19 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 30 صفر 1439هـ
En FR

الفقه الموضوعي :: فقه المريض

فقه المريض



لماذا المرض؟
يقول الله تعالى في محكم بيانه وعظيم قرآنه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون1.

تعرّضت هذه الآية الكريمة للاختبار الإلهي، بمظاهره المختلفة، باعتباره سنّة كونيّة لا تقبل التغيّر، ولمّا كان الانتصار في هذه الاختبارات لا يتحقّق إلا في ظلّ الصبر والتوكل، قالت الآية بعد ذلك ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِين﴾;.

فالصابرون هم الذين يستطيعون أن يخرجوا منتصرين من هذه الامتحانات، لأن هؤلاءِ عندهم إقرارٌ تامٌ بالعبودية للَّه تعالى، الذي يعلّمنا أن لا نحزن على ما فاتنا، لأنّه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب، إن شاء منحنا إياها، وإن شاء أخذها، وفي المنح والأخذ مصلحة لنا.

إن هذا المرض في الحقيقة هو نعمة إلهيّة، لما يحمل في باطنه من رحمة من اللَّه تعالى، وقد ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلّم: "ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه".

وورد عن الإمام علي عليه السلام في مرض مرضه بعض أصحابه أنه قال: "جعل الله شكواك حطّاً لسيّئاتك، فإنّ المرض لا أجر فيه ولكن يحطّ السيّئات، ويحتّها حتّ الأوراق، وإنمّا الأجر في القول باللسان والعمل بالأيدي والأقدام، وأنّ اللَّه تعالى يُدخل بصدق النيّة والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة";2.

وعن الإمام الرضاعليه السلام: "المرض للمؤمن تطهير ورحمة، وللكافر تعذيب ولعنة ،وإنّ المرض لا يزال بالمؤمن حتّى لا يكون عليه ذنب"3.

وعن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم: "إنّ المؤمن إذا حُمَّ حماةً واحدةً تناثرت الذنوب منه كورق الشجر فإن صار على فراشه فأنينه تسبيح، وصياحه تهليل، وتقلّبه على فراشه كمن يضرب بسيفه في سبيل اللَّه، فإن أقبل يعبد اللَّه بين إخوانه وأصحابه كان مغفوراً له فطوبى له إن تاب ،وويل له إن عاد، والعافية أحبّ إلين";4.

آداب المريض:
بالإضافة إلى حط الذنوب الذي يحصل بسبب المرض، هناك زيادة ثواب يمكن أن يحصل عليه المريض إذا تحلى بمجموعة من الآداب العامّة والخاصّة:


1- الصبر والشكر للَّه تعالى:

تعتبر مسألة الصبر والشكر من أهمّ العوامل المسببة للرحمة الإلهية ورفع الدرجات ( وبشِّرِ الصابرين...) فالآية تبشر الصابرين مؤكّدة أن الهداية هي النتيجة الحتمية لمن يتحلى بالصبر ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون.

وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُون5، ولا يكفي في "الشكر وعدم الكفران" تحريك اللسان بعبارات الشكر فقط، بل لا بد من استثمار كل نعمة في محلها وعلى طريق نفس الهدف الذي خلقت له، كي يؤدّي ذلك إلى زيادة الرحمة الإلهيّة، فلا بد للمريض أن يصبر على مرضه ويشكر اللَّه تعالى على إحسانه.

2- عدم الشكاية:
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه6.
إنّ الاستمداد من قوّة الإيمان عاملٌ مهم في اجتياز اختبار المصائب دون اضطراب وقلق، مع التسليم لأمر الله تعالى والابتعاد عن الشكاية التي تنقص الأجر والثواب.

وفي رواية أنه سئل الإمام الصادق عليه السلام عن حدّ الشكاية للمريض، فقال عليه السلام: "إن الرجل يقول حممت اليوم وسهرت البارحة وقد صدق، وليس هذا شكاة وإنما الشكوى أن يقول لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد، ويقول: لقد أصابني ما لم يصب أحد"7

وقد ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: "من شكا مصيبة نزلت به فإنّما يشكو ربّه"8.

3- دفع الصدقة
ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "داووا مرضاكم بالصدقة"9.
وعنه عليه السلام أيضاً قال السائل سمعته يقول: "يستحب للمريض أن يعطي السائل بيده، ويأمر السائل أن يدعو له"10.

4- الإذن للناس بزيارته

ينبغي للمريض أن يأذن للناس الزائرين بالدخول عليه، فلعل دعوة من أحدهم تكون سبباً لنزول الرحمة الإلهية، ففي الرواية
عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام "إذا مرض أحدكم فليأذن للناس يدخلون عليه فإنه ليس من أحد إلا وله دعوة مستجابة"11.

5- الدعاء بالشفاء
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين12. إن من موارد الدعاء،الدعاء لرفع البلاء، فإن أصيب الإنسان بمرض فعليه ـ بالإضافة للتداوي ـ طرق باب الدعاء، فيدعو لنفسه ويدعو المؤمنون له...

ولدعاء الأم خصوصية، فإنه يخرج من صميم قلبها وهي أحنّ الناس على ولدها فتتضرع إلى الله تعالى بإخلاص قلّ نظيره، وفي الرواية عن إسماعيل بن الأرقط، وأمه أم سلمة أخت الإمام الصادق عليه السلام قال: "مرضت مرضاً شديداً في شهر رمضان حتى ثقلت (اشتد عليَّ المرض) إلى أن قال: فجزعت عليّ أمّي، فقال لها أبو عبد اللَّه عليه السلام خالي: اصعدي إلى فوق البيت فابرزي إلى السماء وصلي ركعتين، فإذا سلمت فقولي: اللهم إنّك وهبته لي ولم يكُ شيئاً، اللهم إنّي استوهبكهُ مبتدئاً فأعِرْنيه، قال: ففعلت فأفقت وقعدت، ودعوا بسحور لهم هريسة فتسحّروا بها وتسحّرت معهم"13.

ولا بأس بأن ندعو للمريض بأي دعاء، ولكن الأفضل أن ندعو بما ورد في الروايات الشريفة، ومن هذه الأدعية أن يُقال: "اللهم اشفه بشفائك، وداوه بدوائك، وعافه من بلائك".
وورد في بعض الروايات: من قال عند المريض: "اسأل اللَّه رب العرش العظيم أن يشفيك ( سبع مرات ) إلا عوفي"14.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لو قرأت الحمد على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان عجب"15.

زيارة المريض وآدابها16:
إن زيارة المريض من المستحبّات المؤكّدة التي تحدّثت عنها كثيرٌ من الروايات:
فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: "كان فيما ناجى به موسى ربّه: أن قال: يا رب ما بلغ من عيادة ( زيارة ) المريض من أجر؟ فقال اللَّه ( عزَّ وجلَّ ) أُوكل به ملكاً يعوده ( يزوره ) في قبره إلى محشره"17.
وعن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: "ضمنت لستة الجنّة.... منهم رجل خرج يعود مريضه فمات، له الجنّة"18.

المرض المعْدي:
تقدم معنا أن زيارةَ المريض من الأمورِ المستحبَّةِ التي حث الشرع المقدّس عليها، إلا أن هناك حالة ورد في الروايات استثناؤها من موضوع الزيارة، وهي إذا ما كان المريض من أصحاب الأمراض المُعْدية ـ خصوصاً الخطيرة منها ـ، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم: "... ولا تدخلوا عليهم، وإذا مررتم فأسرعوا المشيَ لا يصيبكم ما أصابهم";19.

متى تكون زيارة المريض؟
ينبغي مراعاة المريض وحالته عند الزيارة حتى لاتنقلب من التخفيف عنه والإطمئنان عليه إلى إرهاقه وإتعابه، وقد ورد في الرواية عن أبي عبد اللَّه عليه السلام: "... ولا تكون عيادة في أقل من ثلاثة أيام، فإذا وجبت فيوم ويوم لا، فإذا طالت العلة ترك المريض وعياله"20.

آداب زيارة المريض
هناك مجموعة من الآداب الخاصة بمن يزور المريض، وينبغي مراعاتها، منها:

1- أن لا يتسبب بأذيته:

يجب أن نحذر من أذية الناس بشكل عام ومن أذية المريض بشكل خاص، فقد ورد أن دعاءه مستجاب عند الله تعالى، كما تشير الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "ثلاثة دعوتهم مستجابة: الحاج فانظروا كيف تخلفونه، والغازي في سبيل اللَّه فانظروا كيف تخلفونه، والمريض فلا تغيظوه ولا تزجروه"21.

2- أن لا يطيل الجلوس:
جلوس الزائر عند المريض أمر طبيعي، ولكن من الآداب أن لا يطيل الجلوس عنده إلا إذا كان المريض طالباً لذلك.
فعن الإمام علي عليه السلام: "ومن أعظم العوّاد (الزوار) أجراً عند اللَّه لمن إذا عاد (زار) أخاه خفف الجلوس، إلا أن يكون المريض يحب ذلك ويريده"22.

3- أن يضع يده على ذراع المريض:
ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "تمام العيادة للمريض أن تضع يدك على ذراعه"23، ولعل وضع اليد على ذراع المريض توحي بالتضامن معه والمواساة له، وتعطيه دفعاً لمقاومة المرض والتغلب عليه.

4- تقديم هدية للمريض:

فمن اللياقات الاجتماعية المعروفة أن يدخل الزائر على المريض وفي يده هدية يسره بها، فالهدية مستحبة خصوصاً للمؤمن، كما أنَّ إدخالَ السرورِ على المؤمنِ من أفضلِ الأعمالِ عند الله تعالى، ولعلَّ المريض بفرحه بالهدية يقوى على مواجهةِ المرض بما يشعر به من دعم واهتمام. وفي رواية يرويها أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام قال: "مرض بعض مواليه فخرجنا نعوده، ونحن عدة من مواليه فاستقبلنا عليه السلام في بعض الطريق فقال عليه السلام: أين تريدون؟
فقلنا: نريد فلانا نعوده
قال عليه السلام: قفوا فوقفنا قال عليه السلام: مع أحدكم تفاحة أو سفرجلة أو اترجة أو لعقة من طيب أو قطعة من عود بخور؟ فقلنا: ما معنا من هذا شيء، قال: أما علمتم أن المريض يستريح إلى كل ما ادخل به علي
ه"24.

*فقه المريض،سلسلة الفقه الموضوعي،نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- سورة البقرة، الآيات: 155 157.
2- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج69، ط2، بيروت، مؤسسة الوفاء، ص19.
3- العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج2، ط2، قم، مهر، ص401.
4- الصدوق، محمد بن بابويه، ثواب الأعمال، قم، منشورات الرضي، ص192.
5- سورة البقرة، الآية: 152.
6- سورة التغابن: الآية: 11.
7- وسائل الشيعة، م.س، ج2، ص403.
8- بحار الأنوار، م.س، ج70، ص89.
9- وسائل الشيعة، ج9، ص375.
10- وسائل الشيعة، ج9، ص222.
11- الكافي، ج3، ص117.
12- سورة غافر الآية: 60.
13- وسائل الشيعة ج8، ص173.
14- كنز العمال، مؤسسة الرسالة بيروت، ج 9 ص 104
15- وسائل الشيعة ج6 ص 231
16- قال: عدت المريض أعوده عيادة أي "زرته، ومنه حديث فاطمة بنت قيس (فإنها امرأة يكثر عوادها) أي زوارها، وكل من أتاك مرة بعد أخرى فهو عائد، وإن اشتهر في عيادة المريض حتى صار كأنه مختص به، راجع: الطريحي، فخر الدين، ج2، ط2، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، ص273
17- وسائل الشيعة، م.س، ج2، ص416.
18- وسائل الشيعة ، ج2، ص417.
19- ألمجلسي محمد باقر بحار الأنوار مؤسسة الوفاء ،الطبعة الثانية المصححة ج 59، ص213.
20- وسائل الشيعة، ج2، ب31، ص421، رواية 2529.
21- الحر العاملي محمد بن الحسن وسائل الشيعة مؤسسة أهل البيت الطبعة الثانية 1414هـ.ق.، ج7، ص 128
22- الشيخ الكليني الكافي دار الكتب الإسلامية، آخوندي الطبعة الثالثة ج3، ص 193.
23- الكافي ج3، ص 118.
24- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج87، ص 227.

13-01-2016 عدد القراءات 679



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا