24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الفقه الموضوعي :: أحكام المدير والعامل

العمل لله تعالى



من وصية أمير المؤمنين عليه السلام ولولديه الحسن والحسين عليهما السلام: "أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكم، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكم، وقولا بالحق وعملا بالأجر"1.

الناس بشكل عام يتعبون في هذه الدنيا ويبذلون الجهد ويقدمون والتضحيات الكبيرة والعظيمة لتحقيق أهدافهم، لا فرق في ذلك بين مؤمن وغيره..

ولكن الفارق بين العامل المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يريد من خلال عمله كسب رضا الله تبارك وتعالى، ويتوقع نتائج عمله في الآخرة، عرف أنه سيترك الدنيا فلم يعمل لها ولم تستحوذ على أوقاته وجهوده، عمّر آخرته لأنها دار المقر، ولم تكن الدنيا أكبر همه لأنها دار ممر، وهذا ينعكس على طبيعة سلوكه، فعن الإمام علي عليه السلام: "إعمل عمل من يعلم أن الله مجازيه بإسائته إحسانه"2.

وأما غيره فقد استحوذت الدنيا على عقله وشغلت قلبه حتى عمي عن غيرها وسيصاب بالحسرة عندما يرى روحه ترتفع تاركا الدنيا وما عمّره فيها خلف ظهره، مقبلا على حياة لم يعمرّها بالأعمال، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ3.

كيف يكون العمل لله؟
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف"4.
فعمل الإنسان المؤمن لا يكون إلا الله سبحانه وتعالى طلبا لرضاه وتهيئة للحساب، وهذا ينعكس على سلوكه وتوقعاته وما ينتظره من خلال عمله:

1- فالذي يعمل لله تعالى لا ينظر إلا إلى رضاه وتسقط كل الغايات الأخرى أمام تحصيل ورضاه تعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ...5
ويكون همه الأساسي أن الله تعالى كيف سيرى عمله هذا وهل سيكون مقبولا ومرضيا في ساحته تعالى؟ ﴿فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ...

2_ والذي يعمل لله تعالى لا يكون منصبا على الدنيا ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا6 فلا يتأثر عمله وفعاليته سواء شكره الناس أم بخسوا بحقه.

3_ والذي يعمل لله تعالى تجده متحمسا ومسرعا ومبادرا للعمل ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ7.

4-الذي يعمل لله تعالى لا يمن على عباده بالعمل، بل يجد أن عمله هذا هو منّة من الله عليه ورحمة ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ8.

فإن الطاعة لن تفيد الله تعالى والمعصية لن تضره "لم تخلق الخلق لوحشة، ولا استعملتهم لمنفعة، ولا يسبقك من طلبت، ولا يفلتك من خذت، ولا ينقص سلطانك من عصاك، ولا يزيد في ملكك من أطاعك، ولا يرد أمرك من سخط قضاءك"9.

5- الذي يعمل لله تعالى يحاول أن يسبق غيره للحصول على الثواب ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم10، ويخاف أن يستبدله الله بغيره "إن للخير والشر أهلا فمهما تركتموه منها كفاكموه وأهله"11راقب هذه الأمور كلها في نفسك وحاول أن تلتزم بها حتى تكون معدودا في حزب الله تعالى حقا وخاصته، فإن حزبه هم الذين راقبوا الله تعالى وكان همهم في الدنيا طاعته ورضاه ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون12.

هل الغاية تبرر الوسيلة؟
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ13.
إن الإسلام لم يحدد للإنسان المسلم أهدافه التي عليه تحقيقها ويتركه يتبع الأسلوب الذي يرتيئه لتحقيق هذا الهدف، بل تدخل في أسلوب تحقيق الأهداف أيض، من هنا كانت حياة المؤمن كلها لله تعالى، بما فيها من أهداف ووسائل وطرق...

وهذه الميزة التي تحدث عنها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة، ولكل غدار لواء يعرف به يوم القيامة"14.

فالمؤمن كما يكون هدفه لله تعالى فكذلك عمله ووسيلة الوصول لهدفه لا يمكن أن تكون إلا لله تعالى لا يطاع من حيث يعصي.
وهذا ما أصر عليه أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟ لا والله لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم...

لذلك لا بد للعامل أن يتعرف على طريقة طاعة الله تعالى في عمله والحدود والأحكام الشرعية لهذا العمل.
والتي سنتعرض لها ضمن المحاور الآتية إن شاء الله تعالى، والتي تتضمن الالتزام بالنظام والقوانين، والدوام والفعالية أثناءه، والعلاقات الإنسانية، وأحكام التجهيزات، وأحكام الأموال.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العاملين في سبيله الموفقين إلى مرضاته.

ضرورة التنظيم
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم"15.
فلاحظ كيف أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكتف بوصية أولاده وأهله بل اعبرها وصية لكل من بلغه هذا الكتاب، وهذا يعني أن التقوى ونظم الأمر، هي أمور مطلوبة من الإنسان في كل زمان وفي أي موقع كان، فالنظم غير مختص بفئة معينة أو بطبقة خاصة، بل هو لكل مؤمن ملتزم بنهج أمير المؤمنين عليه السلام، بل نجد أمير المؤمنين عليه السلام يشير إلى عظمة وأهمية النظم عندما يجعله من أهداف القرآن العظيم، حيث يقول عليه السلام وصفه للقرآن الكريم: " ألا إن فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم"16.

والنظام ليس مجرد كلمة تقال، بل النظام هو منهج عملي يلزم عنه عدة أمور عملية لا يتحقق النظام دونه، ومن هذه الأمور:
1 - الالتزام بالقوانين
لكل عمل منظم قرارات وقوانين خاصة يجب احترامها والالتزام بها من قبل العاملين، لأن هذه القوانين هي التي تضمن التنسيق والتكامل ومن خلالها يتم تفعيل الطاقات واستثمارها بالشكل الصحيح، ويقول الإمام الخامنئي حفظه الله متحدثا عن الالتزام بالنظام في الحكومة الإسلامية:"من الأمور الواجب اتباعها الحفاظ على النظم والقوانين الصادرة فمراعاة القوانين والأوامر ليست ظلم، بل إن لهذه الطاعة قيمة سامية "17.

2- العمل ضمن الصلاحية:
إن من لوازم التنظيم تقسيم الأعمال والمهام واعطاء صلاحيات لكل حسب حسب المهام المطلوبة منه، فالتنظيم يعني تقسيم الأعمال وتقسيم الأعمال يعني تحديد الصلاحيات، فلذلك يجب مراعاة الصلاحية بشكل كامل، لتحصل الترجمة العملية للتنظيم.

والعمل بغير صلاحية وإن كان هدفه صحيحا لكن وسيلته غير صحيحة وهو أشبه بالذي يسرق وليتصدق ! من هنا لا بد للعامل أن يتعرف على صلاحياته ويقف عندها ولا يتعداها. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "هلك من ادعى وخاب من افترى... وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره"18.

3- طاعة الأوامر العليا:
ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "اسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله لأمر فإنه نظام الإسلام" فالنظام الذي يكفل الترابط والتوحد والقوة كل ذلك يمثله طاعة الولي. وهي من جهة ثانية تحقق النصر والعزة والفلاح، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون.

أحكام
- في النظام الإسلامي والمؤسسات الإسلامية يجب العمل على طبق القوانين والمقرارات ولا يجوز المخالفة.

استفتاءات
س- استشهد والدي وصارت العائلة على عهدتي لأنني الكبير فيها. وبدأت العمل في الحرس وأنا أظن أنني أستطيع أن أؤّمن لقمة عيش العائلة، ولكن العمل في الحرس لم يبق لي وقتا لذلك، يوجد لي أخ أصغر مني ولكنه غير مهتم بتأمين لقمة عيش العائلة، وكنت قد تعهدت عند دخولي الحرس أن أعمل لمدة خمس سنوات ولكني الآن وبعد أربعة أشهر من الخدمة قررت ترك الحرس للعمل على تأمين لقمة عيش العائلة فما رأيكم في ذلك؟
ج: يجب العمل على طبق مقررات الحرس.19

س- أنا أعمل في وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية وفي مؤسسة جهاد البناء، ومحتاج لأخذ الراتب من كلا المؤسستين، ومع ملاحظة أن الدولة منعت أخذ الراتب من مؤسستين تابعتين للدولة مع، فما فتواكم في هذا الخصوص؟
ج: "الحاجة" ليست هي الميزان، بل الموضوع يتبع المقررات فإذا كان مخالفا للمقررات فهو غير جائز20.

* احكام المدير والعامل، سلسلة الفقه الموضوعي ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- نهج البلاغة رسالة 47
2- ميزان الحكمة الحديث 14361
3- شورى: 20
4- نهج البلاغة الحكمة 41
5- الإنسان: من الآية 9
6- الإنسان: من الآية 9.
7- آل عمران: 133.
8- الحجرات:17
9- لا ينفلت منك، نهج البلاغة الخطبة 109
10- الحديد: 21
11- نهج البلاغة الحكمة 414
12- المجادلة من الآية 22
13- الأنعام: 162
14- نهج البلاغة خطبة 191
15- نهج البلاغة
16- نهج البلاغة خطبة 158
17- حديث ولايت ج 58222
18- نهج البلاغة الخطبة 16
19- استفتاءات ج 3 صفحة 484 مسألة 2
20- استفتاءات ج 3 صفحة 533 مسألة 151

13-01-2016 عدد القراءات 318



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا