24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الفقه الموضوعي :: فقه المسجد

مكانة المسجد في الإسلام



التمهيد
يقول عزّ من قائل في كتابه العزيز﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَد1.
انطلاقاً من هذه الآية الكريمة، وغيرها من الآيات القرآنية الآتي ذكرها، والعديد من الروايات عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والعترة الطاهرة عليهم السلام، نلاحظ التأكيد على دور المسجد في حياة المجتمع الإسلامي، وفي بناء الشخصيّة الإسلاميّة، فنعم البيوت المساجد فهي أنوار الله2، ومجالس الأنبياء عليهم السلام3 ، وبيت كلّ مؤمن4. وهي بيوت الله في الأرض، فمن أتاها متطهّراً طهّره الله من ذنوبه، وكُتب من زوّاره، فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء5.

ومن كان المسجد بيته بنى الله له بيتاً في الجنّة6، وإنّ نقل الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة تغسل الخطايا غسلاً7 ، وتزيد من الحسنات8.

فإذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان9 ، لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَن بِاللهِ10. وإذا سئلت عمّن لم يشهد الجماعة فقل لا أعرفه11. وإنَّ بين الكفر والإيمان ترك الصلاة12.

وقد جعل الله سبحانه الجماعة في الصلاة لكي يُعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، ومن يحافظ على مواقيت الصلاة ممّن يضيّعها، ولولا ذلك لم يمكن لأحد أن يشهد على أحد بصلاح أو خير، لأنّ من لم يصلّ في جماعة فلا صلاة له بين المسلمين فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صلاة لمن لم يصلّ في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة"13.

فالاختلاف إلى المساجد رحمة، والاجتناب عنها خسارة، والغفلة كلّ الغفلة من ترك المسجد، ولا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيّعهنّ تجرّأ عليه وأوقعه في العظائم14.

فتعاهدوا أمر المساجد، وحافظوا عليها، فليس عمل أحبّ إلى الله من الصلاة، فلا يشغلنّكم عن أوقاتها شيء من أمور الدني، فإنّ الله عزّ وجلّ ذمّ أقواماً فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُون15 أي غافلون قد استهانوا في أوقاتها16.

قالت عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدّثنا ونحدّثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه"17.

وإنّ أحبّ الخلائق إلى الله عزّ وجلّ الشاب حدث السنّ في صورة حسنة، جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته، وذلك الّذي يباهي به الرحمن ملائكته18. والشابّ المتعبّد هو من السبعة الذين ذكرهم الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه... وشابّ نشأ في عبادة الله19. وإنّ أهل الجنّة شباب كلّهم20 ، وإنّ أصحاب الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف شباب21 أيضاً.

من هنا كانت المساجد تدعو الشباب إليها، فَهُم باكورة الحياة، وصدى العيش، وسنام المجد، ومصدر الحركة والعمل، لم تلوّث قلوبهم حبائلُ الشياطين، ولم تفتنهمُ الدنيا بغرورها، ولم تُعمِ أبصارهم بزخارفها. وشيئان لا يعرف قدرهما إلّا من بعد فقدهما: الشباب والعافية22.

المسجد والجامع
المسجد بحسب اللغة العربيّة هو الموضع الّذي يُسجد فيه، وكلّ موضع يُتعبّد فيه مسجد... وقيل إنّ المسجِد - بكسر الجيم - اسم لموضع العبادة سجد فيه أم لم يسجد23.

وفي كتاب "تهذيب اللغة": المسجَد - بفتح الجيم - محراب - وبالكسر - مصلّى الجماعات، وجمعها المساجد24. ولا يُسمّى المسجد مُسيجداً.25
وأمّا الجامع فهو الّذي تجمع فيه الجمعة في كلّ مصر26. والمسجد الجامع نعت له، لأنّه يجمع أهله27. ولأنّه علامة الاجتماع.
وأمّا المسجد بحسب الاصطلاح الشرعيّ، فهو المكان الموقوف على كافّة المسلمين للصلاة. فلو خصّ بعضاً منهم لم يكن مسجداً.28

المسجد في القرآن

حينما يتوجّه الإنسان بوجهه إلى القبلة لأداء الصلاة فإنّه يلبّي قول الله جلّ وعلا: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن ربِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ29.

يتوجّه الإنسان بوجهه خمس مرّات لجهة المسجد الحرام، الّذي هو القبلة الموحّدة لكلّ المسلمين على مختلف مذاهبهم، ولعلّ في هذا التوجيه والتوحيد دلالة كبيرة على عظم الأهميّة الّتي يُريد الله تعالى أن يزرعها في قلب كلّ مسلم للمسجد، يقول تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ30.

ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون31.
وقد ذكر تفاسير عدّة لهذه الآية الكريمة نذكر منها: أنّ المراد هو المشاركة في المساجد أثناء الصلوات اليوميّة، وما ذلك إلّا لأهمّيّة المسجد في الإسلام وما له من التأثير البالغ في بناء شخصيّة الإنسان المؤمن، حيث يُشكّل المسجد مكاناً تتوجّه فيه القلوب نحو الله الواحد وتدعوه مخلصةً له الدِّين.

ولقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَد32، ليكون الحضور والعبادة والتوجّه في المسجد خالصاً لوجه الله دون أيّ شائبة، لأنّ المساجد ملك لله الّتي لا يصحّ إشراك غيره فيها.

وبالمقابل أطلق القرآن الكريم على من يمنع من بناء وعمارة المساجد ويعمل على خرابها بأنّه أظلم الناس، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم33. وأيّ ظلم أكبر من هذا الأمر حيث يصدّ الناس عن الالتجاء والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

لذلك يجب أن يكون المسجد مكاناً للوحدة لا للفرقة، ومركزاً للعبادة الخالصة لله ويكون بنيانه من الأساس على التقوى،قال سبحانه وتعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ34.

لا أن يكون كمسجد ضرار الّذي أسّسه المنافقون لبثّ الفتنة وشرذمة المسلمين،يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ35.
فهذه الآيات تدلّ بطيّاتها على مكانة المسجد العظيمة عند الله تعالى.

المسجد في الروايات
وما أكثر ما ورد من الروايات الشريفة بشأن المساجد وآدابها، إلّا أنّنا سننتقي بعض الروايات الّتي تُدلّل على مكانة المسجد على أن نترك الروايات الشريفة الأخرى لحين الحديث عن آداب المساجد.

وقد بيّنت الروايات الشريفة أهميّة المسجد من خلال أمور:
1- أهمّية بناء المسجد

إنّ بناء المسجد هو العمل الأوّل الّذي فعله الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلمحين هاجر من مكّة المكرّمة للمدينة المنوّرة، وما كان هذا إلّا لتبيان المكانة الّتي يحتلّها المسجد في حياة المسلمين، ومن الروايات الّتي حثّت على عمران المساجد ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: "نّ الله إذا أراد أن يُصيب أهل الأرض بعذاب، قال: لولا الّذين يتحابّون فيَّ، ويعمرون مساجدي، ويستغفرون بالأسحار، لولاهم لأنزلت عذابي"36.

وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام: "من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنّة"37.
وعن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن بنى مسجداً في الدنيا بنى الله له بكلّ شبر منه أو بكلّ ذراع مسيرة أربعين ألف عام مدينة من ذهبٍ وفضّةٍ ودرّ وياقوت وزمرّد وزبرجد، في كلّ مدينة أربعون ألف ألف قصر، في كلّ قصر أربعون ألف ألف دار، في كلّ دار أربعون ألف ألف بيت، في كلّ بيت أربعون ألف ألف سرير، على كلّ سرير زوجة من الحور العين، ولكلّ زوجة ألف ألف وصيف وأربعون ألف ألف وصيفة، في كلّ بيت أربعون ألف ألف مائدة، على كلّ مائدة أربعون ألف ألف قصعة، في كلّ قصعة أربعون ألف ألف لون من الطعام، ويُعطي الله وليّه من القوّة ما يأتي على تلك الأزواج وعلى ذلك الطعام وعلى ذلك الشراب في يوم واحد"38.

2-التعلّق بالمسجد

لقد نسج الإسلام بين الإنسان والمسجد رابطة من أجمل ما يُمكن أن ينشأ بين الإنسان والموجودات، وليس ذلك إلّا تأكيداً منه سبحانه على أهمّيّة المسجد وما يحتلّه من المكانة العظيمة عند الله حتّى أنّ الله عزّ وجلّ يُظلّه بظلّه يوم القيامة، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال:"سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ، ورجل قلبه متعلّق بالمسجد إذا خرج منه حتّى يعود إليه، ورجلان كانا في طاعة الله عزّ وجلّ فاجتمعا على ذلك وتفرّقا، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما يتصدّق بيمينه"39.

3- أوتاد المسجد
بعد أن يتعلّق الإنسان بالمسجد ويُصبح قلبه شغوفاً به ما تلبث أن تتطوّر هذه العلاقة فيتحوّل الإنسان إلى وتد من أوتاد المسجد
تفتقده الملائكة إذا غاب وتسأل عنه وتزوره في مرضه وتكون عونه عند الشدّة بعد أن أصبح جزءاً لا يتجزّأ منه، وكلّ هذا من بركات المساجد، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إنّ للمساجد أوتاداً الملائكة جلساؤهم، إذا غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم"40.

4- أفضل الأماكن وأفضل الناس
لا شكّ أنّ بقاع الأرض متفاوتة من حيث الأجر والتقرّب إلى الله تعالى، ومن حيث الأهمّيّة، فبعضها محبوب أكثر إلى الله تعالى من بعض، وبعضها يُستجاب فيه الدعاء أكثر من بعض آخر، ومن هنا كان للمسجد حظّ من ناحية المحبوبيّة لله تعالى أكثر من غيره من البقاع.

وكما أنّ هناك أماكن محبوبة لله كذلك هناك أناسٌ محبوبون عند الله، وهم الّذين يرتادون المساجد ويكونون أوّل الداخلين إليها وآخر الخارجين منها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبرائيل عليه السلام: "يا جبرائيل أيّ البقاع أحبّ إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: المساجد، وأحبّ أهلها إلى الله أوّلهم دخولاً وآخرهم خروجاً منه"41 .

5- أهمّيّة زيارة المسجد
والمقصود من الزيارة الصلاة فيها لا مجرّد الدخول إليها وحسب، ومن الروايات الّتي دلّلت على أهمّيّة زيارة المسجد وفضل المصلّين فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "- في التوراة مكتوب - إنّ بيوتي في الأرض المساجد فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثمّ زارني في بيتي، ألا وإنّ على المزور كرامة الزائر ألا بشّر المشّائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة"42.

ونقل الفضل بن عبد الملك عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "يا فضل لا يأتي المسجد من كلّ قبيلة إلّا وافدها، ومن كلّ أهل بيت إلّا نجيبها، يا فضل لا يرجع صاحب المسجد بأقلّ من إحدى ثلاث خصال: إمّا دعاء يدعو به يُدخله الله به الجنّة، وإمّا دعاء يدعو فيصرف الله عنه به بلاء الدنيا، وإمّا أخ يستفيده في الله"43.

6- فائدة الاختلاف إلى المسجد
نجد في كلام أهل البيت عليهم السلام فوائد كثيرة للمسجد ليس فقط حول زيارته بل حتّى في المشي إليه والتردّد عليه، فقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "من مشى إلى المسجد لم يضع رجلاً على رطبٍ ولا يابسٍٍ إلّا سبّحت له الأرض إلى الأرضين السابعة"44.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخاً مستفاداً في الله، أو علماً مستطرفاً، أو آيةً محكمةً، أو يسمع كلمة تدلّ على هدى، أو رحمةً منتظرة، أو كلمةً تردّه عن ردي، أو يترك ذنباً خشيةً أو حياء"45.

7- شكاية المسجد

إنّ إحياء المساجد عبر الحضور فيها بشكل دائم ومستمرّ من الأمور المطلوبة الّتي حثّت عليها الشريعة الإسلاميّة وأكّدت عليها، حتّى أنّ المسجد يشتكي لله يوم القيامة من هجران الناس له وبعدهم عنه وعدم شعورهم بأهمّيّته في حفظ الإسلام والمسلمين.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يجيئُ يوم القيامة ثلاثة: المصحف والمسجد والعترة، يقول المصحف: حرقوني ومزّقوني، ويقول المسجد: خرّبوني وعطّلوني وضيّعوني ويقول العترة: يا ربّ قتلونا وطردونا وشرّدون"46.

8- الصلاة في مساجد أهل السنّة
المساجد كلّها بيوت لله حيثما وجدت ولأيّ مذهب كانت طالما أنّه يُذكر اسم الله فيها وتُقام الصلوات خالصة لوجه الله الواحد القهّار دون سواه، فهي بقعة مقدّسة من بقاع الله الطاهرة، وقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام: "000 ما من مسجد بُني إلّا على قبر نبيّ أو وصيّ نبيّ قتل فأصاب تلك البقعة رشّة من دمه فأحبّ الله أن يُذكر فيها فأدِّ فيها الفريضة والنوافل واقضِ فيها ما فاتك"47.

المسجد وصيّة العلماء
لطالما كان المسجد في وصايا علمائنا الأعلام، وقد بالغوا في الحثّ على تفعيل دور المسجد لما في ذلك من آثار على روحيّة الإنسان المؤمن وما في ذلك من تأسيس البنيان الإيمانيّ على أعمدة قويّة.

1- المسجد في كلام الإمام الخمينيّ العظيم قدس سره
وسنذكر ما أشار له مفجّر الثورة الإسلاميّة الإمام آية الله العظمى روح الله الموسويّ الخمينيّ قدس سره من كلمات خالدة في هذا المجال: "لا تهجروا المساجد فإنّ ذلك هو تكليفكم".

إلى هذه الدرجة من الأهمّيّة أن يكون الحفاظ على الحضور في المسجد تكليف المؤمنين ولا يوجد أبين في الدلالة على أهمّيّة الأمر من هذه الكلمة الموجزة.

وفي تعليقه قدس سره الشريف على رواية الإمام الصادق عليه السلام، والّتي فصّل فيها آداب المسجد يقول قدس سره: "وحيث إنّ هذا الكلام الشريف دستور جامع لأصحاب المعرفة وأرباب السلوك إلى الله نقلته بتمامه فلعلّه يحصل حال من التدبير فيه، ومحصّل قوله عليه السلام أنّه إذا وصلت إلى باب المسجد فانتبه إلى أيّ باب وصلت؟ وأيّ جناب قصدت؟ فاعلم أنّك وصلت إلى جناب السلطان العظيم الشأن الّذي لا يضع أحد قدمه على بساط قويّة إلّا إذا طهر وتطهّر من جميع أرجاس عالم الطبيعة والأرجاس الشيطانيّة، ولا يصدر الإذن لمجالسته إلّا للّذين يُقدمون عليه بالصدق والصفاء والخلوص من جميع أنواع الشرك الظاهر والباطن، فاجعل عظمة الموقف والهيبة والعزّة والجلال الإلهيّ نصب عينيك، ثمّ ضع قدمك إلى جناب القدس وبساط الأنس، فإنّك واقع في مخاطرة عظيمة... فإنّك وردت إلى جناب القادر المطلق، يُجري ما يشاء في مملكته، فإمّا أن يُعاملك بالعدالة ويُناقش في الحساب فيُطالب بالصدق والإخلاص، وتُحجب عن الجناب وتُردّ طاعتك وإن كثرت، وإمّا أن يعطف إليك طرفه ويَقبل بفضله ورحمته طاعاتك الّتي هي لا شيء ولا قيمة لها، ويُعطيك ثوابه العظيم.

فإذا عرفت الآن عظمة الموقف فاعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك، وإذا توجّهت إلى عبادته وقصدت المؤانسة معه ففرّغ قلبك عن الاشتغال بالغير الّذي يحجبك عن جمال الجميل، وهذا الاشتغال بالغير قذارة وشرك، ولا يقبل الحقّ تعالى إلّا القلب الطاهر الخالص. وإذا وجدت في نفسك حلاوة مناجاة الحقّ، وذُقت حلاوة ذكر الله، وشربت من كأس رحمته وكراماته، ورأيت حسّ إقباله وإجابته في نفسك، فاعلم أنّك صرت لائقاً لخدمته المقدّسة، فادخل فإنّك مأذون ومأمون. وإذا ما وجدت في نفسك هذه الحالات فقف بباب رحمته كالمضطرّ الّذي انقطعت عنه جميع العلاجات، وبَعُد عن الآمال، وقرُب إلى أجله، فإذا عرضتَ ذلّتك ومسكنتك والتجأت إلى بابه ورأى سبحانه منك الصدق والصفاء، فينظر إليك بعين الرحمة والرأفة، ويؤيّدك ويوفّقك لتحصيل رضاه، فإنّه الذات المقدّسة، وإنّه الكريم ويحبّ الكرامة لعباده المضطرّين كما يقول تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ48"49.

بهذا التوجيه الأخلاقيّ الجميل حبّب الإمام الخمينيّ قدس سره أهل الإيمان بالمساجد، وعرّفهم على الآداب المعنويّة للدخول إلى المسجد، وما وراء الآداب الظاهريّة له، فما أحرى بنا أن نتّجه بقلوبنا لتلبية نداء الله تعالى والحضور إليه في بيته.

وفي جانب آخر يُلفت الإمام الخمينيّ قدس سره الأنظار إلى خطورة الابتعاد عن المسجد، وخُطط أعداء الأمّة لإبعادنا عنه قائلاً: "المسجد هو خندق إسلاميّ، والمحراب هو محلّ الحرب، إنّهم يُريدون أن يأخذوا هذا منكم، بل إنّ ذلك مقدّمة، وإلّا فاذهبوا وصلّوا ما شئتم، إنّهم تضرّروا من المسجد (خلال هاتين السنتين أو الثلاث الأخيرة) إذ أصبح المسجد مكاناً لتجمّع الناس، وتثوير الجماهير للانتفاضة ضدّ الظلم، إنّهم يُريدون أخذ هذا الخندق منكم"50.

2- المسجد في كلام وليّ أمر المسلمين دام ظله
وكذلك الإمام السيد علي الخامنئيّ دام ظله أكّد في كثير من كلماته وتوجيهاته على ضرورة الحضور في المساجد والحفاظ على الجماعات فيها، فمن توجيهاته حفظه الله: "يجب‎‎ أن تكون المساجد عامـرةً، ويجـب أن‎ تقام‎ فيهـا الصلاة‎‎ جمـاعـة وقـت‎ أداء الفريضة‎، كما يجـب‎ أن‎‎ يـسمـع‎ صـوت‎ الأذان والإقامة"51.

وفي خطاب آخر يقول: "على أبناء الشعب لاسيّما الشباب أن يعرفوا قدر قلوبهم النقيّة، وأن يزيدوا من هذه النقاوة عبر إقامة الصلاة في أوّل وقتها على مدار السنة، والحضور في المساجد وتلاوة القرآن الكريم والأنس مع القرآن"52

خاتمة
من خلال كلّ ما تقدّم، نستطيع أن نقول بأنّ موقع المسجد ومكانته في الإسلام بشكل عامّ وفي القرآن والروايات الشريفة وكلمات أهل الفضل يُبيّن مكانته الّتي لا يُمكن أن تُختصر في صفحات، بل إنّ من غير الممكن أن يُدرك الواحد منّا كلّ الأسرار الّتي من وراءها جاء هذا الكمّ الهائل من التحفيز، على أنّ ما ذُكر في الصفحات السابقة هو الشيء القليل، وما تُرك من الروايات الّتي أبرزت هذا الفضل كثير، وما سيأتي في باب آداب المسجد يصبّ في نفس الخانة أيضاً.

*فقه المسجد ، سلسلة الفقه الموضوعي ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- سورة الجنّ، الآية: 18.
2- انظر مستدرك الوسائل، المحدّث النوريّ، ج 3، ص 448، ح 20.
3- م. ن، ج 3، ص 363، ضمن الحديث 18.
4- كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج 7، ص 650، ح 20736.
5- أمالي الصدوق، ص293، ح 8.
6- ثواب الأعمال، ص 27، النهاية للطوسي، ص 108.
7- دعائم الإسلام، ج 1، ص 154.
8- انظر: بحار الأنوار، ج 88، ص 7، ضمن الحديث 9.
9- غوالي اللئالي، ج 2، ص 32، ح 79.
10- سورة التوبة، الآية: 18.
11- الألفيّة، والنفليّة، الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي، ص 139.
12- سنن الترمذي، ج 4، ص 125.
13- علل الشرائع، ج1، ص 325 .
14- ربيع الأبرار، ج 2، ص 97.
15-سورة الماعون، الآية: 5.
16- الخصال للصدوق، ص 621.
17- ربيع الأبرار، ج 2، ص 93، المستطرف، ج 1، ص 18.
18- كنز العمّال، ج 15، ص 785، ح 43103.
19- انظر بحار الأنوار، ج 84، ص 2. والخصال، ص 343، ضمن الحديث 2.
20- المناقب، ج 3، ص 398.
21- غيبة الطوسي، ص 284، ح 18.
22- شرح غرر الحكم، ج 4، ص 183.
23-أقرب الموارد، ج 1، ص 495.
24-تهذيب اللغة، ج 10، ص 570.
25-الجعفريّات، ص 241، نوادر الرواندي، ص 41.
26-انظر مجمع البحرين، ج 4، ص 314.
27-كتاب العين، ج 1، ص 240.
28- جواهر الكلام، الجواهريّ، ج 14، ص 69.
29-سورة البقرة، الآية: 144.
30- سورة النور، الآية: 36.
31- سورة الأعراف، الآية: 29.
32- سورة الجنّ، الآية: 18.
33-سورة البقرة، الآية: 114.
34-سورة التوبة، الآية: 108.
35-سورة التوبة، الآية: 107.
36- وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج 5، ص 204.
37- م. ن. ج 5، ص 203.
38-بحار الأنوار، المجلسيّ، ج 8 ص 193.
39- وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج5،ص199.
40- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج8، ص373.
41- الكافي، الكلينيّ، ج3، ص489.
42- وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج 1 ص 382.
43- م.ن. ج 5، ص 193 و194.
44- م.ن، ج5، ص200.
45- وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج5، ص197.
46- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج24، ص187.
47- الكافي، الكلينيّ، ج3، ص 371.
48- سورة النمل، الآية: 62.
49- الآداب المعنوية للصلاة، الإمام الخمينيّ قدس سره، الباب الثالث، الآداب القلبيّة لمكان المصلّي، الفصل الأوّل.
50- منهجيّة الثورة الإسلاميّة، ص 279.
51- من خطاب له في المشـاركيـن‎ فـي‎ المؤتمر السابع‎ عشر للصلاة 2008/11/1.
52-من خطاب له بتاريخ 2/09/2009.

13-01-2016 عدد القراءات 687



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا