22 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 03 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: مقتطفات أخلاقية

معرفة سلامة القلب



إن من مقاييس معرفة سلامة القلب، هو البحث عن ( محور ) اهتمام القلب ومصب اهتمامه، وما هو الغالب على همه..فإن كان المحور هو الحق صار القلب إلهـيّا تبعا لمحوره، وإلا استحال القلب إلى ما هو محور اهتمامه، ولو كان أمراً تافها، كما ذكر أمير المؤمنين لنوف قائلاً: "من أحبنا كان معنا يوم القيامة، ولو أن رجلاً أحب حجراً لحشره الله معه"البحار-ج77ص384..وقد ورد في الحديث القدسي ما يمكن استفادة هذا المعنى منه: "إذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عندي كذلك، فأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو"البحار-ج93ص162..وقد سمي القلب قلباً لشدة تقلبه، ومن هنا لزم ( تعهّد ) محور القلب في كل وقت، تحاشيا ( لانقلابه ) عن محوره، متأثراً باهتمام قلبه فيما يفسده ويغيّر من جهة ميله.

شهوة الشهرة
إن من الشهوات التي تستهوي الخواص من العباد هو حب الشهرة، فيبذلون لأجلها الكثير، فضلاً عن إيقاع أنفسهم في موجبات الردى، وارتكاب ما لا يمكن التكفير عنه..والحال أن واقع الشهرة هو ميل الإنسان لانطباع صورته الحسنة في قلوب الآخرين..فالأجدر به أن يسأل نفسه: أنه ما قيمة ( رضا ) القلوب قياسا إلى رضا رب القلوب، فضلا عن ذلك ( الاعتبار ) النفسي فيها ؟! وهل ( يمتلك ) هذه الصور الذهنية لتكون جزء من كيانه يلتذ بوجدانها ؟! وهل ( يضمن ) بقاء هذه الصور المحسَّنة في قلوب العامة الذين تتجاذبهم الأهواء، فلا ضمان لقرارهم ولا ثبات لمواقفهم ؟!..والحل الجامع هو الالتفات إلى حقيقة فناء ما هو دون الحق، وبقاء وجه الرب الذي ببقائه يبقى ما هو منتسب إليه، مصداقا لقوله تعالى: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام".

موطن المعاني هو القلب
إن الكثير من المعاني التي تستوطن ( القلب ) نحبسها في سجن عالم ( الألفاظ )..وكأنّ تلك المعاني تتحقق بإمرار مضامينها على اللسان لقلقة لا تدبر فيها..فمن هذه المعاني: الاستعاذة، والشكر، والاستغفار، والدعاء، والرهبة، وغير ذلك مما بنبغي صدورها من القلب، تحقيقا لماهيتها الواقعية لا الإدعائية..فالخوف المستلزم للاستعاذة، والندم المستلزم للاستغفار، والخجل المستلزم للشكر، والافتقار المستلزم للدعاء، كلها معانٍ ( منقدحة ) في القلب..والألفاظ إنما تشير إلى هذه المعاني المتحققة في رتبة سابقة أو مقارنة، فالحق:
إن الكلام لفي الفؤاد وانما***جعل اللسان على الفؤاد دليلا

سعة مجال الإستجابة
إن من دواعي ( الانصراف ) عن الدعاء، هو ( اليأس ) من الاستجابة في كثير من المواطن..ولو أعتقد العبد اعتقادا يقينيا بامتداد ساحة حياته، لتشمل حياة ما بعد الموت إلى الخلود في القيامة، لرأى أن مجال الاستجابة يستوعب هذه الفترة كلها، بل إنه أحوج ما يكون للاستجابة في تلك المراحل العصيبة من مـواقف القيامة..ولهذا يتمنى العبد أنه لم تستجب له دعوة واحدة في الدنيا، ومن هنا ورد في الدعاء: "ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي، لعلمك بعاقبة الأُمور"..إن وعي هذه الأمور يجعل الداعي ( مصراً ) في دعائه، غير مكترث بالاستجابة العاجلة، يضاف إلى كل ذلك تلذذه بنفس الحديث مع رب العالمين، إذ أذن له في مناجاته ومسألته.

اللوامة والأمارة
إن من المعلوم إيداع المولى في نفوس عباده ما يردعهم عن الفاحشة، وهو ما يعبر عنه بنداء الفطرة أو حكم العقل أو النفس اللوامة..إلا أن ( تراكم ) الذنوب وعدم الاكتراث بتلك النداءات - بل العمل بخلافها - مما ( يطفئ ) ذلك الوميض الإلهي، فلا يجد الإنسان بعدها رادعا في باطنه، بل تنقلب النفس اللوامة إلى نفس أمارة بالسوء، تدعو إلى ارتكاب بوائق الأمور إذ: "زين لهم الشيطان أعمالهم"..ولهذا يستعيذ أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلا: "أعوذ بالله من سبات العقل"البحار-ج41ص162..( فسبات ) العقل يلازم ( استيقاظ ) الأهواء والشهوات، إلى درجة يموت معه العقل بعد السبات.

الجن والشياطين
اعتاد البعض على الخوف من قضايا الجن، وإيذائهم لبني آدم مع ما ينسجونه في هذا المجال من أنواع الخيال والأساطير..والأجدر بهم أن ينتابهم الخوف من حقيقة أشد ملامسة لواقع البشر وأخطر على مسيرته وهي قضية إبليس..فانه قد أقسم على إغواء البشر بشتى صنوفه، لا يستثنى منهم أحدا إلا عباد الله المخلصين..وهذا الخوف من الخوف ( المحمود ) بخلاف الخوف الأول، لما يستلزمه من الحذر لئلا يقع في حباله..والمشكلة في هذا العدو أنه لا يترك الإنسان حتى لو تركه، وكف عن عداوته، بل يزداد ( التصاقا ) بالعبد كلما ( أهمله ) أو داهنه.

الرفق بالمبتدئين
إن نفوس المبتدئين في عالم تكامل ( الأرواح )، بمثابة نفوس الناشئة في عالم تكامل ( الأبدان ) الذين لا يجدي معهم أساليب القهر والتعسف..بل لابد من ( الرّفق ) بهم أولا، وإتّباع ( المرحلية ) في تربيتهم ثانيا، والدخول إليهم من المداخل ( المحببة ) إليهم ثالثاً..وهكذا الأمر في النفوس، فإنها جموحة غير سلسة القياد، فلا نكلفها فوق طاقتها، إذ في الحديث الشريف: "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق"..ولا نكلفها المراحل العليا، إلا بعد استيفاء المراحل قبلها، وينبغي ( التحايل ) عليها فنعطيها اليسير من الحلال لتمكّننا في الكثير من الطاعة، ونرفع عنها كلفة النوافل عند الإدبار لئلا تدبر عند الفرائض، ونرغّبها في العظيم من اللذائذ الآجلة، لتزهد في المهالك من اللذائذ العاجلة..وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "خادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة، فإنه لا بد لك من قضائها"- البحارج33ص508.

النمو المتصل والمنفصل
للإنسان نوعان من النمو، الأول: وهو النمو في نطاق ذاته - وما به قوام إنسانيته - كالنمو في الجانب العلمي والعملي، وهو النمو ( المتصل )..والثاني: وهو النمو خارج دائرة ذاته كالنماء في ماله وما شاكله من متاع الدنيا، وهو النمو ( المنفصل )..هذه الزيادات الخارجة عن دائرة ذاته لا تعطيه قيمة ( ذاتـيّة ) توجب له الترفع على الذوات الأخرى، فالذات الواجدة والفاقدة - لما هو خارج عن دائرة الذات - تكونان على حد سواء..فلا تفاضل بين ذات الواجد والفاقد للمال والجاه وغيرهما، إلا بالنمو الذاتي الذي أشرنا إليه أولاً، وأما التفاضل الاعتباري فلا وزن له..وتتجلى هذه الحقيقة المرّة عند الموت، حيث يتعرى الإنسان من كل هذه الزيادات المنفصلة الخادعة، فيقول الحق محذرا: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة".

النسبية فيما يعني
يلزم الالتفات إلى ( النسبية ) في قضية ما يعني وما لايعني..فإن الأمر قد يكون الدخول فيه نافعاً بالنسبة إلى فرد دون آخر، وعليه فلا يكتفي العبد - في مقام العبودية - بالنفع العام أو النفع الخاص للآخرين، بل لابد من ملاحظة النفع الخاص بالنسبة إليه، وهو ما يعنيه بالخصوص..فالذي يخوض في الخلافات بين العباد - من دون وجود تأثير في خوضه لا علماً ولا عملاً - لهو من الخائضين في الباطل، وتترتب عليه الآثار من ( قساوة ) القلب، و( زلل ) القول والفعل، مما يكون العاقل في غنىً عنه..وقس عليه باقي موارد النسبية فيما لا يعني العبد.

الجو الجماعي للطاعة
عندما يقع العبد في الأجواء العبادية المحفزة - لوجود الجو الجماعي - كالحج وشهر رمضان، يجد في نفسه قدرة ( مضاعفة ) على العبادة، لم يعهدها من نفسه، بل لم يتوقعها منها..وهذا بدوره يدل على وجود طاقات ( كامنة ) في نفسه، لم يستخرجها بل لم يود إخراجها، مما يشكل حجة على العبد يوم القيامة توجب له الحسرة الدائمة..وعليه فلابد من ( استغلال ) ساعات هطول الغيث الإلهي، ليستفيد منها في ساعات الجدب، فيكون كمن زرع بذرة ونمّاها في مشتله، ثم إذا اشتد عودها زرعها في مزرعته، ليجني ثمارها ولو بعد حين..فتلك الأجواء العبادية المحفزة، بمثابة المشتل الذي يزرع فيه الإنسان بذور الخير، ليستنبتها عند العودة إلى بيئته التي تتلاشى فيها تلك الأجواء المقدسة.

إدامة حالة الرقة
قد تنتاب الإنسان ساعة إقبال وهو في حالة معينة من قيام أو قعود أو خلوة..فيستحسن ( البقاء ) في تلك الهيئة الخاصة لئلا ( يرتفع ) حضوره و إقباله..وذلك كمن أدركته الرقة وهو في حال القنوت، فعليه الإطالة في تلك الحالة، لئلا تزول في الركوع مثلا..أو كمن أقبل على ربه في المسجد، فعليه ألاّ يستعجل الخروج، حذراً من زوال تلك الحالة، أو كمن كان له أنس في ( خلوة )، فعليه ألا يسارع في الانتقال إلى جلوات الآخرين.

الذكر في الغافلين
يتأكد على العبد ( الإكثار ) من ذكر الله تعالى في البقاع التي لا ( يتعارف ) فيها ذكره كبلاد الكفر، أو مواطن المعصية، أو مواطن الغفلة كالأسواق، أو مجالس البطالين فقد ورد: "أكثروا ذكر الله إذا دخلتم الأسواق وعند اشتغال الناس"البحار-ج93ص154..فإن في الذكر- عند الغافلين - من عطاء الحق ومباركته، ما ليس في الذكر عند الذاكرين، وقد وُصف في الأخبار بأنه كالمقاتل بين الهاربين..ومِثْل هذا العبد ممن يُباهى به الملائكة، لأنه كان في ( مظان ) الغفلة وخرج عنها بإرادته، منتصراً على دواعي الغفلة..وقد ورد في الخبر: {ما من مجلس يجتمع فيه أبرار وفجار، ثم تفرقوا على غير ذكر الله، إلا كان ذلك حسرة عليهم يوم القيامة"البحار-ج75 ص468.

الدعاء المناسب للحالة
إن أدعية الأئمة (عليهم السلام) - ومنها المناجاة الخمسة عشر - تتناسب مع الحالات المختلفة للعبد..فينبغي اختيار الدعاء المناسب لتلك الحالة الخاصة، وهذا بدوره يحتاج إلى تذوّق خاص لكلماتهم يحصل بالممارسة..فحالة ( المقصّر ) يناسبها دعاء التائبين أو الشاكين، وحالة ( المنبسط ) في الطاعة يناسبها دعاء المحبين أو المريدين، وحالة ( الوَجِل ) يناسبها دعاء الخائفين أو الراجين، وحالة ( المستغرق ) في النعم يناسبها دعاء الشاكرين، وهكذا الأمر في باقي الأدعية..وعليه فإنه من المناسب استقراء أدعيتهم - وخاصة في المناجاة - لاستخلاص ما يناسب الحالة الموافقة لهـا.

التزاحم في الواجب والمستحب
إن قانون التزاحم سار في المستحبات والواجبات معاً..فكم من مستحب يمارسه العبد ينبغي تركه، نظراً لمزاحمته لمستحب أهم..ولو التفت العبد إلى هذه القاعدة لأعاد النظر في تقييم الواجبات والمستحبات المتزاحمة..ومثال ذلك: ( الذّكر ) باللسان تاركاً ( الاستماع ) لموعظة قد تغير مجرى حياته، أو الالتزام ( بالصمت ) تاركا إدخال ( سرور ) على قلب جليس مؤمن أو تفريج كربة عنه، أو الانشغال بالأبعدين تاركاً القيام بحقوق الأقربين..كل ذلك من صور الخلل بهذا القانون، ولو استفهم العبد ربه في هذا المجال، لدلّه على ما هو الأرضى، إذ من استفهم الله تعالى يفهمه.

شكورية الحق
يتجلى في الحج شكورية الحق المتعال، بما لا يتناسب مع فعل العبد..إذ هو الذي وعد الزيادة مع الشكر، ولاشك أن زيادته من الفضل الذي لا حساب له..فإن عمل إبراهيم وإسماعيل (عليه السلام) وهاجر مهما بدا عظيما، إلا أنه فعل ( تصرّم ) في وقته، بل إن بعضه كان في مرحلة العزم ولم يتحقق خارجا كذبح إسماعيل، ومع ذلك خُلِّدت آثار أعمالهم كما نلاحظها في السعي والهرولة تخليداً ( لبحث ) هاجر عن الماء، والمقام تخليداً ( لبنائهم ) للكعبة، ورمي الجمرات تخليداً ( لمجاهدتهم ) للشيطان، وبئر زمزم تخليداً ( لتحملّهم ) العطش في مرضاته، ومسجد الخيف تخليداً ( لامتثال ) إبراهيم أمر الحق في إسماعيل، والحِجْر تخليداً ( لمضاجعهم ) المباركة بجوار بيته الحرام.

الحسرة على الخيرات
قد يتحسر بعضهم - وخاصة من الذين لا يملكون القدرة على تحقيق الخيرات المحسوسة كالقناطر والمساجد - على حرمانهم مثل هذا التوفيق..ولكنه يمكن إزالة هذه الحسرة بالالتفات إلى أن العبد - بفضله تعالى - يؤجر على ( نيّـته ) إذا كان حقا صادقاً في نيته، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) يعدّ من كان هواه معه في الحرب كمن شهد معه الحرب، قائلا: {فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان"البحار-ج100ص96..وقد خلّد الحق ذكر الذين تولوا من عند النبي (ص) وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، إذ لم يجد ما يحملهم إلى الجهاد، وقد قيل أن البكائين طلبوا نعلا يلبسونها..وليعلم أخيراً أن العمدة في الجزاء هو ( القلب السليم ) المتنـزه عن كل آفات القلوب، واكتسابه مما لا يحتاج إلى مال ولا متاع..فأين القلب السليم الذي هو ( عرش الرحمن )، من البناء الذي هو مظهر من مظاهر العمران ؟!.

السفر الهادف
إن في السفر مجالاً خصباً للتدبر وتقويم مسيرة العبد وتقييمها، وذلك لما فيه من ( الانقطاع ) عن البيئة المألوفة، و( الخروج ) عن أسر القيود المتعارفة، أضف إلى ( الراحة ) النفسية التي يوفّرها السفر، وبالتالي سكون النفس إلى ما ينبغي العيش فيه من المعاني التي لا يمكن استحضارها في زحمة الحياة..وهذه الراحة بدورها عامل مساعد لانطلاقة النفس بشكل أيسر وأسهل في استكشاف أغوارها، ونقاط ضعفها، بدلا من التفرج على مظاهر العمران في البلاد فحسب..فإن الأمر بالسير في الأرض، قد تعقّـبه الأمر بالنظر في العواقب، إذ قال سبحانه: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين"..ومن المعلوم أن المرء يكتشف قدر نفسه والآخرين، في السفر والجوار والمعاملة.

حب التوابين
إن ( الاشمئزاز ) الذي ينتاب العبد بعد المعصية، قد يكون - في بعض الحالات - من دواعي ( القرب ) إلى الحق..ومن هنا كان الحق يحب التوابين، وهو الملفت حقا في هذا المجال، إذ قد علمنا أن الحب إنما هو للمطيعين، فكيف صار للتوابين ؟!، وخاصة مع ما يوحيه هذا التعبير من تكرر وقوع ما يوجب التوبة، إذ التّواب هو كثير الرجوع عما ينبغي الرجوع عنه..ومن هنا نجد حالات ( الطفرة ) في القرب عند بعض ذوي المعاصي، الذين هجروا السيئات إلى الحسنات هجرة لا عودة فيها..والتاريخ يروي قصص الكثيرين منهم، مما يبعث الأمل في القلوب اليائسة.

طلب الكمال الأعلى
ورد في الدعاء بعد زيارة الإمام الهادي (عليه السلام): "وصفني واصطفني، وخلصني واستخلصني، واصنعني واصطنعني"مشيرا إلى مرحلة الاصطفاء والاستخلاص والاصطناع، وهي من المراحل ( العالية ) من مدارج التكامل التي منحت لأمثال موسى (عليه السلام)..ولا ينافي ذلك أن يطلب العبد شيئا من هذه الدرجات العالية ولو بمستوياتها ( الدانية ) المتيسرة لغير المعصومين (عليه السلام)..وإن من الملفت في هذا المجال ذكر الاصطفاء بعد الصفاء، والاستخلاص بعد الخلاص أو الخلوص، والاصطناع بعد الصنع.

الفزع إلى الصلاة
إن من الصور الجميلة للعبودية أن يفزع العبد إلى الصلاة المستحبة، كلما ( دهمه ) أمر، أو ( انتابته ) نائبة، أو كلما أحس ( بميل ) للمثول بين يديه تبارك وتعال حبا لا طمعا..بل قد يصل الأمر - عند من توغل في رتب العبودية - إلى درجة ( الالتذاذ ) الواقعي بخصوص الصلاة، بحيث تذهله عن حوائجه التي ربما صلى من أجلها، بل عن البيئة المحيطة به، لما فيها من المعراجية التي تنقل العبد من مرحلة التثاقل إلى الأرض - بما فيها من اضطراب وتشويش - إلى الآفاق الواسعة، التي لا يكدرها شئ من أكدار أهل الأرض.

المعصومون من شؤون الحق
إن النبي والأئمة المعصومين (عليه السلام) من شؤون الحق المتعال، فالتوجه إليهم بالصلوات والزيارة والتوسل وغيره، مدعاة للقرب من الحق لما فيه من التوقير لشأن من شؤونه تعالى..فالأمر يعود إليه تبارك وتعالى - بدء وختاماً - من دون أن يكون في ذلك أيـّة صورة من صور الشرك الذي قد يظنه الجاهل..فالعبد كلما زاد تعظيمه ( لشؤون ) الحق، كلما زاد تعظيمه ( للحق ) نفسه..ولهذا لا يتأذى الأب من زيادة تعظيم الآخرين لابنه، إذا علم أن ذلك لبنوّتـه، وفي طول التعظيم لنفسه..وقد ورد عن الصادق (عليه السلام): "إن لنا رباً يكلؤنا بالليل والنهار نعبده..قولوا فينا ما شئتم واجعلونا مخلوقين"البحار-ج25ص289..ومن الواضح أن المراد ( بقولوا )، هو القول الحق الذي لا يصطدم مع أي أصل من الأصول الثابتة.

منبهية البلاء
إن من الواضح أن بعض البلاءات، فيها خاصية ( الـتّنبيه ) على الواقع المنحرف الذي يعيشه المؤمن، كحالة عامة أو كذنب محدد..فالمطلوب - قبل التبرم من البلاء والدعاء لرفعه - هو ( التفكير ) في الذنوب المحتملة التي أوجبت ذلك البلاء، ومن ثم ( الاستغفار ) منها، ولا يكون همّـه التخلص من ذلك البلاء طلبا للراحة فحسب..وإن من المعلوم أن أثر الذنب قد يتجاوز الفرد، من قساوة القلب إلى موت الفجأة وغيره، ليشمل الطبيعة كمنع قطر السماء وجدب الأرض وإفساد الهواء..وقد نصّت الروايات على سلسلة من الذنوب الموجبة لعقوبات مرتبطة بتلك الذنوب، يحسن بالعبد مراجعتها، ليحترز من موجبات العقوبة قبل التورط فيها.

قوام الإنسانية
إن قوام إنسانية الإنسان إنما هو بجهازي الفكر والقلب، إذ بالأول ( يستحضر ) الصور، ويرتب القضايا الموجبة للتصديق أو الإنكار، وبالثاني ( يتوجّه ) ميلا أو نفورا تجاه الملائم والمنافر..فلا بد من السائر إلى الحق أن يتحكم في هذين الجهازين، وذلك بالذكر الكثير - إن لم يكن الغالب - فيستوعب أركان ( فكره )، وبالحب الشديد فيستوعب أركان ( قلبه )..ومن دون السيطرة على هذين الجهازين، لا يكاد يستقيم له سير في هذه الحياة.

لوازم الهبات الروحية
طالما يتمنى العبد بعض الهبات الروحية المتميزة:كالانقطاع إلى الحق، أو الحب المتيّـم، أو بعض الكرامات المبذولة للسالكين، ولايجد استجابة مع الإصرار الشديد على ما يريد..والسبب في ذلك عدم قدرة العبد على الالتزام ( بلوازم ) هذه الحالات، إذ أن الإعراض عن الحق بعد الإقبال الشديد، يعرّض العبد لعقوبات قاسية، كما هدد الحق به الحواريين، عندما طلبوا كرامة المائدة السماوية فقال: "فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين"، فتـزوى عن العبد هذه الدرجات رأفة به، لعدم ( قابلية) العبد لتلقي تلك الدرجات العالية، لا بخلا من جهة ( فيّاضية ) الرب.

الوحشة الشديدة
لو استشعر الإنسان حقيقة الوحدة التي يعيشها، لانتابه شعور بالوحشة شديد..فقد كان ( وحيداً ) قبل نفث الروح في الأبدان، وسيكون ( وحيداً ) في برزخه إلى يوم يبعثون، ويأتي ربه ( وحيداً ) كما خلقه أول مرة، وهو ( وحيد ) في الدنيا في ساعات نومه وكثير من ساعات يقظته..فتبقى الساعات التي يعاشر فيها الخلق، وهي ساعة لقاء الأبدان بالأبدان بحواسها المادية، فلم تمتزج الأرواح بالأرواح لترتفع الوحدة حقيقة..وعليه فإن الوحدة لا ترتفع إلا عند الارتياح إلى مرّوح الأرواح، إذ: "بك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا".

خلاّقية الحق
إن من الممكن تقريب كيفية تصريف الحق لعالم الوجود الواقع بين ( الكاف والنون )، وذلك بالنظر إلى قدرة الأذهان في ابتداع الصور العظيمة - كملء الوجود ذهباً - بمجرد الإرادة والتخيّل..فإن هذه الإرادة الخلاّقة تتساوى عندها الصور العظيمة والحقيرة..ومن هذا التشبيه أيضا علم أن الجزاء ( الاستحقاقي ) و ( التفضّلي ) من جهة القدرة عند الحق المتعال على حد سواء..وبذلك يرتفع الاندهاش من الثواب العظيم على العمل القليل، وذلك لانتفاء الكلفة والمؤونة - في كل صور الجزاء - عند الحق المتعال.

داعي الذكر الدائم
إن من دواعي الالتزام بالذكر الدائم أموراً، الأول منها: هو الالتفات التفصيلي إلى ( مراقبة ) الحق لعبده دائما، فكيف يحق للعبد الإعراض عمن لا يغفل عنه طرفة عين ؟!..الثاني: وهو الالتفات إلى ( افتقار ) العبد الموجب للولع بذكر الحق تعالى استنـزالاً لرحمته..الثالث:وهو الالتفات إلى عظمة ( الجزاء ) الذي وعد به الحق نفسه - ولا خُلْف لوعده - وذلك من خلال التدبر في قوله تعالى: "اذكروني أذكركم"..فإن آثار ذكر الحق للعبد مما لايمكن إدراكه، لاتساع دائرة تلك الآثار لتشمل الدنيا والآخرة بما ليس في الحسبان، وقد ورد في الحديث القدسي كما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: "أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الوراء"البحار-ج14ص459..إذ كيف يحيط العبد - علماً - بكيفية ذكر الله تعالى له، وهو المالك للأسباب جميعا ؟!.

الانقطاع بالنوم
إن النوم انقطاع عن الحق تعالى، وذلك لانتفاء الذكر بكل صوره، سواء بالقلب أو باللسان، ولهذا يدع الرجل - كما روي - فقيراً يوم القيامة..ولهذا لا يحسن النوم إلا عند الحاجة إليـه، وبالمقدار الذي به قوام البدن، كما لم يحسن التقلب في الفراش الذي هو حرمان لفوائد النوم واليقظة معا..وقد سأل موسى (عليه السلام) ربه عن أبغض الخلق إليه، فأوحى إليه: "جيفة بالليل وبطال بالنهار"البحار-ج13ص354..ومن هنا كثرت الأدعية الواردة قبل النوم، لتذكّر العبد بحقيقة أن هذه العملية الشبيهة ( بالموت )، إنما هي وسيلة لاستعادة ( نشاط ) الحياة من أجل عبودية أفضل.

الانبهار والتفاعل
تنتاب الإنسان حالة من الإعجاب عند رؤيته لمشاهد من دقة الصنع في الخلق، وينتهي الأمر عند هذا الحد، والمطلوب من العبد تجاوز حالة الانبهار الذهني من ( دقّـة ) المخلوق، إلى حالة التفاعل النفسي مع ( عظمة ) الخالق..هذا التفاعل بدوره يفيض على الإنسان حالة من ( الاطمئنان ) في حاضره ومستقبل أموره، لما يرى من أن نواصي الخلق طراً بيد ذلك المدبر للكون المترامي الأطراف..ومن ( الخشوع ) لما يرى من أن من يقف بين يديه، هو صاحب هذا الملك الواسع المتقن.

تحريك إرادة الحق
قد يتعجب المؤمن من قضاء المولى لحـوائجه العـظام بطلب يسير منه، يتمثل بدعاء قصير يتوجه به إليه - وقد يخلو من إصرار وتأكيد - والحال انه لاعجب في ذلك، فيما لو التفت العبد إلى أن الدعاء وإن كان ( صادرا ) من العبد، إلا أنه مؤثر في ( تحريك ) إرادة المولى لتحقيق حاجته..ومن المعلوم أنه إذا تحركت إرادة المولى لتحقيق الحاجة، فإنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء..فالعَجَب إنما هو في نسبة دعاء العبد إلى حاجته، لا في نسبة إرادة المولى إلى مراده، إذ يستحيل تخلف مراد الحق عن إرادته، فهي مستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته.

البعد بعد الامتلاء
إن العبد يحس بحالة من ( البعد ) الواضح عن الحق عند ( امتلائه ) بالطعام والشراب، فلا يكاد يجد إقبالا على الحق - في تلك الحالة - للتثاقل الطبعي الذي يسببه الامتلاء..فقد روي أنه: "ما ملأ إبن آدم وعاء شرا من جوفه"..أضف إلى أن العبد يحمل في جوفه ( أداة ) الجريمة، وهو الزائد من الطعام، الذي تصرف فيه بلا إذن من مالكه، بل مع نهيه عنه، إذ هو القائل: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا"، فكيف يستجاب دعاء عبد متلبس بأداة من أدوات الجريمة، وإن عفا عنه من أجرم بحقه ؟!.

الفرص النادرة
لاشك في وجود بقاع مقدسة وأزمـنة مباركة يحب المولى أن يدعى فيها..فعلى العبد أن ( يتحيّن ) تلك الفرص، بمعرفة مناسبات الشهـور قبل قدومها، وفضل البقاع قبل الذهاب إليها، وذلك بمراجعة كتب الأدعية كمؤلفات السيد ابن طاووس (قده) وغيره، فلطالما تفوت الفـرص النادرة والعبد في غفلة عنها..ولعل الغفلة عن وظائف العبودية في تلك المناسبات من صور الخذلان، وذلك لتراكم ( الذنوب ) من دون استغفار، أو ( للإعراض ) الاختياري عن تلك المناسبات..والحرمان من الأرباح العظيمة خسارة عظيمة، لمن تعقّل حقيقة الربح والخسارة.

الطائع والتائب
قد ورد أن ( التائب ) من الذنب كمن لا ذنب له، لكـن ذلك لا يعني المساواة في جميع الجهات لمن ( لم يذنب ) أصلا مع التعرض لمثيرات الذنوب، وخاصة بعد طول مجاهـدة في عدم الوقوع في منـزلقاتها..وعليه فـلابد من التفات العبد إلى أن بعض الدرجات ( التفضّلية )، قد يُحرمها العبد بعد ممارسة الذنب وان قبلت توبته.

ساعات القوة والضعف
قد يتعرض العبد للمغريات - في ساعة قوته - فيتجاوز المخـاطر بسلام، فيظن أن تلك الاستقامة قوة ( ثابتة ) في نفسه، وحالة مطردة في حياته..وبالتالي قد ( يتهاون ) في ساعة ضعفه - التي يمر بها كل فرد - فيقترب من حدود الحرام، واقـعا في شباك الشيطان الذي ينتقم منه، ليصادر نجاحه الأول..وقد ورد: "إن من حام حول الحمى، أوشك أن يقع فيه".

عمدة الشهوات
إن عمدة الشهوات التي تكتنف الرجال - وخاصة في مقتبل العمر - هي شهوة النساء، بل قد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "ما تلذذ الناس في الدنيا والآخرة بلذة أكبر من لذة النساء"-الميزان ج3ص118..ومن هنا حدّد الشارع الحدود الصارمة في علاقته معهن، بما يوجب السيطرة على الحواس الخمس..فأمره بغض ( البصر )، ومنعه من التلذذ ( بالسمع ) والقول، ومن ( المصافحة ) والخلوة، ومن ( الجلوس ) في موضع يحس بحرارة بدنها وغير ذلك من القيود..ومجمل مذاق الشارع - في هذا المجال - يفهم من قوله تعالى: "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب"و"فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"و"يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين"و"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم"و"ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى"..وعليه فلا يحتاج العبد في الفتن المستحدثة إلى نص بالخصوص، بعد إطلاعه على التوجه العام المفهوم من النصوص السابقة.

ساعات الذهول
إن من أصعب الساعات التي تمر على المرء، هي تلك الساعة التي لا يجد عندها - في نفسه - خيرا ولا شرا..بل يجدها في حالة من الشرود والذهول، مما يجعل الساعات تمـر على العبد، من دون أن يحصد فيها خيرا لدنياه أو لآخرته..فمن الجـدير بالعبد تجنب هذه الساعات بتجنب مناشـئها ومنها: ( اللاّهدفية ) في الحياة، و( الانشغال ) المستغرق بلهو القول والفعل، وعدم حمل ( طموحات ) كبرى في الحياة، و( انتفاء ) النظم في أمر المعيشة والمعاد..فالواجب على العاقل هو الخروج من هذا العبث الهادر للعمر، وذلك ( بالتفكير ) في محدودية عمر الإنسان، وعدم قبول دعوته للرجوع إلى الدنيا لتدارك الفائت بالعمل الصالح، و( استحضار ) المعـيّة الإلهية المتحققة من جانب الرب تعالى - وان لم يستحضرها العبد - وهي التي تدعوه إلى الانشغال بما يرضي الحق في كل مرحلة من مراحل حياته، توقيراً لتلك المعية المستلزمة للمراقبة الدقيقة.

المتفرج على الأحداث
يصل العبد - بعد اجتياز مرحلة التفويض، وايكال الأمر لمدبر الأمور - إلى درجة يرى نفسه فيها ( كالمتفرّج ) لسير الأحداث المرسومة بيد الحكيم..فلا يهش فرحا للمفرح منها، كما لا يأسى على المحزن منها، وذلك لأنه لا يرى نفسه معنيّا بالأمر اكثر مما أمر به، فهو يسعى بما هو لازم فعل العبد وهو ( التدبير )، ويوكل الأمر بعد ذلك إلى ما هو لازم فعل المولى وهو ( التقدير )، والعبد يريد والمولى يريد، ولا يكون إلا ما يريده المولى..وأين رتبة التدبير من رتبة التقدير ؟!، فالأولى في رتبة الأسباب، والثانية في رتبة الأسباب والنتائج معا..ومن المعلوم أن هذا الإحساس لو تعمّق في نفس العبد، لأوجب له شعورا بالرضا و ( الاطمئنان ) في أشد المراحل تقلبا..ومن هنا كلما اشتد البلاء على سيد الشهداء (عليه السلام)، كلما اشرق لونه -كما ورد في المقاتل - لأنه يرى صنع الله تعالى فيه وفي أهل بيته، وهو لا يكون إلا جميلا، كما صرحت به أخته (عليه السلام) في مجلس الطاغية.

الذاكر الغافل
إن مَثَل الذاكر بلسانه مع عدم مواطأة قلبه للذكر باللسان،كمَثَل من ( يتظاهر ) بالإصغاء إلى جليسه وهو ( شارد ) عنه، فلو اطلع الجليس على شروده لأعرض عنه، بل لعاقبه على سوء أدبه معه..فهذا الذاكر بلسانه يجعل نفسه في موضع المتحدث مع الحق، فلو أعرض بقلبه لكان عمله نوع استهتار و نفاق يستحق معه العتاب..وعليه لو أثاب المولى - المطلع على الضمائر - عبده على هذا الذكر المقترن بالشرود والذهول، لعُدّ ذلك ( تفضّلا ) منه وكرما، يستحق عليه الشكر المشوب بالخجل، لعدم قيام العبد بحق العبودية كما يليق بوجهه الكريم..وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) الملائكة - على مكانتهم من الحق وكثرة طاعتهم له - بقوله: "لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك، لحقّـروا أعمالهم..ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك، ولم يطيعوك حق طاعتك"البحار-ج7ص200.

لكل ساعة تكليفها
إن للعبد تكليفه ( المستقل ) تجاه مولاه في كل يوم و ليلة من حياته، ومن هنا أحتسب لكل يوم وليلة ربحه وخسارته، مفصولا عما قبله من الليالي والأيام..وبذلك لا ( يجبر ) خسارة اليوم الحاضر ( بربح ) اليوم الذي سبقه أو يليه، وتوفيق العبد في يومه، لا يوجب له الاسترخاء فيما يليه من الأيام، تعويلا على كسب ذلك اليوم، كما نلحظه كثيرا بعد مواسم الطاعة كالحج أو شهر رمضان المبارك، فيركن العبد إلى ما وُفّق له في تلك المواسم، والحال أنه مكلف - بعد الموسم - بتكليف جديد..وعليه فلابد أن يكون العبد حريصا على قطف ثمار اليوم الذي لا يعود إليه أبداً.

استيلاء شهوة البطن
إن عملية الأكل - في حد نفسها - مظهر لإحدى الشهوات المودعة في وجود الإنسان، شأنها شأن باقي الشهوات التي أودعت لحكمة في وجوده..ولكن العبد يذهل - خلالها بل قبلها وبعدها - عن القيام بوظائف العبودية من المستحبات المأثورة في هذا المجال، وذلك لاستيلاء هذه الشهوة على وجوده عند تلـبّسه بتلك الشهوة..فترى المجتمعين على الطعام بنهم وحرص - بداعي الشهوة المحضة - كالأكَلَة على فريستها، وهكذا الأمر في الشهوات الأخرى..ولعل الحكمة في الآداب الواردة - عند ممارسة شهوة البطن والفرج - هي التخفيف من ( استيلاء ) هذه الشهوة على صاحبها، وتذكيره بالمالك على الإطلاق الموجب لاتزان العبد في حركته، حتى في مجال استيفائه للشهوات التي أبيحت له، بشرط عدم ( الاسترسال ) المذهل عن حق العبودية.

عدم الميل للحرام
إن من الاختبارات الدقيقة الكاشفة عن درجة عبودية العبد، هو عدم ( ميله ) للحرام فضلا عن عدم ( ارتكابه ) له..فإرادته حبّـا وبغضا تابعة لميل المولى وإرادته، وهذا هو السر في كرامة يوسف الصديق (عليه السلام) على الله تعالى، إذ كان السجن أحب إليه مما يدعونه إليه..وهذه هي المنحة التي يمنحها الحق لعبده بعد مرحلة متقدمة من المجاهدة في العبودية، إذ يحبّب إليه الإيمان، ويكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان..فعندها تخـفّ معاناة العبد في رفضه للشهوات، ليتفرّغ لمراحل أعلى في القرب، يغلب عليه ( التلذذ ) بدلا من المعاناة، و( العطاء ) من الحق، بدلا من الحرمان من النفس.

مراحل الاستيلاء
إن للشيطان مراحل في الاستيلاء على ممـلكة الإنسان، الأولى: وهي مرحلة ( الدعوة ) المجردة، نفـثا في الصدور، وتحريكا للشهوات من خلال أعوانه، وقد قال تعالى: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي"..فإذا رأى تكررا في الاستجابة، انتقل إلى المرحلة الثانية: وهي مرحلة ( الولاية )، وقد قال سبحانه: "أولياؤهم الطاغوت}..وأخيراً يصـل الأمر إلى حيث يفقد العبد سيطرته على نفسه في المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ( التحكّم ) المطلق، إذ"يتخبطه الشيطان من المس".

القرب بالمصيبة والمراقبة
إن سرعة الوصول إلى الدرجات العالية من التكامل، يتحقق غالبا إما: بالوقوع في ( المصائب ) - ولو في برهة من الزمن - واما ( بالمراقبة ) الشديدة للحق..والسبب في ذلك أن العبد لا يستغني عن مدد المولى في كل مراحل سيره، هذا المدد المتمثل بالرحمة الإلهية تأتي لذوي المصائب، كما يشعر به قوله تعالى: "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة"..كما تأتي لذوي الذكر الدائم، كما يشعر به قوله تعالى: "اذكروني أذكركم"..ومما ذكر يعلم خطورة موقف ( الغافل ) و ( المعافى ) من البلاء، فهو أبعد ما يكون من هذه ( الرحمة ) بشقّيها.

الإجراء غير القبول
إن العناوين التي منحها الشارع للصلاة: كالمعراج، وعمود الدين، وقربان كل تقي، لا تنسجم مع واقع صلواتنا - بما فيها من تشاغل عن الحق - إذ أن المأتيّ به لا يسانخ المأمور به أبدا..ومن هنا لو أتى العبد بكل مقومات ( الإجراء ) الظاهري من دون تحقيق شيء من تلك العناوين، لعلم أنه لم يحقق ( المراد ) الواقعي للشارع، والذي ( تكشف ) عنه العناوين المذكورة..وعليه فقد يواجه العبد ربه يوم القيامة، ولم يمتثل له أمرا واحدا بالصلاة كما أرادها الحق منه، على شدة تأكيده له.

علاقة المولوية والحب
إن العلاقة الأولية للعبد مع ربه - وان كان يغلب عليها - علاقة ( المولوّية ) القائمة على الأمر والامتثال، إلا أنها قد ( تترقى ) بعد اجتياز مرحلة التعبد المحض إلى ما هي أرق من تلك العلاقة، فيضاف إلى هذه العلاقة علاقة ( الأنس ) والمجالسة: "يا خير من خلا به جليس"، والجوار: "يا جاري اللصيق"، والرفقة: "يا شفيق يا رفيق"، والخـلّة: "واتخذ الله إبراهيم خليلا"، والحب الشديد: "والذين آمنوا أشد حبا لله}..فإذا كانت علاقة الحق معهم - كذلك - في هذه الحياة الدنيا، فكيف تتجلى تلك العلاقة في معاملة الحق معهم يوم العرض الأكبر، إذ يكشف الغطاء ويرفع الحجاب بين العبد وربه ؟!.

الأنس تبعا للحق
إن الأنس بالزمان، أو المكان، أو الأشخاص، أو البلاد، ينبغي أن يكون مرتبطا بمدى تأثير تلك الأمور في قرب العبد من الحق..فكل عنصر يؤثر تأثيرا إيجابيا في تقريب العبد إلى ربه، لهو عنصر ( محبوب ) في واقعه، وإن استثقله العبد بحسب ميله الذي لا صلة له بالواقع..ومن هنا قال سبحانه: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، فخير ( البلاد ) ليس ما استوطنه العبد وإنما ما أعان على الطاعة، وخير ( الأشخاص ) ليس هو الصديق وإنما من يذّكر بالله رؤيته، وخير ( الأزمان ) ليس هو ساعة التلذذ وإنما ما وقع فيها من طاعة..إن تحكيم هذا الملاك يغيّر كثيرا من الرغبات داخل النفس، ومن التصرفات خارجها، لتغيّر المنطلقات التي ينطلق منها العبد، في تعامله مع الفرد والزمان والمكان.

الوحشة من أولياء الشيطان
لو اعتقد العبد - يقينا - بإحاطة الشياطين ( لقلوب ) الذين يتولونه، و( لأماكن ) المعصية، لاشتد وحشته من هؤلاء الأشخاص ولو كانوا اقرب الناس إليه، ومن الأماكن ولو كانت آلف البلاد لديه، لعلمه أن الاقتراب من تلك الأماكن والقلوب، إنما هو دخول في حيّـز مرمى الشياطين..ومن هنا يُعـلم حذر أهل اللب من أبناء زمانهم، لأنهم لا ينظرون إلى ( ذواتهم ) المجردة، وإنما إلى من ( يسوقهم ) في حركاتهم وسكناتهم، من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.

معاملة الوصاية لا السيادة
ينـبغي أن تكون معاملة الأب مع أبنائه معامـلة ( الوصيّ ) مع الموصى عليهم، لا معاملة ( السّـيد ) مع عبيده..فارتباط البنوّة منشأه ظرفية الأم لنمو الجنين المنعقد من نطفة الأب..وأين نسبة علقة ( الظرفـيةّ ) - وان عظّم الشارع حرمتها خصوصا في الأم - من علـقة ( الإيجاد ) المختص بالمبدع المتعال ؟!..فالمتصرف في شؤون الخلق بدء وختماً، هو صاحب الولاية على المخلوقين، فينبغي على العبد العمل بمقتـضى رضا المالك، حتى مع تـفويض الولاية المحـدودة إليه - في هذه النشأة الدنيا - و ذلك ضمن شروط محددة أيضاً.

كتمان الغضب
إن الغضب من الصفات المتأصلة في النفس... والسبب في ذلك ان الإنسان موجود ناطق ذو شعور، لا يرضى بكثير من الاقول والافعال، فيكون من الطبيعي انقداح حالة في النفس، فليس الحل هو( منع ) تحقق هذه الحالة في النفس، اذ انها قهرية مترتبة على مواجهة النفس لما ينافر طبعها.. وانما الحل هو عدم ( تسرية ) هذه الحالة الى الخارج، وهو ما يعبر عنه بكظم الغيظ، فليست المشكلة في اصل وجود الغضب وانما في عدم كظمه، وقد روي: "ان من كظم غيظا، ملأ الله جوفه إيماناً" البحار -ج69ص382.. وليعلم ان اصل الغضب قد يكون ما يبرره شرعاً، ولكن المشكلة في الدواعي وراء ذلك، فقد لا يكون الداعي إلهيا، بل يكون هو ( التشفي ) كما يحصل مع من ينبغي تأديبه كالأطفال، وان كان النأديب حقاً.. وقد يكون الداعي إلهيا الا ان صاحبه قد (يتجاوز) حدوده الشرعية، فيغضب اكثر مما غضب الله تعالى لنفسه.. وليعلم ايضا ان (المستعجل ) في انفاذ غضبه كالمستعجل في كسر جرة لا يمكن جبرها بعد كسرها، بخلاف المتأني في انفاذه، فان بامكانه كسر الجرة متى شاء، كما ان بأمكانه العدول عن قرار كسره.

الضيق المجهول
قد تنتاب الانسان حالة من الضيق المفاجئ، ولا يعلم لذلك سببا واضحا.. فالامر قد يكون بدواعي ( طبعية ) كالمرض والارهاق وغيره، وقد يكون بسبب ( ارتباط ) الارواح المؤمنة، فينعكس على الارواح المتجانسة بمقتضى وحدة الجسد الايماني.. ولا شك ان لتأثر (قلب ) عالم الوجود - صاحب العصر(عليه السلام) -تأثيرا بالغا في تأثر قلوب المحبين، وهو ما نلحظه بشكل واضح قبيل غروب الجمعة،لارتباط ذلط اليوم بوجوده الشريف.. فانقضاء ذلك اليوم المتوقع فيه الظهور من دون فرج، مما يعكس الحزن والكآبة التي قد تمتد آثارها حتى عالم الطبيعة.


* الشيخ حبيب الكاظمي

22-01-2016 عدد القراءات 489



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا