22 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 03 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: مقتطفات أخلاقية

الضيق المجهول



قد تنتاب الإنسان حالة من الضيق المفاجئ، ولا يعلم لذلك سببا واضحا..فالأمر قد يكون بدواعي ( طبعيّـة ) كالمرض والإرهاق وغيره، وقد يكون بسبب ( ارتباط ) الأرواح المؤمنة، فينعكس على الأرواح المتجانسة، بمقتضى وحدة الجسد الإيماني..ولا شك أن لتأثر ( قلب ) عالم الوجود - صاحب العصر (عليه السلام) - تأثيراً بالغاً في تأثر قلوب المحبين، وهو ما نلحظه بشكل واضح قبيل غروب الجمعة، لارتباط ذلك اليوم بوجوده الشريف..فانقضاء ذلك اليوم المتوقع فيه الظهور من دون فرج، مما يعكس الحزن والكآبة التي قد تمتد آثارها حتى في عالم الطبيعة.

مَظهرية المعصوم لصفات الحق
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ذيل قوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم": ( إن الله لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون مدَّبرون )الميزان-ج18ص118..فالمستفاد من هذا الحديث وغيره من الأحاديث في هذا المجال، أن المعصوم (عليه السلام) مظهر لحالة الرضا والغضب وغير ذلك من الصفات المنتسبة إلى الرب المتعال، رغم أنه مخلوق مدبَّـر كما في الحديث الشريف..ومن هنا تتأكد أهمية نيل رضا صاحب الأمر (عليه السلام) - وهو الإمام لأهل هذا الزمان - لأن رضاه ( كاشف ) عن رضا الرب بل ( ملازم ) له..وقد وردت عبارة بليغة في زيارة الحسين (عليه السلام) التي أوصى بها الإمام الصادق (عليه السلام) وهى: "إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم"البحار-ج101ص151.

المعرفة الإكتسابية والإشراقية
إن العلم بموقع الأئمة (عليه السلام) من ( الحق ) وموقعهم في ( الخلق )، يتحقق بمراجعة الأحاديث الواردة منهم كالزيارة الجامعة وغيرها من روافد المعرفة ( الإكتسابية )..إلا أن هناك طريقاً آخر للمعرفة يتمثل بالمعرفة ( الإشراقية ) التي تمنح للسائرين في طريق تقوى الله تعالى والتوسل بأوليائه (عليه السلام)..ومن هنا نرى النماذج المتميزة من أصحابهم الذين تفانوا في حبهم، كعابس بن شبيب الذي صاح قائلا: حب الحسين أجنّـني، ممن لم يملك المعرفة النظرية المستقاة من الكتب، بالشكل الذي قد نطلع نحن عليه، من خلال انتشار تراثـهم في هذه العصور.

الأنوار المحدقة بالعرش
ينبغي استذكار حالة ( المـنّة ) الإلهية لأهل الأرض، وذلك ( بإهباط ) الأنوار المحدقة بعرشه إلى أرضه..ومن المعلوم أن هذه الأنوار المستمتعة بجوار الرب، عانت الكثير من أهل الأرض قتلا وسبيا وتشريدا، حتى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصف نفسه بأنه لم يؤذ أحد مثلما أوذي..هذا الإحساس يُشعِر صاحبه بالخجل وبالشكر المتواصل، عندما يقف أمامهم زائرا من قرب أو متوسلا من بعد..وهذه هي إحدى الروافد التي أعطتهم هذا القرب المتميز من الحق، لأن ذلك كله كان بأمره وفي سبيل رضاه.

مأساة الحسين (عليه السلام)
إن لمأساة الحسين (عليه السلام) وقعاً متميزاً، سواء في حياة الأنبياء السلف، أو بالنسبة إلى خاتم الأنبياء وذريته..ومقارنة إجمالية بين حالة الإمام (عليه السلام) في يوم عرفة ( بدعائه ) المتميز، وبين حالته في يوم عاشوراء ( بأحداثه ) الثقيلة، تبين شيئا من عظمة الكارثة، وكيف أنه عزّ على رب العالمين، أن يعامل أعرف أهل زمانه بالله عز وجل، هذه المعاملة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً !..ومن هنا كان ( الارتباط ) به من خلال إحياء ذكره، والتأثر بمصابه، من أعظم سبل ( نيـل ) رضا الرب بما لا يخطر على العقول، إذ أن عظمة المأساة مما لم تخطر على الأذهان.

مبدأ التعويض
إن مبدأ التعويض سار حتى في معاملة الحق للمعصومين (عليه السلام)..فقد عُوّض الحسين (عليه السلام) بقتله: أن جُعل الشفاء في تربته، والإجابة تحت قبته، والأئمة من نسله..ومن المعلوم أن الاعتقاد بمبدأ التعويض يخفف على العبد معاناة فقدان بعض النعم..ولا شك أن عظمة التعويض متناسبة مع شدة البلاء، فالمتيقّن بمبدأ ( التعويض ) من الحكيم القدير، تطيب نفسه ( بسلب ) المعوّض ما دام العوض عظيما.

انتظار الفرج
إن انتظار الفرج حقيقة، يلازم الاستعداد النفسي للمشاركة في بسط العدل الشامل عند ظهور الفرج..وإلا تحوّل الأمر إلى مجرد ( أمنية ) في نفس صاحبها - قد يؤجر عليها - ولكنه لايعد ( منتظراً )، كما هو الحال في انتظار الضيف الذي له متطلباته..فالإنسان يتمنى قدوم الضيف منذ برهة ولا يسمى منتظراً له، إلا - قبيل قدومه - عند توفير تلك المتطلبات..هذه الحالة تعكسها الفقرة التالية من زيارته (عليه السلام): "فلو تطاولت الدهور وتمادت الأعصار،لم أزدد فيك إلا يقينا ولك إلا حبا..فأبذل نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولني ربي بين يديك..فها أنا ذا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك"0

سلب المحبة
لاشك في أن محبة أهل البيت (عليه السلام) وولايتهم من ذرائع النجاة..وهي قيمة مستقلة في حد نفسها وان لم تقترن بالعمل، خلافا لمن لا يراها إلا ضمن العمل..ولكن تراكم الذنوب - وخاصة الكبيرة منها - قد يسلب المحب هذه الجوهرة، كما حصل للبعض طول التأريخ كالشلمغاني في زمان الغيبة، الذي خرج التوقيع من الناحية المقدسة بلعنه والبراءة منه وممن يتولاه ورضي بقوله..ويمكن استفادة هذه الحقيقة من قوله تعالى: "ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءا أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون"..فالسوء من مقولة ( الفعل )، والتكذيب يعود إلى الموقف ( الإعتقادي ) والنفسي لهؤلاء المكذبين.

حقيقة الزيارة
إن زيارة المعصوم (عليه السلام) تعني - حقيقة - وجدان الزائر نفسه بين يدي المزور..فيراعي أدب المكان، ويستحضر حالة الخطاب، كما لو كان مع الحي بمقتضى القول: "أشهد أنك تسمع كلامي، وترد سلامي"..ولو خليت الزيارة من هذه الحقائق، لكانت الزيارة زيارة ( البدن لحرم المعصوم )، لازيارة ( المحب لنفس المعصوم )، ومن المعلوم أن الآثار الكاملة للزيارة مترتبة على الثاني دون الأول..وهذا هو السر في أن زيارات المعصومين (عليه السلام) لا تستتبع تحوّلاً جوهرياً في سلوك العبد، وذلك لانتفاء المواجهة المتفاعلة وإن حصل الأجر الأخروي.

إشراف المعصوم
إن استشراف المعصومين (عليه السلام) لعالم الشهود - مع كونهم في عالم الغيب - مما لا ينكر عقلا ونصا..فالأول ( بمقتضى ) حياتهم المستمرة بعد الممات الظاهري، مع الاحتفاظ بجميع ملكاتهم، ومنها مظهريتهم لوصف الرب المتعال..واما الثاني ( فكالنص ) الصحيح الوارد في المنع عن الجمع بين فاطميتين، معللا بأن ذلك يبلغ الزهراء (عليه السلام) فيشق عليها ذلك ثم يحلف الإمام (عليه السلام) بقوله : إي والله، عند تعجب الراوي ( البحار-ج104ص27 )..فلو تحقق مثل هذا الإشراف - من قِبَـلهم - بالنسبة إلى أحد من أوليائهم، لكان ذلك بمثابة ( تبـنّي ) اليتيم الذي لو ترك وشأنه، لهوى مع الهاوين..وقد ورد عنهم ما يؤيد هذا المعنى بشقّيه: "إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالـزم طريقتنا، فإنه من لزمنا لزمناه، ومن فارقنا فارقناه"البحار-ج2ص115.

توقير الذرية
إن ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هم التركة المحسوسة والحيّة فينا..ومن هنا كان توقيرهم توقيرا لأجدادهم، وهو ما يستفاد من الأخبار والتزام السلف الصالح به..وهذه السنة أيضا مطابقة للفطرة وسنة الأمم، إذ المرء يحفظ في ولده، وهذا ( التوقير ) من السبل المهمة لجلب ( عنايتهم )، كما تشهد به الحوادث الكثيرة على مر العصور.

آثار الأولياء
إن وجود البركة والتأثير في الآثار المنتسبة إلى أولياء الله تعالى، مما يؤكده القرآن الكريم أيضاً، إضافة للسنة والواقع المشهود في حياة الأمم السابقة..فقد ارتد يعقوب (عليه السلام) بصيرا عندما ألقى البشير ( القميص ) على وجهه..وقد جعل السكينة في التابوت وهو ( الصندوق ) الذي وضع فيه موسى (عليه السلام) عند إلقائه في النيل، ولشرافته حملته الملائكة، وقد قال الحق تعالى: "ياتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة".. بل أن السامري أخذ ( قبضة ) من أثر الرسول، فكان له من الأثر ما كان..فما المانع من شرافة القبور التي تضم أجداث خواص خلق الله سبحانه ؟!، بل إن البركة فيها أوضح، إذ التابوت حوى بدن نبي - لفترة قصيرة - وهو رضيع لم يبلغ الحلم، خلافا لمضاجعهم الطاهرة التي صارت مختلفاً للملائكة صعودا وعروجاً كما تشهد به النصوص، ومركزاً للكرامات الباهرة كما تشهد به الوقائع جيلا بعد جيل.

إهداء الأعمال للمعصومين
إن من الأمور المناسبة هو الالتزام بإهداء بعض الأعمال للمعصومين (عليه السلام)، فإنه محاولة للقيام بشيء من حقوقهم، ولاشك في أنهم يردّون ( الهـدية ) بأضعافها كردّهم ( الّسّلام ) بأحسن منها، كما هو مقتضى كرمهم الذي عرف عنهم..وخاصة إذا قلنا بانتفاعهم بأعمالنا، كما قيل في أن الصلاة على النبي وآله يوجب رفع درجاتهم، بمقتضى الدعاء برفع درجتهم في التشهد وغيره، وإلا كان الدعاء لغواً.

الإرادة الطولية
إذا اعتقدنا أن ( إرادة ) الأئمة للشفاعة وللخارق من الأمور، إنما هي في ( طول ) إرادة الله تعالى وبإذن منه، فلا تبقى أيّـة غرابة فيما روى عنهم، أو رؤى منهم من أنواع الكرامة..فالقرآن تارة يسند قبض الأرواح - وهو من مهام الأمور - إلى ( الحق ) نفسه، فيقول تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين موتها"..وتارة إلى ( مَلَك ) الموت فيقول : "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم"..ومن المعلوم أنه كلما تعاظم قدر الوكيل، كلما تعاظم قدر الموكِّل نفسه.

طلب الحقائق
يغلب على طلبنا من المعصومين (عليه السلام) الجانب المادي: من شفاء مرض، أو أداء دَين، أو ما شابه ذلك..إذ قلما نتوجه إليهم بطلب ( المعارف ) والحقائق فيما يتعلق بمعرفة الرب المتعال وسبل الوصول إليه، والحال انهم ( أميل ) لقضاء مثل هذه الحوائج التي بعثوا من أجلها، ولا شك في صلاحها للعبد..وقصص السلف الصالح يكشف عن نماذج مذهلة ممن اغترف من فيض جودهم، ففتحت لهم أبواب واسعة من المعارف الحقة، والآيات البيّنة التي جعلتهم يعيشون على نور من ربهم في هذه النشأة، ليمتد أثره حتى بعد انتقالهم من هذه النشأة الدنيا، بل ليسعى بين أيديهم في النشأة الآخرة.

شكر نعمة الولاية
يتوجب على الذين شُـرّفوا بشرف الولاية لأئمة الحق (عليه السلام)، أن يبالغوا في شكر هذه النعمة، لأنهم خُصّصوا ( بأشرف ) الأديان و ( بالمذهب ) القويم..وهذه نعمة خالدة لا تعادلها نعمة في عالم الوجود، لخلود هذه النعمة و فناء النعم الأخرى..وأفضل أنواع الشكر هو ( الإتّـباع )، مصداقا لقوله تعالى: "إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، و( العمل ) لقوله تعالى: "اعملوا آل داوود شكرا".

أحاديث الرجعة
إن أحاديث الرجعة على - كثرتها - مطابقة لمقتضى الحكمة الإلهية..فإن من اللطف أن يحقق المولى لوليه آماله التي لم يحققها في حياته، وخاصة مع ملاحظة قصر حياة بعضهم كالأئمة من نسل الإمام الرضا (عليه السلام)، إذ لم يدع ولاة الجور فرصة لأداء رسالتهم كما أرادوه، فكأنهم أرسلوا إلى هذه الحياة لمهمة لم تكتمل، نظراً للظروف التي اكتنفتهم من ظلم الحكام وإعراض الخلق عنهم، فيكون من الطبيعي إعطاؤهم فرصة أخرى لاستكمال تلك المهمة، بعد اكتمال قابليّـات الخلق - بلوغا علميا وعمليا - وذلك عند قيام قائمهم (عليه السلام)، الذي يضع يده على رؤوس العباد، فيجمع بها عقولهم، ويكمل به أحلامهم.

الاستئناس بكلمات المعصومين
ينبغي لحملة لواء الإرشاد في كل عصر الاستئناس بكلمات المعصومين (عليه السلام) المتطرّقـة لمختلف حقول الحكمة..فإن الأنس بالنصوص يشكل حاجزا - ببركتهم - من ( الاجتهادات ) المنحرفة، أو ( المشارب ) الباطلة، أو ( التقوّل ) في الدين بمالم يقم عليه برهان..أضف إلى أن الغور المتواصل في أحاديثهم، يفتح أبواب الحـكمة الأخرى لتجري من القلب على اللسان، كما يهب صاحبها ( حسّـا ) خاصا في تمييز مالم يصح عنهم.

الدعوة بالحجج البالغة
من السبل الكبرى لجلب عناياتهم عليهم السلام، هو ( التصدي ) للدعوة إلى سبيلهم في أي موقع كان صاحبه - وان لم يكن في زي أهل الدعوة والتبليغ - وذلك بذكر محاسن كلماتهم، واختيار الحجج الواضحة - وما أكثرها - في إثبات عقائدهم المستقاة من نمير الوحي، والدعوة إلى التمسك بهديهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وخاصة عند ذوي القلوب ( المستعدة )..وخاصة أن هناك طبقة من الخلق لا يصل إليها رجال الدين، فلزم وجود ( الوسيط ) بينهم وبين هذه الطبقة، إذ بهم تكتمل مهمة دعاة الحق والخير..وقد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) بقوله: "لئن يهدي الله على يديك عبداً من عباد الله، خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها"البحار-ج1ص215.

إعجاز استمرار خط أهل البيت
إن المتأمل المنصف في التأريخ، لا يمكن أن يصف توالي الأئمة من دون ( انقطاع ) في البين و بهذا ( التجانس ) في الأقوال والأفعال من باب الاتفاق..فنرى الأول ينص على الآخر وحديث الآخر يسانخ حديث الأول، وذلك خلال قرنين ونصف، على ما فيه من تغيير للحكام والثقافات والـُبنى الاجتماعية، حتى لانكاد نميز الإمام القائل لما روي عنه لو تعمدنا عدم ذكره، وذلك لوحدة النهج الإلهي الذي ساروا عليه جميعاً..فكيف إذا أضفنا إلى ذلك، خبر الصادق المصدق (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بشّر باثني عشر خليفة كلهم من قريش، كما رواه البخاري وذكره مسلم في كتاب الإمارة عن جابر بن سمرة إذ قال : "سمعت رسول الله يقول : لايزال الإسلام عزيزا إلى إثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها..فقلت لأبي ما قال ؟، فقال : كلهم من قريش".

آجال الأمم
كثيرا ما تنتاب الإنسان حالة من القلق لما تجري في الأمة من النكبات توصله إلى حد اليأس..والحال أن الحق المتعال كما خلق الأرض وقدّر فيها ( أقواتها ) من الأرزاق، كذلك قدّر فيها ( مقدراتها ) من الآجال المكتوبة للأمم غير المكتوبة للأفراد، وقد ورد في الخبر: "إذا أراد الله أمراً سلب العباد عقولهم، فأنفذ أمره وتمت أرادته، فإذا نفذ أمره رد إلى كل ذي عقل عقله، فيقول كيف ذا ومن أين ذا ؟!"البحار-ج78ص335..وأحاديث عرض الأعمال على ولي كل عصر - في ليالي القدر وغيرها - تدل على أن الأحداث الصغيرة والكبيرة تجري على مسمع من أذن الله الواعية، ومرأى من عين الله الناظرة..وعليه فالمطلوب من العبد أن يقدم الشكوى إلى أولياء الأمر دائماً، فهم ( المعنيّون ) بمقدرات هذه الأمة قبل غيرهم، مصداقا للدعاء: "اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحضوره"..إذ أن الغمة التي بليت بها الأمة إنما هي من آثار الغيبة، فكان من الطبيعي انكشاف تلك الغمة الموحشة، بالحضور المبارك الرافع لتلك الغمة.

الحصانة الإلهية
قد يتعمد الحق رفع ( الحصانة ) عن عبده في بعض الحالات، فيقع فيما ( يستغرب ) من صدوره من مثله من الأعمال التي لا تليق به..ولعل في ذلك لفت نظر إلى ( ضعفه ) أولاً، ودعوة له ( للاستجارة ) بالحق في كل أحواله ثانياً..ويتجلّى فضله العظيم من خلال التدبر في قوله تعالى: "ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا"و"فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين"و"ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا".

الخطورات القبيحة
قد يتألم العبد من بعض الخطورات القبيحة ( أثناء ) الصلاة، ولا ضير في ذلك بشرط عدم ( متابعة ) تلك الصور..فمَثَله كمثل الجالس بين يدي السلطان، وأعداؤه يمرون بين يديه، فما دام مشغولا بمحادثة السلطان فلا يعد ذلك المرور العابر إخلالاً بأدب الحضور، بل قد ( يتعمّد ) السلطان الجلوس في مثل ذلك الموقع لاختبار جليسه، ومدى إقباله عليه مع وجود الصوارف..وهذا بخلاف ما لو استرسل معهم وتابعهم بنظراته، فضلا عما إذا تحدث معهم بما لا يرضى منه السلطان !.

مجاهدة الجنس لا الفرد
إن الميل إلى النساء من الشهوات المتأصلة في طينة العباد،كما يشير إليه قوله تعالى في مقدم الشهوات الأخرى: "زين للناس حب الشهوات من النساء"، فكيف إذا تدخل الشيطان في تزيينها للعبد بمقتضى تهديده في قوله تعالى: "لأزينن لهم في الأرض"..وهي بحق على رأس شهوات الدنيا، لأنه التذاذ بذي شعور خلافا لشهوة البطن المتعلقة بالمأكول الذي لا حياة فيه..وعليه فليس الحل الأساسي هو مجاهدة كل ( فرد ) من أفرادهن عند الابتلاء بهن، بل السعي لامتلاك حالة من التعالي على ( جنس ) النساء بكل أفراد ذلك الجنس، خرج من ذلك خصوص الفرد المعـنيّ به العبد من الزوجة والمحارم..وإلا فما قيمة باقي الأفراد - التي لاعلاقة للفرد بهن - ليشغل حيّـزا من نفسه، بل ليسلب شيئا من إرادته ؟!..وقد ورد في الخبر: "لاتكونن حديد النظر إلى ما ليس لك، فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينك، فإن قدرت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة فافعل"تنبيه الخواطر- ص50..فإذا نجح العبد في مرحلة التعالي عن الجنس برمّته، صار التجاوز عن الفرد الخاص مما لا مؤونة فيه، لأنه مندرج في الجنس الذي تعالى عليه، وهكذا الأمر في باقي الشهوات..أما الذي يعيش عالم ( النساء ) حبّـا والتذاذا، فمن الطبيعي أن ( يتفاعل ) مع كل فرد منهن لميله إلى أصل الجنس المنعكس على أفراده، وإن أدى ذلك للوقوع في الحرام، ثم التوبة بعدها ليعود الابتلاء بفرد آخر منهن، ويستمر به الأمر كذلك، إلى أن يخرج من حد العبودية والتوبة فيرى المنكر معروفاً، كما نراه في هذا الواقع المرير.

عدم الانشغال بالأسباب
إن التوجه إلى المخلوقين - بجعلهم سببا لتحقق الخيرات - من دون الالتفات إلى ( مسبِّبية ) المولى للأسباب، لمن موجبات ( احتجاب ) الحق تعالى عن العبد، إذ أن الخير بيده يصيب به من يشاء من عباده، بسبب من يشاء، وبما يشاء، وكيفما يشاء..وعليه فإن كل ( جهة ) يتوجه إليها العبد بما يذهله عن الله تعالى، لهي ( صنم ) يعبد من دونه، وإن كان ذلك التوجه المذموم مقدمة لعمل صالح..ولـهذا قبّح القرآن الكريم عمل المشركين، وإن ادعوا هدفا راجحا: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، فدعوى الزلفى لديه من غير السبيل الذي أمر به الحق تعالى، لهي دعوى باطلة من أيّ كان، مشركاً كان فاعله أو موحداً..وقد يكون سعي العبد الغافل عن هذه الحقيقة - حتى في سبيل الخير - موجبا للغفلة عن الحق المتعال..و علامة ذلك وقوع صاحبه فيما لا يرضى منه الحق أثناء سعيه في سبيل الخير، والذي يفترض فيه أن يكون مقربا إلى المولى جل ذكره.

أرقى اللذائذ
إن اللذائذ الحسية التي تستهوي أهل الدنيا في حياتهم - كشهوة النساء وغيرها - لا تعدو كونها كنموذج من عالم اللذائذ المحسوسة الأخرى و المختلفة شدة وضعفا، مما أودعها المولى جل ذكره في عناصر عالم الوجود، يذيقها من يشاء من عباده..ولا شك أن هذه اللذائذ المذكورة لاتمثل - حتى في عالم الدنيا - أرقى ما عند الله تعالى من اللذائذ..ومن هنا يعيش الأولياء عالما من اللذائذ ( العليا )، والتي لا يمكن أن يتعقّلها أهل اللذائذ ( الدنيا ) للاختلاف الجوهري بين العالمَـيَن، وهذه هي إحدى أسباب إعراض أولياء الحق عن الانهماك في الشهوات، من دون معاناة ومجاهدة..وهذا الاختلاف في طبقات اللذائذ موجود في الجنة أيضا، فلا يعقل أن يلتذّ المقربون من الحق المتعال بلذائذ عامة أهل الجنة، إذ أن هناك رتبة ( النظرة ) يشير إليها قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، و رتبة ( الرضوان ) كما يشير إليها قوله تعالى: "ورضوان من الله أكبر".

مملكة الحق والطاغوت
إن نسبة عالم عبودية الحق إلى عبودية الطاغوت، كنسبة مملكتين متخاصمتين..فمن ( وطّن ) نفسه للعيش في إحدى المملكتين، عليه أن لا يفكّر للخروج إلى المملكة الأخرى ولو في بعض أيام حياته، لأن ذلك يعد إخلالا بلوازم الإقامة في تلك المملكة..وعليه فإن على البصير بصلاح نفسه، أن يحسم أمره في أول الطريق ليختار العيش في إحدى المملكتين، ( متحمّلا ) و ( محتملا ) لكل تبعات تلك الإقامة، محققا لمصداق الفرار إلى الله تعالى..وقد ورد في الدعاء: "وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك، عزم إرادة وصادق طوية"البحار-ج86ص318..وبهذه النظرة يتخلص من حالة التذبذب والتأرجح، إذ يكون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء..ومن المعلوم أن هذا التردد في البقاء في مملكة الحق بلوازمها، قد يوجب إعراض الحق عنه بوجهه، وقد يصل إلى مرحلة الختم على القلوب، المستلزمة لعدم الإذن له بالعود إلى تلك المملكة أبداً.

مقدم الوفد
ينبغي على إمام الجماعة - وهو مقدم الوفد إلى الله تعالى - أن يلتفت إلى قصده في التقدم أمام الوفد الذي يواجه رب العزة والجلال، فهو وإن كان إماما في صلاته، إلا أن عليه أن لا يلحظ المأمومين في إمامته، وذلك بعدم الاكتراث بكثرتهم، وعدم الاعتناء بمتابعتهم له، بل يفترض نفسه وحيدا في صلاته، منفردا ( حكماً ) وإن كان إماماً ( موضوعاً )..ومن المعلوم أن مجموع هذه المشاعر، أدعى إلى تحقق قصد القربة منه.

أنوار الليل والنهار
كما أن الطبيعة متغيرة بحسب التغير في الأنوار ( الحسية ) إلى أوقات متفاوتة من ليل إلى نهار..فإنها متغيرة كذلك بحسب التغير في الأنوار ( المعنوية )..فنجد لأول النهار جوا متميزا عن آخره، ولبدء الليل جوا متميزا عن منتصفه، ويتجلى الفرق واضحا - لأهله - في ساعة السحر، فإنها ساعة لا تشبهها ساعة من ليل أو نهار - حتى الساعة التي هي بين الطلوعين - فإنها ( الغاية ) في انفتاح أبواب السماء، إذ عندها هدأت الأصوات، وسكنت الحركات، وخلا كل حبيب بحبيبه..فسهل السبيل لمن أراد الولوج منها، ليعطى الفضل في الرزق مادة ومعنىً، وهذا هو العمدة في استغلال تلك الساعة المباركة.

الإرشاد من سبل القرب
إن دعوة العباد إلى الحق، لمن اعظم سبل وصول الداعي نفسه إلى الله تعالى، سواء وجد الاستجابة من الخلق أم لم يجد..ولهذا يحس ( بنـفحة ) خاصة ترافقه أثناء دعوته، لا يجدها عند الاشتغال بأمور عبادية أخرى..ولاشك أن لإخلاصه الأثر البليغ في إدخال الحق الهدى في قلب من يريد، إذ أن تزيين الإيمان في القلوب من شؤون المولى جل ذكره كما نسبها إلى نفسه في كتابه الكريم، وهو لا يترتب على مجرد ( الوعظ ) وإن كان جامعا لشرائطه، إذا لم يتدخل مقلّب القلوب في ( سوق ) القلوب إلى الجهة التي يريدها العبد في دعوته إلى الحق المتعال.

إمساك الطير والقلوب
يشير القرآن الكريم إلى حقيقة إمساك الحق للطير عندما تقبض في الهواء بقوله: "ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن"..فإذا كان الحق يرعىجزئيات عالم الوجود - كمسك الطير بعد قبضها في السماء - ويسندها إلى نفسه، كما أشار في آيات أخرى إلى الذباب والبعوض، فكيف لا يرعى العباد وجزئيات شؤونهم، وهم أقرب إليه من الطير وغيره ؟!..وليعلم أن من يمسك ( الطير ) في الهواء - رأفة بها - هو الذي يمسك ( قلب ) عبده المؤمن من السقوط، وذلك فيما لو ( أمسك ) عن الطيران بعد التحليق، اعتمادا على قدرته، غافلاً عن رعاية الرحمـن للقلب عند الهـُوِيّ، كرعايته للطير في الهواء عند السقوط.

التعصب للحق
قد يكون المتعصب للحق مذموما على تعصبه فيما لو اقترن بالجهل..لأن المتعصب الجاهل قد يخطئ سلوك السبيل الشرعي في الترويج لحقه، وبالتالي قد يسيء للفكرة نفسها بدلا من ترويجها، ولكنه يبقى ( ممدوحا ) على شدة ( تعلّقه ) بالحق الذي أصابه في أصله، وإن أخطأ في تعصبه، ومن هنا لزم تنبيهه ليعمل على وفق الحق الذي آمن به وتعصّب له..وقد روي عن أمير المؤمنين أنه قال : "فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه" البحار- ج33ص434.

الإثنينية في التعامل
إن من الممكن لمن يعيش أجواء متوترة - في المنـزل أو العمل - أن يعيش حالة من الإثنينية النافعة، بمعنى مواجهة الأزمات بشخصه ( الظاهر ) للناس، وهو الذي يعيش على الأرض بهمومها ومشاكلها..وهذا الشخص الظاهر للعيان هو الذي قد يهان أو يعاقب، إلا أن هناك شخصية أخرى لاتطالها يد البشر أبدا وهي شخصيته ( الروحية )، لأنها ليست من عالم المادة لتخضع للتهديد أو العقاب، فالأمر كما وصفه أمير المؤمنين بقوله: "صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى"البحار-ج1ص188..وعليه فليس العبد ملزماً بأن يواجه الآخرين بهذه الشخصية، وينـزّلها من عالمها الآمن، ليكّدر صفوها بكدر أهل الدنيا..فالإيذاء القولي والفعلي إنما هو متوجه لذلك الوجود المادي، لا لهذه ( اللطيفة ) الربانية..والذي يواجه الأزمات الأرضية هو ( شخصـه ) لا شخصيته، إلا إذا تعمد هو بسوء اختياره في زجّها فيما لا يحمد عقباه.

برد الرضا
قد لا يستوعب البعض حقيقة أن للرضا الإلهي برداً ( يحسه ) القلب النابض بالحياة الروحية، مع أن العباد يعيشون هذه الحقيقة بالنسبة إلى بعضهم البعض..فللرضا بين الزوج والزوجة، والأب وولده، والصديق وصديقه، والراعي ورعيته، ( بـرد ) يحسه كل طرف وخاصة بعد خصومة تلتها ألفة، وهذا الإحساس وجداني لا يختص بفرد دون آخر..ويصل الأمر مداه حتى ينعكس آثار برد الرضا على البدن، من الإحساس ( بالسّكون ) تارة، و( بالقشعريرة ) تارة أخرى..فكيف يستشعر الإنسان هذا الشعور تجاه من هو فـانٍ ولاقيمة لبرد رضاه، ولا يستشعره مع الحـي القيوم الذي بيده ملكوت كل شئ ؟!.

الترقية المؤقتة
قد يمنح العبد في بعض الحالات - كمواسم الطاعة - بعض الترقيات الاستثنائية، ( إكراماً ) لوقوع العبد في دائرة الضيافة الخاصة..فَمَثـله في ذلك كمثل الطالب الذي ينقل من رتبته إلى رتبة أرقى بكثير من مرحلته - لساعات معدودة - لمناسبة تقتضي مثل هذا النقل، وعندها قد ينخدع هذا الطالب بهذا النقل العارض، ويظن أنه قد ( ترقىّ ) فعلا في دراسته، إلا أنه يفاجأ بإرجاعه إلى رتبته السابقة، ليعلم أنه لا زال يراوح في مكانه من دون سير إلى الكمال..فعليه أن لا يغفل عن حقيقة: أن الرتب العالية أمر ( ذو مراحل )، والاستقرار فيها يحتاج إلى اجتياز تلك المراحل بنجاح، وهو السلوك الطبيعي الذي سلكه الواصلون مع اختلاف رتبهم.

خدمة القلوب
إن من أعظم سبل إرضاء الحق هو العمل الذي ينعكس أثره على ( القلوب )، إذ أنها محل معرفته، ومستودع حـبّه..فتفريج الكرب عنها، أو إدخال السرور عليها، أو دلالتها على الهدى، أو تخليصها من الهـمّ والغم، كل ذلك مما يوجب سرور الحق وأوليائه كما تشهد به الروايات..وكلما ( قرب ) هذا القلب من الحق، كلما ( عُظم ) ذلك السرور عند الحق المتعال، وبالتالي عظمت الآثار المترتبة على ذلك السرور من الجزاء الذي لا يعلمه غيره، لأنه من العطاء بغير حساب..بل يستفاد من بعض الأخبار، ترتّب الآثار حتى على إدخال السرور على كل ذي كبد رطبة - ولو من البهائم - بإرواء عطشه، فكيف الأمر بقلوب الصالحين من عباده ؟!.

الذكر اليونسي
إن من النافع أن يتخذ العبد لنفسه ذكراً - يأنس به - في ساعات خلوته أو جلوته مع الناس..فإن ( المداومة ) على ذكر خاص مما ( يركّـز ) من آثاره..ومن الأذكار المؤثرة في تغيير مسير العبد، هو ذلك الذكر الذي حوّل مسيرة نبي من الأنبياء، وهو يونس (عليه السلام) بقوله: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"..فهو ذكر جامع ( للتوحيد )، و( التنـزيه )، و( الاعتراف ) بالخطيئة، والملفت في هذه الآية، أن الحق وعد بهذا النداء الاستجابة والنجاة من الغم له وللمؤمنين جميعا، وهو ما يقتضيه التعبير بكلمة ( وكذلك )..والمقدار المتيقن من الأثر إنما هو لمن أتى به متشبهاً بالحالة التي كان عليها يونس (عليه السلام) من الانقطاع والالتجاء الصادق، لفرط الشدة التي كان فيها في ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت.

إصلاح ذات البين
ندب الشارع المقدس إلى بعض الأمور بشدة، ومنها إصلاح ذات البين، وذلك لأن المتخاصِمَين يصعب عليهما إصلاح الأمر بنفسهما، لاحتياج الأمر إلى ( نكران ) للذات - منهما أو من أحدهما - قد لا يوفق له عامة الخلق الذين يصعب عليهم نكران الذات وتجاوزها..ولهذا قد تستمر دوامة الخصومة تلف المتخاصمين إلى آخر الحياة، بما فيها من ارتكاب للمعاصي العظام: كالغيبة، والنميمة، والقذف، والقتل وغير ذلك، وتعظم المصيبة عندما يجمعهما رحم قريب..فالمصلح ( يخلّص ) المتخاصمين من هذه المهالك الكبرى، بيسير من القول أو الفعل، قد ( يمتد ) أثره إلى أجيال المتخاصمين..ومن هنا يعلم السر في أن إصلاح ذات البين، أفضل من عامة الصلاة والصيام.

هداية السبل بالمجاهدة
قد ذكر القرآن بصريح القول، أن هداية السبل مترتبة على الجهاد في الله تعالى، فالذي لا يعيش في حياته شيئا من المجاهدة : في نفسه، أو ماله، أو بدنه، كيف يتوقع الاهتداء إلى تلك السبل الخاصة ؟!..ومن هنا قد يعوّض الحق تقاعس عبده في المجاهدة، وذلك بتعريضه لأنواع البلاء، رأفة به ولرفع آثار قعوده عن الجهاد، المتمثل بحجبه عن السبل..ولو ( كلّف ) نفسه شيئا من المجاهدة، ( لاندفع ) عنه بعض البلاء..وبذلك يكون - بتثاقله إلى الأرض - قد خسر ( العافية )، و ( بركات ) المجاهدة المباشرة التي قد لا يعوّضها البلاء تماما.

الاستغراق في المعاني
قد يعيش العبد شيئا من حالات الاستغراق في مشاهدة جلال الله تعالى وجماله، بحيث ( تثقل ) عليه متابعة تلك المعاني ( مقيدة ) بالألفاظ..فلا ضير على العبد - في مثل هذه الحالة - من إمرار تلك المعاني على قلبه، من دون استعمال للألفاظ الموازية لها، ( ليواكب ) المعاني التي تتوارد عليه في تلك الحالة، والتي هي أسرع تواردا إذا قيست إلى سرعة توارد الألفاظ..وقد يعيش بعـض صور المناجاة التي يحب أن ينطلق فيها بالدعاء - الذي تمليه عليه حالته - من دون تقيد بنص خاص، بل من دون تقيد بالألفاظ، وهي مناجاة القلب التي هي من أرقى صور المناجاة، إذ قد يستثقل العبد كل شيئ - عند محادثة المحبوب - حتى الألفاظ المعبرة عن حبه.

الغافل عن آداب السير
قد يعيش الغافل عن آداب القرب من الحق المتعال، حالة من ( التعالي ) على الخلق عندما ( يمنح ) حالة روحية متميزة عن الآخرين - وخاصة إذا وهب هذه المنحة وهو في وسط غافل - فيظن انه قد تميز عنهم مطلقا، والحال أنه سيعود إلى عالمهم بعد قليل..فإن مَثَل هذا الغافل كمَثَل الجسم المتجه إلى فوق كحركة ( قسرية ) سرعان ما يعود إلى موضعه الذي كان هو فيه..فلنتساءل: ما هو افتراق هذا الجسم - بعد هبوطه - عن باقي الأجسام الأرضية الأخرى، التي لم يقدّرلها الصعود ولا الهبوط ؟!.

مواجهة الحقائق بالقلب
إن المواجهة للحقائق العالية إنما تكون ( بالقلب ) لا بالوجه الظاهري..ولهذا قد يتفق للعبد مواجهة الكعبة المشرفة - وهو في جو متميز - إلا أنه لا يعيش أدنى درجات التفاعل بما هو فيه، والسبب في ذلك أنه ( أغمض ) عين الباطن التي بها يبصر الحقائق المحجوبة عن عالم المادة..بل قد يصل الأمر إلى انتفاء القابلية رأسا فيصاب ( بالعمى )، وعندها لا يرى شيئا من الحقائق الإلهية ولو كان في جوف الكعبة، فقد قال الحق المتعال: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"، ويستمر هذا العمى إلى يوم القيامة حيث الحاجة الشديدة للإبصار في المهالك العظام، فيقول الحق سبحانه: "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا"..ومن ثَـمَّ فإن من الجدير بالعبد، عند التـعرض لتلك المواطن - التي تتطلب منه اليقظة الروحية - أن يستعد لها في مرحلة سابقة، لئلا يذهله ( هول ) المفاجأة عن التزود في تلك المرحلة الخصبة من حياته، والتي لا تتاح إلا بعد الفينة والفينة.

كعبة الأرض والعرش
إن كان ولابد من استحضار صورة حسية في الصلاة، فإن من أفـضل الصور هي الكعبة المشرفة..فإنها توازي تلك الكعبة المنصوبة في العرش والتي تطوف حولها الملائكة..وإن في توجيه ( الوجوه ) الظاهرية إلى الكعبة، تنبيه على توجيه ( البواطن ) إلى الجهة التي تتوجه إليها الملائكة في عرشه، ولكن ( المستغرق ) في صلاته، قد لا يحتاج لمثل هذه الصور، وذلك لانشغاله بصور أرقى - لا تخطر ببال عامة المصلين - متمثلة بكسوة الجلال التي تغشى المصلي في صلاته..وقد ورد في الخبر: "لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله، ما سرّه أن يرفع رأسه من سجوده"البحار-ج10ص110.

التوفيقات تصعيد للعبد
إن التوفيقات الكبرى الممنوحة للعبد - في مثل ليالي القدر والحج - بمثابة دفع الطائرة إلى الأجواء العليا، إذ الصعود خلاف مقتضى الطبع ( الأوّلي ) في عالم المادة والمعنى معا..ومع استقرار الطائرة في مسيرها بعد التحليق، لا يجد القائد لها كثير معاناة في توجيهها إلى الجهة التي يريدها..فالتوفيقات المتتالية بمثابة التعجيل في إيصال العبد إلى مرحلة الاستقرار والتحليق الثابت في أجواء العبادة، بعيدا عن جاذبية الشهوات الأرضية..وليعلم أن الكارثة تقع عند الارتطام بعد الصعود والتحليق، وهكذا الحال في ( هويّ ) العبد لأسفل الدرجات، عند ( الصدود ) عن الحق بعد ما منح التوفيق والتحليق في أجواء العبودية العليا.

للأكل حيثيتان
إن لتناول الطعام حيثيتين، الأولى: وهي إمرار الطعام على اللسان، ( ليستذوق ) حلاوة ما يؤكل، والثاني: وهي إدخال الطعام في الجوف، ( ليتحول ) إلى قوت يعينه على إدامة الحياة من أجل القيام بوظائف العبودية للحق..ولاشك أن الحيثية الثانية هي المطلوبة للمؤمن، وإن تحققت الأولى مقدمة من دون قصد..والاعتقاد بهذه الفكرة، يجعل صاحبها حريصا في أن لا يدخل في جوفه، إلا بالمقدار الذي يعينه على ما ذكر، لا لمجرد الاستمتاع وإشباع الشهوة البهيمية لديه.

المتشرفون باللقاء
إن الذين تشرفوا بلقاء صاحب الأمر (عليه السلام) هم من الذين وقعوا في ( شدّة ) أوجبت لهم الانقطاع إلى الحق وأوليائه، أو من الذين ( اشتد ) شوقهم إلى لقائه كعلي بن مهزيار وأمثاله من مشتاقي لقاء خليفة الله تعالى في الأرض..وليعلم في هذا السياق أن الرغبة الجامحة للقائه - شوقا لا حاجة - متفرعة على نوع تشبّه بالمعصوم في إتباع الشريعة بكل حدودها، ليتحقق شئ من المسانخة بين الزائر والمزور، وخاصة مع انغلاق أبواب اللقاء في زمان الغيبة..ولا تتـأتي هذه الرغبة المقدسة - اعتباطا أو تكلفّا - لمجرد أمنيّة لم يبذل لهـا صاحبها موجبات تحققه.

الطلب يلازم الوصول
لقد ورد في بعض الأدعية ما هو كالمفتاح لمغاليق القرب من الحق كقوله: "ولا يفوته من طلبه"..وهي حقيقة لا يلتفت إليها الغافلون، فإن طلب الحق - على حقيقته - قلّما يتحـقق في جنس البشر على كثرتهم..و ( الطلب ) نوع معنىً يغاير ( السؤال )، فقد يسأل الإنسان شيئا ولكنه لا يطلبه، لما في الطلب من نوع إصرار لا ينفك عنه صاحبه، كما نشاهده في الذين وقعوا في الغرام الباطل..فإذا وصل العبد إلى هذه المرحلة ( الأكيدة ) من طلب الحق، ( تفـضّل ) عليه الحق بتحقيق مطلوبه، وهو معايشته لحقيقة العبودية، والتي هي الغاية من الخلقة والوجود.

السنن في التكوين و والأنفس
كما أن السنن في عالم ( التكوين ) لا تنخرم إلا عند الحاجة والضرورة كما في موارد المعاجز والكرامة، فكذلك للحق سننه في عالم ( الأنفس )..فإن السير التكاملي للحق محكوم بسلسلة من القواعد والسنن، ولن تجد لسنة الله تبديلا..وأما ( الطفرة ) والإعجاز والإعفاء من بعض السنن، يغاير الأصل الأوّلي فلا يعول عليه اللبيب في سيره إلى الله تعالى، وقد قال الحق المتعال: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا"، فجَعَل مقام الإمامة في الهداية - وهي من أجلّ المقامات - مترتبة على الصبر، تنبيها على هذه الحقيقة..وهذه هي السنة العامة في خلقه، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

المشغول عن الحق المتعال
ليس من المهم اشتغال العبد بالمهام من الأمور، عندما ( يحتجب ) عن ربه لغفلة أو لمعصية..فالمشغول عن الحق تعالى متنـزل إلى رتبة ( الغافلين ) التي لا يعتدّ بالتفاضل في درجاتها، إذ أن أهمية ما هو مشغول فيه من تجارة أو علم، لا تخرجه عن تلك المرتبة النازلة التي يشترك فيها الغافلون جميعاً، على اختلاف درجات اهتمامهم..فالساقط من السماء يعيش على الأرض ولو كان في أجوائها العليا، فلا حق لمن كان ولو في أعالي الجبال، أن يقيس نفسه إلى من هو أعالي السماء.

خلود الذكر
قد يكتب الخلود - من حيث الآثار - لبعض العباد، فيُخلّد ذكرهم في ضمن صدقة جارية، أو أثر نافع، أو تربيـة لجيل من العلماء أو الصالحين وغير ذلك..ومن المعلوم أن الدلالة على السبيل - الذي يوجب مثل هذا الخلود - إنما هو ( تفضّل ) من الحق، ( بالإيحاء ) لمن يريد أولاً، و( بتسهيل ) السبل لذلك ثانياً، إذ هو الذي يسند ذلك إلى نفسه بقوله: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات"..وشتان بين الخير الذي يراه العبد خيرا بنظره القاصر، وبين الخير الذي يقذفه الحق في قلب من أراد به خيراً.


* الشيخ حبيب الكاظمي

22-01-2016 عدد القراءات 397



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا