19 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 30 صفر 1439هـ
En FR

الفقه الموضوعي :: فقه الطبيب

أحكام مباشرة العلاج



الأجرة على العلاج
علاج الناس في بعض موارده واجب شرعاً على الطبيب، "خصوصاً إذا كان ترك العلاج يؤدي إلى هلاك المريض"، ولكن رغم كونه تكليفاً وواجباً، يستطيع الطبيب أن يأخذ الأجرة عليه1. ولكن ما هو مقدار ما يأخذه الطبيب من المريض ؟

تحديد المقدار يكون من خلال أحد أمرين:
1- الاعتماد على ما هو متعارف عند الناس: فالعرف هو الذي يحدد قيمة المعاينة قليلة أو كثيرة مع ملاحظة الفرق بين الاختصاصي وغيره 2.
2- التوافق مع المريض: فإذا توافق الطبيب مع المريض على مبلغ معيَّن وتراضيا عليه أي رضي المريض أن يدفع المبلغ الكذائي للطبيب ورضي الطبيب أيضاً بأخذه مقابل علاج المريض فهنا يجوز في هذه الحالة ولا إشكال فيه3.

أحكام النظر واللمس عند العلاج
مرّ معنا أحكام النظر واللمس بالنسبة إلى الطلاب الذين يتعلمون الطب في المعاهد والجامعات، وذكرنا حكم الصغير والصغيرة هناك، فلا نكرر الحكم هنا، وسنشير هنا إلى أحكام النظر واللمس أثناء العلاج بالنسبة إلى الطبيب حينما يعالج الكبير غير المماثل له في الجنس.

الحكم العام هو حرمة النظر إلى غير الوجه والكفين من المرأة الأجنبية هذا إذا لم يكن بتلذذ وريبة أما مع التلذذ والريبة فيحرم النظر حتى إلى الوجه والكفين4، وكذلك يحرم اللمس مطلقاً لجسد المرأة الأجنبية سواء أكان هناك تلذذ وريبة أم لا5.

معنى التلذذ والريبة:
النظر المؤدي إلى التلذذ والريبة هو ما كان سبباً في إثارة الشهوة وخوف الوقوع في الحرام.

المراد من الأجنبي والأجنبية:
الأجنبي والأجنبية هما اللذان يكونان من غير المحارم على الذكر والأنثى أي الذي يحرم التزويج منه يسمى مَحْرمَاً، والحرمة تكون إما من جهة النسب كالأب والأم والإخوة والأخوات وأبنائهم والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن علوا، لأب أو لأم، والأجداد والجدات، هؤلاء محارم بالنسب، أما المحارم بالسبب كالمصاهرة أزواج البنات والأمهات وزوجات الأبناء والمحارم بالرضاع كالأخ والأخت والأم والأب والابن والبنت... بالرضاعة. هؤلاء جميعاً يحرم الزواج من بعضهم البعض ولكن يحل النظر واللمس إلى بعضهم البعض إلى سائر الجسد ما عدا العورة وبدون تلذذ وريبة طبعاً وغير هؤلاء يسمّون أجانب.

حدود جواز النظر واللمس في العلاج:
قلنا بأن الحكم الأولي والعام هو حرمة النظر واللمس بالنسبة إلى الأجنبي والأجنبية ولكن هناك استثناء في المسألة وهو إذا كانا في مقام العلاج، ولنوضح هذا الاستثناء من خلال عدة مسائل:

إذا وُجِد الطبيب المماثل في الجنس لا يجوز النظر واللمس بحال من الأحوال إلا إذا كانت المسألة ضرورية وتوقف العلاج على غير المماثل باعتباره أكثر خبرةً فيجوز ذلك6.

إذا أمكن العلاج من وراء الثياب أو مع لبس القفازات لا يجوز اللمس لأنه لا يوجد عند ذلك ضرورة إلى اللمس7.
إذا أمكن العلاج والفحص من دون النظر إلى الجسد أو أمكن الفحص من خلال النظر في المرآة فلا يجوز عندها النظر مباشرة لأنه لا يوجد ضرورة عند ذلك8.
إذا تعذَّرت المراجعة إلى الطبيبة بالنسبة للمرأة أو لم يكن للطبيبة الخبرة الكافية بالنسبة للمرأة جاز عندها الرجوع إلى الطبيب ولو أدى ذلك إلى الفحص والعلاج والنظر واللمس لوجود الضرورة إلى الطبيب حينئذ9.

علاج المماثل:
يجوز أن يعالج كل من المتماثلين بعضهما البعض والنظر واللمس لأجسادهم ولكن من دون تلذذ وريبة إلا العورة من كل منهما لا يجوز النظر إليها ولا لمسها سواء كان بتلذذ وريبة أم لا إلا مع الضرورة من أجل الفحص وتشخيص المرض10.

علاج المحارم:

يجوز للطبيب أو الطبيبة النظر واللمس إلى محارمهما وعلاجهما بدون تلذذ وريبة أما مع التلذذ والريبة فلا يجوز، هذا في غير النظر واللمس إلى العورة، أما إليها فلا يجوز النظر سواء كان هناك تلذذ وريبة أم لا إلا مع الضرورة وعدم وجود المماثل11.

الطبيب والولادة:
إن الولادة هي من أبرز مصاديق الضرورة لإباحة النظر أثناءها ولكن يقتصر فيها على موضع الضرورة فلا يجوز النظر إلى سائر البدن إذا كان المطلوب يحصل بالنظر إلى موضع خاص حتى ولو كان العورة أما اللمس فلا يجوز عند وجود وحصول المطلوب بلبس القفازات بالنسبة للطبيب12.

الممرضات أثناء الولادة:
من الطبيعي أن كل طبيب يحتاج إلى ممرضات ومساعدات أثناء إجراء أي عملية حتى الولادة وهنا لا يجوز للممرضات تعمّد النظر إلى عورة المرأة لغير الضرورة حتى أثناء الوضع13.

قياس الضغط:
قياس ضغط الدم ممكن من وراء الثوب أو مع لبس القفازات بالنسبة إلى غير المماثل وعليه لا ضرورة إلى لمس بدن المريض وبالتالي لا يجوز ذلك، أما مع عدم إمكان الفحص وقياس ضغط الدم من وراء الثوب أو لبس القفازات فيجوز لإقتضاء الضرورة لذلك14.

الأعضاء المنفصلة:
لا يجوز النظر إلى الأعضاء المنفصلة من الأجنبي والأجنبية سوى الوجه والكفين، حتى الشعر المنفصل لا يجوز النظر إليه على الأحوط وجوباً15، وينظر الطبيب إلى ما اقتضت الضرورة إليه منها.
يجوز النظر إلى الظفر والسن المنفصلين من الأجنبي والأجنبية16.

التشريح:
قد يضطر الطبيب في بعض الحالات وبطلب من القوة الجنائية إلى تشريح الميِّت لمعرفة سبب وفاته أو أثناء تدريس الطب ليطلع على أعضاء الجسم ووظائفه.

تشريح غير المسلم17:
يجوز تشريح الميت غير المسلم إذا توقف على التشريح إنقاذ إنسان أو اكتشاف علمي جديد يحتاج المجتمع إليه كمرض يهدد حياة الناس18.

تشريح الميت المسلم:
لا يجوز تشريح جسد الميت المسلم مع إمكان الاستفادة من جسد غير المسلم ويجوز تشريح المسلم إذا توقف على تشريحه إظهار حق كالتحقيق عن سبب الوفاة19

تشريح الجنين:
يجوز تشريح الجنين المتعلق بغير المسلمين إذا توقف عليه إنقاذ النفس المحترمة أو اكتشاف معلومات طبية يحتاجها المجتمع، ولا يجوز تشريح السقط المسلم مع إمكان الاستفادة من غير المسلمين20.
يجوز تشريح الميت المسلم لإستخراج قطعة البلاتين من جسده لقيمتها وندرتها وذلك إذا لم يسبب هتك حرمة المسلم وإلا فلا يجوز21.

لو أدى التشريح إلى قطع رأس المسلم أو أحد أعضائه وجب دفع الدية22.
لا يجوز تشريح الميت المسلم لنقله من بلدٍ إلى آخر حتى لو توقف النقل على التشريح23.

الترقيع:
مصطلح الترقيع المقصود به زرع الأعضاء بعد استئصالها من الغير وهذا العضو تارة يكون من إنسان أو حيوان، ومن الإنسان تارة يكون من الكافر أو المسلم وأخرى يكون من الحي أو الميت.

من الحيوان:
يجوز زرع عضو الحيوان بعد إنتزاعه لإنسان كالإمعاء وغيرها ويصير طاهراً إذا دخلت إليه الحياة وصار جزءاً من الإنسان.

من الإنسان الحي المسلم:
يجوز التبرع بالأعضاء (كالكلية وغيرها) أو بيعها إذا لم يؤدِّ إلى ضرر على المتبرع وقد يجب ذلك إذا توقف عليه إنقاذ النفس المحترمة24- 25.
يجوز زرع الخصية في بدن الإنسان ليصبح قادراً على الانجاب وتصبح جزءاً من جسده26.
يجوز زرع الشعر إذا كان من إنسان أو حيوان يحل أكله27.

من صاحب الموت الدماغي:
إنتزاع العضو من المريض الذي يعيش حالة الموت الدماغي فيه ثلاث حالات:
أ ـ إذا أدى إنتزاع العضو إلى استعجال موته فلا يجوز أصلاً.
ب ـ إذا لم يؤدِّ إلى استعجال موته وكان بإذنه يجوز انتزاع العضو.
ج ـ إذا لم يؤدِّ إلى استعجال موته ولم يكن بإذنه ولكن توقف عليه إنقاذ نفس محترمة فيجوز28.

من الإنسان الميت:
يجوز الاستفادة من بعض أعضاء جسد الميت المسلم لترقيعها ببدن شخص آخر لإنقاذ حياته أو علاج مرضه إذا لم يوجب ذلك هتك حرمته عرفاً29.
يجوز أن يوصي الإنسان بالتبرع أو بيع بعض أعضائه بعد الموت بشرط عدم ايجاب قطعها منه هتك حرمته عرفاً30.
يجوز الاستفادة من شرايين الميت المسلم إذا أذن هو أو أولياؤه أو توقف انقاذ نفس محترمة عليه 31.
يجوز أخذ القرنية من الميت المسلم إذا أذن قبل موته وإلا يجب الدية بأخذها32.

من الإنسان الكافر حيَّاً أو ميتاً:

يجوز زرع العضو من الكافر بلا إشكال ويصير العضو طاهراً ذا دخلت فيه الحياة وصار جزءاً من الإنسان33.

من الجنين:
لا يجوز أخذ عضو من الجنين إذا أدى ذلك إلى موته أو إلى ضرر معتد به34.

بيع الدم:
يجوز بيع الدم والمصالحة على ثمنه ونقله من مريض إلى آخر35.

ما معنى الضرورة:
كثيراً ما نقرأ في الكتب الفقهية عبارة "الضرورة" كقوله: يجوز النظر واللمس إذا اقتضت الضرورة، ولا إشكال في النظر واللمس إذا كان من موارد الضرورة، ولا فرق في الحكم في موارد الضرورة.

ونرى بأن هذه العبارة موجودة في كثير من الأبواب الفقهية، ولكنها لا تأتي بمعنى واحد في كل الأبواب بل الضرورات تقدَّر بقدرها كماً وكيفاً، فالضرورة في باب النظر واللمس والتعلم أي الاقتصار على مواطن الحاجة ولا يتعدى إلى غيرها مثلاً إذا أراد أن يفحص الطبيب اليد من الزند لا يجوز أن يتعدى في نظره إلى أزيد من ذلك أي الذراع والكتف ولمسه كذلك بل يقتصر على ما ترتفع به الحاجة، وإذا إقتضت الضرورة في التعلم حول أمراض المعدة وكيفية فحصها لا يجوز التعدي إلى النظر ولمس الصدر أو النظر إلى العورة وغير ذلك.

تشخيص الضرورة:
بعد أن عرفنا معنى الضرورة علينا أن نعرف من يعيِّن أويشخِّص هذه الضرورة أي كيف يثبت عندنا أن هذه المسألة ضرورة أم لا؟
هنا بما أن الظروف تختلف من طالب إلى آخر ومن حالة مريض إلى آخر فإن الضرورة ستختلف باختلاف الظروف الطارئة وعلى هذا لا يمكن تحديد ضابطة ثابتة لهذا أرجع الشرع المقدس مسألة تشخيص الضرورة إلى الطالب مع ملاحظة ظروفه36.

*فقه الطبيب , سلسلة الفقه الموضوعي , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- تحرير الوسيلة, ج1, ص535, مسألة 34.
2- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص197, س554.
3- نفس المصدر السابق.
4- تحرير الوسيلة, ج2, ص217, مسألة 18.
5- نفس المصدر, مسألة20.
6- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص79, سؤال212 – 218.
7- نفس المصدر, سؤال 215.
8- نفس المصدر, سؤال 214.
9- نفس المصدر, سؤال 218.
10- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص78, سؤال212.
11- تحرير الوسيلة, ج2, ص217, مسألة 17.
12- أجوبة الإستفتاءات, ج2, سؤال230, ص 84.
13- نفس المصدر السابق.
14- نفس المصدر, ص79, سؤال215.
15- تحرير الوسيلة, ج2, ص218, مسألة 21-22.
16- نفس المصدر السابق.
17- على راي الإمام الخميني قدس سره يجوز تشريح جسد غير المسلم ولا يجوز تشريح جسد المسلم إلا إذا مع توقف حياة مسلم عليه ومع عدم وجود غير المسلم وأما لمجرّد التعلم فلا يجوز تشريح المسلم إلا إذا توقفت حياة المسلم على ذلك ومع عدم إمكان تشريح غيره ايضاً (تحرير الوسيلة, ج2, س561, مسألة 1-2-3).
18- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص73, س193.
19- نفس المصدر, س194-195.
20- نفس المصدر, س196.
21- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص74, س197.
22- تحرير الوسيلة, ج2, ص561, مسألة1.
23- استفتاء رقم 25525.
24- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص76, سؤال204.
25- على رأي الإمام الخميني قدس سره لا يجوز قطع العضو من المسلم إلا إذا توقفت حياة المسلم عليه لا حياة عضوه ومع عدم وجود غيره, ولو وجد غيره لا يجوز حتى لو أذن أو أوصي غايته لو أذن لا يوجد دية أما لو لم يأذن فتجب الدية وليس لألولياء الإذن في ذلك ولو باعوا له العضو بصرف ثمنه في أداء دينه أو صرفه في الخيرات وليس للوارث حق فيه (تحريرالوسيلة, ج2, ص561 – 562 مسألة 5-6-7 )
26- نفس المصدر, ص75, سؤال203.
27- نفس المصدر, ص74, سؤال199.
28- نفس المصدر, ص76, سؤال 205.
29- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص77, سؤال206.
30- نفس المصدر السابق.
31- نفس المصدر, ص75, سؤال201.
32- نفس المصدر,ص75,سؤال 202.
33- تحرير الوسيلة, ج2, ص562, مسألة6.
34- استفتاء رقم 446.
35- تحرير الوسيلة, ج2, ص562.
36- أجوبة الإستفتاءات, ج2, ص82, س224.

13-01-2016 عدد القراءات 410



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا