في صفحة الكون إذ يقول: (فالمدبّراتِ أمْراً)17

الاَصل الثاني والثلاثون: التوحيد في الحاكمية والتقنين

بعد أن ثبت ـ في الاَصل السابق ـ أنّ للكون مدبّراً حقيقياً واحداً هو الله تعالى وأنّ تدبير العالم وحياة الاِنسان بيده دون سواه، كان تدبير أمر الاِنسان في صعيد الشريعة ـ سواء في مجال الحكومة أو التقنين أو الطاعة أو الشفاعة أو المغفرة ـ برمّته بيده تعالى، ومن شؤونه الخاصة به، فلا يحق لاَحد أن يتصرّف في هذه المجالات والاَصعدة من دون إذن الله تعالى، ولهذا يُعتبر التوحيدُ في الحاكمية، والتوحيد في التشريع، والتوحيد في الطاعة، والتوحيد في الشفاعة والمغفرة.. من فروع التوحيد في التدبير وشقوقه ولوازمه.

فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاكماً على المسلمين فإنّ هذا نابعٌ من إختيار الله تعالى إيّاه لهذا المنصب.

وانطلاقاً من هذه العلّة ذاتها تجب إطاعتهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) بل إنّ إطاعته نفس إطاعة الله، قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ)18

وقال أيضاً: (وَما أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاّ لِيُطاعَ بِإِذنِ اللهِ)19

فلو لم يكن الاِذنُ الاِلهيّ ما كانَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاكماً ولا مُطاعاً.

فحكومتهُ وطاعتهُ مظهرٌ لحاكمية الله وطاعته.

كما أنّ تحديدَ الوظيفَة وتشخيص التكليف بما أنّه من شُؤون الربوبية، لم يَحِقّ ولا يحقّ لاَحدٍ أن يحكم بغير ما أمر اللهُ به، وأن يقضيَ بغير ما أنزل: (ومَنْ لَمْ يَحكُمْ بِما أنَزَلَ اللهُ فأُولئِكَ هُمُ الكافِروُنَ)20

وهكذا تكون الشفاعة ومغفرة الذنوب من حقوق الله الخاصة به فلا يقدر أَحَدٌ أنْ يَشْفَعَ لاََحدٍ من دُون إذنهِ تعالى:(مَنْ ذا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذنِهِ)21.

وَعَلى هذا الاََساس يكونُ شراء صُكوك الغفران وبَيعُها، تصوّراً بأنّ لاَحدٍ غير المقام الربوبي أن يَهبَ الجنّة لاَحَدٍ، أو يخلّصَ أحداً من العذاب الاَُخروي كما هو رائجٌ في المسيحيّة، أمراً باطلاً لا أساس له من الصحَّة في نظر الاِسلام كما جاء في القرآن الكريم: (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللهُ)22

فالموَحدُ ـ في ضوء ما قلناه ـ يجب أن يعتقِدَ ـ في مجال الشريعة ـ بأنّ الله وحده لا سواه هو الحاكم والمرجَع، إلاّ أنْ يعيّن الله شخصاً للقيادة، وبيانِ الوظائف الدينية.

الاَصلُ الثالِثُ والثلاثون: التوحيد في العبادة

إنّ التوحيدَ في العبادة هو الاَصل المشترك والقاعدة المتفق عليها بين جميع الشرائع السماوية.

وبكلمة واحدة: إنّ الهدف الاَسمى من بَعث الاَنبياء والرُسُل الاِلَهيّين هو التذكير بهذا الاَصل كما يقول: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كلّ أُمَّةٍ رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغوتَ)23

إِنّ جميع المسلمين يعترفون في صلواتهم اليومية بهذا الاَصل ويقولون: (إيّاكَ نَعْبُدُ)24

وعلى هذا الاَساس فإنّ وجوبَ عبادة الله وحده، والاجتناب عن عبادة غيره أَمرٌ مسلَّمٌ لا كلامَ فيه، ولا يخالف أحد في هذه القاعدة الكلية أبداً، وإنّما الكلام هو في أنّ بعض الاَعمال والممارَسات هل هي مصداق لعبادة غير الله أم لا؟ وللوصُول إلى القولِ الفصلِ في هذا المجال يجب تحديد مفهوم العبادة تحديداً دقيقاً، وتعريفها تعريفاً منطقياً، بغية تمييز ما يدخل تحت هذا العنوان ويكون عبادة، ممّا لا يكون كذلك، بل يُؤتى به من باب التعظيم والتكريم.

لاشك ولا ريبَ في أنّ عِبادةَ الوالدين والاَنبياء والاَولياء حرامٌ وشركٌ، ولكن مع ذلك يكون احترامهم واجباً وعينَ التوحيد: (وَقضى رَبُّكَ أنْ لا تَعْبُدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحْساناً)25

والآن يجب أن نرى ما هو العنصر الذي يميّز «العبادةَ» عن «التكريم»؟ وكيف يكون العملُ الواحدُ في بعض الموارد (مثل سجود الملائكة لآدم، وَسُجود يعقوب وأولاده ليوسف) عينَ التوحيد، ولكن نفسَ العمل يكونُ في مواردَ أُخرى عينَ الشرك والوثنية.

إنّ الجوابَ على هذا السؤال يتّضح من البحث السابق الذي كانَ حول التوحيد في التدبير.

إنّ العبادَة (التي نُفيت عَنْ غير الله ونُهي عنها) عبارة عن خضوع إنسانٍ أمام شيء أو شخصٍ باعتقاد أنّ بيده مصير العالم كلّهِ أو بعضه، أو بيده إختيار الاِنسان ومصيره، وانّه مالك أمره، وبتعبير آخر: ربّه.

أمّا إذا كان الخضوع أمام كائن مّا لا بهذا الاعتقاد، إنّما من جهة كونه عَبداً صالحاً لله، وصاحبَ فضيلةٍ وكرامة، أو لكونه منشأَ إحسان، وصاحب يدٍ على الاِنسان، فإنّ مثل هذا العمل يكون مجردَ تكريم وتعظيم لا عبادةً له.

ولهذا السبب بالذات لا يوصف سجود الملائكة لآدم، أو سجود يعقوب وأَبنائه ليوسف بصفة الشرك والعبادة فهذا السجود كان ينبع من الاِعتقاد بعبوديّة آدم ويوسف إلى جانب كرامتهما ومنزلتهما عند الله، وليس نابعاً من الاِعتقاد بربوبيّتهما أو أُلوهيّتهما.

بالنظر إلى هذه الضابطة يمكن الحكم في ما يقوم به المسلمون في المشاهد المشرَّفة من احترام وتكريم لاَولياء الله المقرَّبين، فإنَّ من الواضح أنّ تقبيل الضرائح المقدسة، أو إظهار الفَرَح والسُرور يوم ميلادِ النبي وبعثته (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطوي إلاّ على تكريم النبي الكريم ولا يُقصَد منه إلاّ إِظهار مودّته ومحبته ولا تكون ناشئةً من أُمورٍ مثل الاعتقاد بربوبيته قَطْ.

وهكذا الحال في الممارسات الاَخرى مثل إنشاء القصائد والاَشعار في مدح أولياء الله أو مراثيهم، وكذا حفظ آثار الرسالة، وإقامة البناء على قبور عظماء الدين، فانها ليست بشركٍ ولا بدعة.

وأَمّا كونها ليست بشركٍ فلاَنّها تنبع من مودَّة أَولياء الله (لا الاِعتقاد بربوبيتهم).

وأمّا كونها ليست ببدعَة أيضاً فلاََنّ جميع هذه الاَعمال تقومُ على أساسٍ قرآنيّ ورِوائيٍ، وينطلق من أصل وجوب محبة النبي وآله.

فأَعمال التكريم هذه مَظْهَرٌ من مظاهِر إبراز هذه المودة والمحبة التي حثّ عليها الكتاب والسنّة (وسيأتي توضيح هذا الموضوع في الفصل المتعلّق بالبدعة مستقبلاً).

وفي المقابل يكون سجودُ المشركين لاَصنامهم مرفوضاً ومردوداً لكونه نابعاً من الاِعتقاد بربوبيتها ومدبريَّتها وأنّ بيدها قسماً من شؤون الناس... أو على الاَقل لاَنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ العزة والذِلّة، والمغفرة والشفاعة بأَيدي تلك الاَصنام!!


1- الرعد | 16.
2- غافر | 62.
3- الروم | 48.
4- السجدة | 7.
5- راجع الاَنعام | 76 ـ 78.
6- يوسف | 39.
7- مريم | 81.
8- يس | 74 ـ 75.
9- راجع: يونس | 18، والفرقان | 55.
10- البقرة | 165.
11- راجع: البقرة | 21، إبراهيم | 30، سبأ | 33، الزمر | 8، فصلت | 9.
12- الشعراء 97 ـ 98.
13- يونس | 31.
14- المؤمنون | 84 ـ 87.
15- الرعد | 2.
16- الاَنبياء | 22.
17- النازعات | 5.
18- النساء | 80.
19- النساء | 64.
20- المائدة | 44.
21- البقرة | 255.
22- آل عمران | 135.
23- النحل | 36.
24- الفاتحة | 5.
25- الاِسراء | 23.

09-02-2016 عدد القراءات 390



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا