22 تشرين الأول2017 الموافق لـ 02 صفر 1439هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: دول الشيعة في التاريخ

الدَولَة الحَمْدَانيَّة



الحمدانيون نسبهم ومذهبهم:
من هم الحمدانيون؟ وما هو مذهبهم؟
ينتسب الحمدانيون إلى قبيلة تغلب، وكان بنو تغلب بن وائل من أعظم بطون ربيعة بن نزار، وكانوا من نصارى العرب في الجاهلية، لهم محل في الكثرة والعدد. ثم كان منهم في الإسلام ثلاثة بيوت: آل عمر بن الخطاب العدوي، وآل هارون المغمر، وال حمدان بن حمدون.

وحمدان هذا هو جد الأمراء الحمدانيين، وكان على جانب من الثراء، ورب قبيلة، تنظر إليه بقية القبائل بالتجلة والاحترام، وكان أميراً على قلعة ماردين القريبة من الموصل من قبل العباسيين، ثم أعلن الاستقلال عنهم سنة 281 هجري، وكان ذلك في خلافة المعتضد، ودارت بين حمدان والخليفة العباسي معارك كانت الغلبة فيها على حمدان.

وأنجب حمدان سبعة أولاد1 منهم أبو الهيجاء والد ناصر الدولة وسيف الدولة، وأبو العطاف.

أما تشيع الحمدانيين فلا يختلف فيه اثنان، وقد ظهر ذلك جلياً في هجرة علماء الشيعة إليهم، كالشريف أبي ابراهيم جد بني زهرة، وفي مدح الشعراء لهم، كالسري والصنوبري وكشاجم والناشي والزاهي وغيرهم، وفي سنة 354 هجري ضرب سيف الدولة دنانير جديدة كتب عليها «لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فاطمة الزهراء الحسن والحسين جبريل عليهم السلام».

ويأبى المستشرقون إلا أن يفسروا الأشياء على أهوائهم وبغير حقيقتها.

قال كبيرهم بركلمن في الجزء الثاني من «تاريخ الشعوب الاسلامية» ص 89 طبعة 1954 ترجمة منير بعلبكي: «إن سيف الدولة أظهر الطاعة للفاطميين عندما نشروا سلطانهم على مصر، وبالتالي اتبع المذهب الشيعي» أي إن سيف الدولة تشيع إرضاء للفاطميين مع العلم بأن سيف الدولة توفي قبل دخول الفاطميين مصر2 .

الاثنا عشرية:
بقي أن نعرف إلى أي مذهب شيعي تنتسب اسرة الحمدانيين، إلى الزيدية أو الإسماعيلية أو الاثني عشرية؟

ويجيب عن هذا التساؤل مصطفى الشكعة في كتابه «فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين»، ويتلخص قوله بما يلي:

إن شعر أبي فراس يكشف لنا هذا اللغز الذي ظل غامضاً، حتى الآن، والذي لم يحاول أحد من المؤرخين القدامى، ولا من المحدثين أن يدرسه، وبذلك يكون الشعر قد أسدى إلى علم التاريخ مآثر جليلة، وكشف حقيقة كان الأولى بالتاريخ أن يحتصنها.

يقول أبو فراس من قصيدته الميمية:
يا للرجال أما لله منتصف*** من الطغاة أما للدين منتقم
بنو علي رعايا في ديارهم*** والأمر تملكه النسوان والخدم
محلئون فأقصى شربهم وشل*** عن الورود وأوفى ودهم لمم
فالأرض إلا على ملاكها سعة*** والمال إلا على أربابه ديم

وبعد هذه المقدمة المشحونة بالعطف على آل البيت ينتقل الأمير الشاعر إلى هجاء العباسيين، لأنهم نالوا الخلافة بالرسول، ثم لم يراعوا حرمة آل بيته، ويعقد مقارنة بين بني علي، وبني العباس، ويقول:
لا يطغين بني العباس ملكهم*** بنو علي مواليهم وإن زعموا
أتفخرون عليهم لا أبا لكم*** حتى كأن رسول الله جدكم
وما توازن فيما بينكم شرف*** ولا تساوت بكم في موطن قدم
ولا لكم مثلهم في المجد متصل*** ولا لجدكم معشار جدهم
قام النبي بها يوم الغدير لهم*** والله يشهد والأملاك والأمم
وصيرت بينهم شورى كأنهم*** لا يعرفون ولاة الحف أيهم
تاللّه ما جهل الأقوام موضعها*** لكنهم ستروا وجه الذي علموا
ثم ادعاها بنو العباس إرثهم*** ولا لهم قَدم فيها ولا قِدم
بئس الجزاء جزيتم في بني حسن*** أبوهم العلم الهادي وأمهم
لا بيعة ردعتكم عن دمائهم*** ولا يمين ولا قربى ولا رحم

وهكذا يرمي بني العباس بالغدر الذي يتضاءل أمامه ما لاقوه على أيدي بني أمية:
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت*** تلك الجرائم إلا دون نيلكم
كم غدرة لكم في الدين واضحة*** وكم دم لرسول اللّه عندكم
أأنتم آله فيما ترون وفي*** أظفاركم من بنيه الطاهرين دم
يا جاهداً في مساويهم يكتمها*** غدر الرشيد بيحيى كيف يكتتم

وبعد هذه الحملة الشعواء على العباسيين يعطينا أبو فراس مفتاحاً لمذهبه الشيعي، حيث يذكر موسى الكاظم وعلي الرضا، وهذان الإمامان ليسا من الأئمة عند الزيدية ولا عند الإسماعيلية ، وإنما هما من أئمة الاثني عشرية. قال:
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا*** مأمونكم كالرضا إن أنصف الحكم
خلوا الفخار لعلامين إن سئلوا*** يوم السؤال وعمالين إن عملوا
لا يغضبون لغير اللّه إن غضبوا*** ولا يضيعون حكم اللّه إن حكموا
تبدو التلاوة من أبياتهم أبداً*** ومن بيوتكم الأوتار والنغم
منكم علية أم منهم وكان لكم*** شيخ المغنين إبراهيم أم لهم
ما في ديارهم للخمر معتصر*** ولا بيوتهم للسوء معتصم
والركن والبيت والأستار منزلهم*** وزمزم والصفا والحجر والحرم
صلى الإله عليهم أينما ذكروا*** لأنهم للورى كهف ومعتصم

وإذا كان الشاعر قد أعطانا في هذه القصيدة إشارة عابرة إلى أنه يعتنق مذهب الاثني عشرية، فإنه ينتقل بنا إلى التصريح والتأكيد في الأبيات التالية التي عدد فيها الأئمة الاثني عشر واحداً بعد واحد:
لست أرجو النجاة من كل ما*** أخشاه إلا بأحمد وعلي
وببنت الرسول فاطمة*** الطهر وسبطيه والإمام علي
والتقي النقي باقر علم*** اللّه فينا محمد بن علي
وابنه جعفر وموسى ومولا*** نا علي أكرم به من علي
وأبي جعفر سمي رسول اللّه*** ثم ابنه الزكي علي
وابنه العسكري والمظهر*** حقي محمد بن علي
فبهم أرتجي بلوغ الأماني*** يوم عرضي على مليك علي

في البيت الأول ذكر علياً، وفي البيت الثاني ذكر الحسن والحسين وعلي بن الحسين، وفي البيت الثالث ذكر محمداً الباقر، وفي البيت الرابع ذكر جعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا، وفي البيت الخامس ذكر أبا جعفر، وهو محمد الجواد وعلي الهادي، وفي البيت السادس ذكر الإمام العسكري والمهدي المنتظر، له أبيات أخرى يتوسل بها ويطلب الشفاعة بمحمد وفاطمة والأئمة الاثني عشر:
شافعي أحمد النبي ومولا*** ي علي والبنت والسبطان
وعلي وباقر العلم والصا*** دق ثم الأمين ذو التبيان
وعلي ومحمد بن علي*** وعلي والعسكري الداني
والإمام المهدي في يوم لا*** ينفع إلا غفران ذي الغفران

وإذا عرفنا أن أبا فراس ربي في حجر سيف الدولة منذ كان طفلاً صغيراً، ونشأ على يديه، وتعلم تحت رعايته، وأنه قد اختار له معلماً ومربياً اثني عشريّاً، إذا عرفنا ذلك عرفنا أن سيف الدولة بخاصة، والحمدانيين بعامة كانوا يعتنقون المذهب الاثني عشري.

ناصر الدولة:
كان لحمدان وأولاده شأن كبير في الدولة العباسية، ثاروا على الخلافة أكثر من مرة، وسجنوا مرات، وتولوا كثيراً من المناصب الكبرى في داخل بغداد وخارجها، فحمدان نفسه كان أميراً في قلعة ماردين، وابنه الحسين تولى ديار ربيعة، ثم قم وقاشان، واحتل مصر بعد انتصاره على الطوليين، وأخوه العلاء تولى الموصل، ثم تولاها بعده أخوه أبو الهيجاء والد ناصر الدولة وسيف الدولة، وبقي والياً عليها إلى أن قتل سنة 317، وترك عليها ابنه ناصر الدولة.

وكانت الدولة العباسية في هذا الوقت تعاني النزع والانحلال بظهور سلطان المتغلبين في أطراف المملكة والثغور، فقامت في فارس دولة بني بويه، وفي مصر وسورية دولة الأخشيديين، وفي إفريقيا دولة الفاطميين، وفي إسبانيا دولة الأمويين، واستقل بنو سامان في خراسان، والقرامطة بالبحرين، وأعلن البريدي حكمه على البصرة وواسط، وزحف إلى بغداد، يحدث هذا كله، والحمدانيون ينتظرون الفرصة، ويعدون أنفسهم لما هو أهم من الولاية والإمارة، مع أن الحكم في الموصل لهم وحدهم، ولا شيء للخليفة سوى الاسم.

ولم تمض الأيام، حتى يهرب الخليفة المتقي من بغداد خوفاً من البريديين، ويلتجئ إلى ناصر الدولة في الموصل، فألف ناصر الدولة جيشاً من العاصمة، حتى نزح عنها البريدي إلى واسط، فتبعه سيف الدولة، وانتزعها منه، ولما استقرت الحال بالخليفة جعل ناصر الدولة أمير الأمراء، وأخذ ناصر في مزاولة سلطته الجديدة في بغداد، فبدأ بالعمارة، وحال دون عبث التجار والصيارفة وضرب دنانير جديدة، وهدد بإنزال العقاب على كل من لم يقلع عن الربا والغش، إلا أن إمرة الأمراء لم تطل مدتها في الحمدانيين لاضطراب الأمور في بغداد، فترك ناصر الدولة هذه الإمرة، وعاد إلى الموصل ليبسط سلطانه عليها، وعلى الديار المجاورة، وعاد سيف الدولة، ليفتح حلب، ويوطد بها ملكه.

وظل ناصر الدولة يحكم الموصل بيد من حديد في حين يوطد أخوه سيف الدولة ملكه في حلب، ويغزو بلاد الروم إلى سنة 356، وهي السنة التي مات فيها سيف الدولة، فقبض أبو تغلب على أبيه الأمير، واعتقله3 ودارت حروب وخلافات بين أبي تغلب وأخيه حمدان، وكان خلاف ابناء ناصر الدولة، وقيام بعضهم ضد بعض مدعاة لأن يتقدم عضد الدولة البويهي إلى الموصل، ويطرد أبا تغلب منها، ويستولي عليها بعد أن دامت في أيدي الحمدانيين من سنة 293 إلى سنة 367 التي استولى فيها عضد الدولة عليها، وكان الحمدانيون يجلون بعض الوقت عن الموصل خلال هذه المدة ثم يعودون إليها.

سيف الدولة:
كانت حلب كالريشة في مهب الريح تخضع تارة للخليفة العباسي في بغداد، وتارة للاخشيديين في مصر ودمشق، وهي إلى ذلك على حدود البيزنطيين، وكان سيف الدولة قد طلب من أخيه ناصر الدولة ولاية، فقال له: دونك الشام فلا أحد يمنعك عنها، وجهزه بألف فارس، فسار إلى حلب، ودخلها سنة 333 بدون مقاومة، ثم سار إلى دمشق وانتزعها من الأخشيديين، ونشبت بينهما حروب كان النصر فيها أولاً حليف سيف الدولة، وأقام بدمشق مدة وجبى خراجها، ثم استردها الأخشيديون منه، وأخيراً تم الصلح بينهما، وتزوج سيف الدولة فاطمة بنت الأخشيد، وتقرر أن تكون حلب وحمص وإنطاكية لسيف الدولة، ودمشق وما وراءها، حتى مصر للأخشيديين.

«وكانت علائق الأخشيديين كصلات الحمدانيين اسمية مع خلفاء بغداد، واشتهر الأخشيديون، وهم عجم، بشحهم، واشتهر الحمدانيون العرب في مغالاتهم بالكرم، وكان الأخشيديون من أهل السنة، والحمدانيون من الشيعة، ولذلك كثر التشيع في شمال الشام على عهدهم4».

وقضى سيف الدولة حياته في حروب داخلية وخارجية، فقبل أن يفتح حلب حارب البريدي في واسط، وانتزعها منه، وفي سنة 326، غزا أرض الروم، فاستقبلوه بمائتي ألف فارس، فأعمل فيهم السيف وهزمهم، وأسر سبعين بطريقاً، وسنة 328 كان انتصاره على الروم أعظم، حيث خرج غازياً مدينة فاليقا، وكان الروم قد بنوا حذاءها مدينة أسموها هفجيج، فلما علموا بمسيره خربوا المدينة وهربوا، وظل سيف الدولة يتقدم في بلاد الروم - قبل فتحه حلب - حتى وطأ مواطئ لم يصل إليها أحد من المسلمين5 .

وبعد أن فتح حلب، واستقر له الأمر كانت لا تمر سنة دون غزوة أو أكثر، قال كرد علي في الجزء الأول من خطط الشام: «غزا سيف الدولة الروم أربعين غزوة، له وعليه، وقد حفظ بغزواته بيضة العرب والإسلام، ولولاه لتقدم الروم في بلاد الشام، وربما استصفوها كلها بعد أن ضعف العباسيون. وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً، وعمله لبنة بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليه في لحده. فنفذت وصيته».

وأما الفتن الداخلية التي واجهها أيام ملكه في حلب فهي ثورة بني كلاب سنة 343 وبني عقيل، وبني قشير، وبني العجلان، ثم الفتنة التي قام بها رشيق النسيمي في إنطاكية سنة 354، وفتنة مروان العقيلي بحمص، وفي سنة 355 ثار دزبر الديلمي بإنطاكية. وهكذا كان سيف الدولة يغزو بلاد الروم، ثم يعود إلى مقره وعاصمته ليقضي على الفتن الداخلية.

وتوفي سيف الدولة سنة 358، وقام بعده ابنه أبو المعالي الملقب بسعد الدولة، ومات سنة 381، وتولى بعده ابنه أبو الفضائل الملقب بسعيد الدولة، ومات سنة 392، وبموته انتهت إمارة الحمدانيين التي استمرت على الموصل وحلب، وما يتبعهما من سنة 293 إلى سنة 392.

عظمة سيف الدولة:
تحدث الناس قديماً وحديثاً عن عظمة سيف الدولة، وتغنى بها الشعراء، وأشاد بها المؤرخون والأدباء في الشرق والغرب، ووضعوا في آثاره وأعماله الكتب والمجلدات، وخير ما قرأت في هذا الباب كتاب «سيف الدولة وعصر الحمدانيين» لسامي الكيالي، وقدم له إسماعيل أحمد أدهم، اقتطف من كلامهما القطعة التالية:
«سيف الدولة أحد أبطال التاريخ، وصاحب شخصية حافلة بالحياة والنشاط، وذو نواح متعددة، تتراقص على جنباتها المغامرة، والشعر والسيف والقلم، والبطولة والأدب، فهو من الشخصيات التي تثير الإعجاب، وتسترعي النظر. مر بتاريخ العرب في فترة كانت الفوضى تقتلها، فنجح في أن يلجم الفوضى، وأخرج منها نظاماً، وخلق من ضعف العرب قوة، وصمد لقوات الروم، وقاد جموع العرب يذود عن دولته بحد سيفه، وهو في هذا كله يذود عن العرب والإسلام.

قال غوستاف سيشلمبرجر: شغل سيف الدولة أذهان المؤرخين والكتاب والشعراء في القرن العاشر الميلادي، فما أن تقرأ صفحة لمؤرخ بيزنطي، أو قطعة لكاتب من كتاب ذلك العصر، أو قصيدة من قصائد شاعر من شعراء العرب أو اليونان، حتى يستهويك الوصف والحديث عنه.

لقد أقسم مؤرخ زار حلب في عصر سيف الدولة أن قصور الخلفاء في بغداد، وقصور ملوك الروم في القسطنطينية كانت أقل بهاء من قصور سيف الدولة، وأن الفنون على تباين أنواعها كانمت مضطهدة في عاصمة المسيحية، ولكنها كانت تنعم بتسامح كبير في عاصمة الحمدانيين، وكان المصورون والمثالون من الروم يهربون من قيصر إلى سيف الدولة، فيستقبلهم، ويكرمهم ويشجعهم، ويستفيد من عبقرياتهم».

وقال بروكلمن في «تاريخ الشعوب الاسلامية» ص 91 ج 2 : «ولئن كان سيف الدولة مديناً بما تم له من شهرة عريضة لنضاله الموفق ضد الروم في المحل الأول فليس من شك في أنه مدين بذلك في المحل الثاني لعطفه على الفنون والعلوم، ورعايته لها».

وبالتالي، فإن مدينة حلب في عهد سيف الدولة جمعت أكابر رجال ذلك العصر على اختلاف بلدانهم وتباين ثقافتهم، كالفارابي والشريف أبي إبراهيم جد بني زهرة، وابن نباتة والمتنبي والصنوبري وابن خالويه وابن جني والبكتمري والنامي وكشاجم وابن أبي الفياض وأبي الفرج العجلي، وكثيرين غيرهم من القضاة والنحويين والأدباء والشعراء والفنانين العرب وغير العرب.

الحمدانيون والتشيع:
انتشر التشيع، وارتفع شأنه في الموصل وحلب، وما إليهما في عهد الحمدانيين، واشتد بهم أزر الشيعة في العراق، قال آدم متز في «الحضارة الإسلامية»: «وكان الحمدانيون أول أسرة تدخل في أمور بغداد».

وقال الشيخ المظفر في «تاريخ الشيعة»:
«ارتفع شأن التشيع في سورية أيام سيف الدولة، وانتشق أهله الهواء الطلق بعد أن حبسه عنهم أرباب السلطات المتعاقبة. فكانت سورية أيام الحمدانيين مكتظة بالشيعة. وإذا دخلت المسجد الأموي الرفيع بناية، والمشيد عمارة، وتوسطته واقفاً تحت قبته، فارفع رأسك لتنظر اسم علي والحسن والحسين في باطن القبة، فأين اسم معاوية ويزيد وملوك آل مروان الذين رفعوا بناء ذلك المسجد؟!».

وقال كرد علي في المجلد السادس من خطط الشام ص 258:
«كان أهل حلب سنة حنفية، حتى قدم الشريف أبو إبراهيم الممدوح - في عهد سيف الدولة - فصار فيها شيعة وشافعية، وأتى صلاح الدين، وخلفاؤه فيها على التشيع، كما أتى عليه في مصر، وكان المؤذن في جوامع الشهباء يؤذن بحي على خير العمل، وحاول السلجوقيون مرات القضاء على التشيع، فلم يوفقوا إلى ذلك، وكان حكم بني حمدان، وهم شيعة من جملة الأسباب الداعية إلى تأصل التشيع في الشمال، ولا يزال على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل جوشن بظاهر حلب ذكر الأئمة الاثني عشر، وقد خرب الآن.

ووصف ابن جبير المذاهب المتغلبة على الشام في القرن السادس، فقال: «للشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة، وهم أكثر من السنييّن بها، وقد عموا البلاد بمذاهبهم».

وحين أراد صلاح الدين الأيوبي الاستيلاء على حلب، استنجد الوالي بأهلها، وطلب منهم العون، وأن يعبئوا أنفسهم تعبئة عامة، فاشترط عليه الشيعة إن أجابوه أن يعيد في الأذان حيّ على خير العمل في جميع المساجد، وينادي باسم الأئمة الاثني عشر أمام الجنائز، ويكبر على الميت خمس تكبيرات، ويفوض أمر العقود والأنكحة لشيخ الشيعة أبي المكارم حمزة بن زهرة، فقبل الوالي ذلك كله.

إن الحمدانيين لم يكرهوا أحداً على التشيع، ولم يغروه بالمال والمناصب، ولم يؤلفوا الهيئات والمنظمات للدعاية، بل تركوا الناس يختارون لأنفسهم ما يشاؤون، ويعتقدون ما يريدون، فانبرى الدعاة المخلصون، وأعلنوا الحق، فآمن به من آمن، حيث لا ضغط ولا إكره، على عكس العباسيين والأمويين، وصلاح الدين.

لقد حمل الأيوبي معه إلى مصر وسورية تياراً هائلاً من التعصب الأعمى - وكل تعصب هو أعمى - كان له أسوأ الأثر في حياة المسلمين، وما زالوا يعانون منه، حتى اليوم أما الحمدانيون فقد كانوا أصحاء في عقولهم، كما كانوا على حق في دينهم، لذا تسامحوا، وتركوا للناس حرية القول والتفكير مما جعلهم ملجأ وملاذاً للعلماء والفلاسفة والأدباء ورجال الفكر من جميع الأديان والمذاهب، حتى أن رجال الفن من الروم كانوا يهربون من مليكهم قيصر إلى سيف الدولة، حيث يجدون عنده ما لم يجدوه في بلادهم وعند أبناء دينهم ولغتهم. من هنا ترك لنا عصر الحمدانيين هذه الآثار والكنوز.

ولو افترض أن صلاح الدين الأيوبي كان على حق في تسننه، وأن الشيعة كانوا على ضلال في تشيعهم فأي مبرر له في قتلهم واستئصالهم؟ إن قوانين الدول المتحضرة تنص على أن لكل إنسان الحق في إعلان آرائه ومعتقداته، بل والترويج لها ما دام لا يتعدى على حق غيره. وهؤلاء المسلمون في كل مكان يعتقدون أن العين بالعين والسن بالسن، وقوانين دولتهم تنص على خلاف ذلك، ولكنها لا تعاقب أحداً منهم، ما دام لم يسمل عين أحد، أو يكسر سن أحد.
لقد أراد صلاح الدين الأيوبي، ومن على شاكلته أن يقضي على الشيعة والتشيع، ويأبى اللّه إلا أن يتم نور آل الرسول المنبثق عن نور اللّه بالذات.


1 - السيد محسن الأمين «أبو فراس».
2- مات سيف الدولة سنة 356، ودخل جوهر قائد الفاطميين مصر سنة 358 .
3- توفي ناصر الدولة سنة 358 كما في الجزء ال22 من أعيان الشيعة.
4- خطط الشام لكرد علي ص 218 ج 1 طبعة 1925 .
5- فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين ص 75 .

25-01-2016 عدد القراءات 548



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا