18 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 29 صفر 1439هـ
En FR

الفقه الموضوعي :: أحكام المدير والعامل

المال



﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ1، إن هذه الآية الكريمة على صغرها تختصر الطريق القويم في الموضوع المالي، هذا الطريق الذي يتشكل من عنصرين أساسين:

الأول: الأمانة وعدم الخيانة، والتي عبرت عنها كلمة (حفيظ).
والثاني: معرفة حدود الصرف وموارده وأولوياته... وهذا ما برت عنه كلمة (عليم).

خطورة المال
لقد ذكر الله تعالى المال في القرآن الكريم واعتبره من زينة الحياة الدنيا ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... 2.
وهذا انذار لنا. فمن كان في قلبه شيء من حب الدنيا فإن المال سيكون فتنة وامتحانا له يستدرجه لارتكاب المعاصي في كل يوم وفي كل لحظة تقع الأموال فيها بين يديه.

من هنا فمن يتحمل مسؤولية المال يجب أن يكون من أبناء الآخرة الذين عرفوا القسم من الآية الكريمة السابقة ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا3وإلا فإنه سيكون فريسة سهلة للشيطان الرجيم والنفس الأمارة بالسوء.

ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن الشيطان يدير ابن آدم في كل شيء فإذا أعياه جثم له عن المال فأخذ برقبته"4.

يجب أن تستحضر على الدوام تلك الكلمات التي كان يرددها أمير المؤمنين عليه السلام للذهب والفضة: "يا صفراء ويا بيضاء لا تغريني، غري غيري... يا دنيا لا تتعرضين لي ولا تتشوقين إلي ولا تغريني، فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي عليك"5.

حدود الصرف
إن لصرف الأموال حدودا ذكرها الإمام الصادق عليه السلام في رواية مختصرة حيث يقول عليه السلام: "يقول إبليس لعنه الله: ما أعياني في ابن آدم فلن تعييني منه واحدة من ثلاث: أخذ مال من غير حله، أو منعه من حقه أو وضعه في غير وجهه"6.

فهذه الرواية المباركة يستفاد منها ثلاثة أمور أساسية في موضوع المال في العمل والإدارات هي مايلي:
1- صلاحية التصرف في المال والصرف: فإن صرف المال من غير صلاحية هو شبيه بأخذ المال من غير حله، كالذي توضع عنده الأموال ليحفظها كأمانة من دون حق له بالتصرف فيها فوضع، الأموال كأمانة يختلف عن التسلط عليه، ففي البداية لا بد من تحديد أن هذه الأموال هل هو مسلط عليها؟ وهل التصرف بها من صلاحيته أم هو خارج الصلاحية وهذا بالتأكيد يحدد حلية التصرف أو حرمته.

2- ضرورة الصرف وتلبية الحاجات: إذا كان مسلطا على صرفها والتصرف بها ضمن دوره الإداري، فلا بد من الصرف في الموارد اللازمة لأن الأموال لم توضع بين يديه إلا لتلبية الحاجات وسد الفراغات المقررة، فعدم الصرف مع استحقاقه هو نوع من البخل المضر، ويدخل في الخيانة وعدم أداء الأمانة لأصحابه، وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام في الرواية بقوله "منعه من حقه" ويشير إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام حيث روي عنه عليه السلام: "كن سمحا لا تكن مبذرا وكن مقدرا ولا تكن مقترا"7.

3- الصرف في الجهات المقررة فقط: يجب الصرف في خصوص المساحات التي رصدت لها هذه الأموال، وأي صرف خارج الجهة المرصودة ودون إجازة هو نوع من الخيانة أيضا وهو مصداق للرواية "وضعه في غير وجهه".

التوازن وحفظ الأولويات
إن الموارد في هذه الدنيا محدودة بشكل عام الحاجات وموارد الصرف كثيرة وغير متناهية لذلك لا بد من مراعاة الأولويات في الصرف وعدم ترك الأهم والصرف على الأقل أهمية، كما لا بد من التوازن والعدل في الصرف بين الأمور المهمة، وهذان أمران لا بد من رعايتهما.

وقد ورد أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "والله، لقد رأيت عقيل، وقد أملق حتى استماحني من بركم صاع، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكد، وكرر علي القول مردد، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع فياده ومفارقا طريقتي فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمه، وكاد أن يحترق من ميسمه، فقلت له: ثكلتك الثواكل، يا عقيل ! أتئن من حديدة أحماها أنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟"8.

فعقيل بحسب الرواية لم يكن غنيا ولا مسرفا بل كان محتاجا هو وعياله، ولكن الإمام عليه السلام حافظ على التوازن في الصرف فصحيح أن عقيلا محتاج ولكن غيره أيضا محتاج فينبغي التوزيع على جميع موارد الصرف المقررة بشكل متوازن، دون أن يدخل المزاج والأمور الشخصية في الترجيح.

أحكام
كل تصرف بالنقود لجهة تبديلها أو صرفها أو الاستفادة منها تابع للمقررات.
لا يحق للعامل أن يأخذ المال مقابل ما يصرفه في العمل من تلفون أو بنزين خاص به بدون إجازة المسؤولين.

استفاءات
س- هناك مبلغ من المال ترسله بعض المؤسسات... وتم تكليف شخص لإيصال هذه النقود، وهذا الشخص قام بتبديل المال إلى العملة الصعبة فحصلت فائدة على المال نتيجة هذا التبديل، فهل يستطيع هذا الشخص أخذ ثلث المنفعة لشخصه وإعطاء وإضافة ثلثيها على أصل المال؟
ج:
لتبديل النقود يحتاج لإجازة صاحب النقود، والفائدة التي تحصل هي ملك لصاحب المال ويجب صرفه في نفس المكان الذي عينه صاحبه، والشخص الواسطة لا يستطيع التصرف فيه بدون رضا المالك9.

س- ما حكم من استفاد من أموال الدولة لمنفعته الشخصية أو لغيرها على خلاف المقررات والقوانين؟
ج:
الاستفادة من أموال الدولة على خلاف المقررات موجب للضمان ويجب دفع العوض إلى نفس الصندوق الذي أخذ منه10.

س- أنا أعمل في مخزن سوق همدان، وأستلم مبلغا من الإدارة كل مدة لصرفه في المخزن وبقية الأمور الإدارية، ويبقى المال معي كأمانة إلى وقت الجردة السنوية، فإذا صرفت هذه النقود أو استفدت منها بالشراء و البيع، فما هو الحكم؟
ج:
التصرف والاستفادة من النقود وسائر ممتلكات الدولة تابع لمقررات الدولة.

س- شخص يستعمل أمواله الشخصية كالتلفون والبنزين لإعمال الدولة، فهل يحق له أخذ عين أو قيمة ذلك من أموال الدولة؟
ج:
لا يحق له ذلك بدون إجازة المسؤولين.

س- هناك شركة خاصة تقوم بالوكالة عن الشركات الأجنبية ببيع سلع تلك الشركات في مقابل أخذ نسبة مئوية من ثمن المبيعات لنفسه، فهل يجوز شرعا أخذ تلك النسبة؟ ولو أن موظفا من مستخدمي الدولة كان له تعاون مع تلك الشركة الخاصة فهل يجوز له الأخذ من تلك النسبة المئوية أم لا؟
ج:
لو كانت هذه النسبة بعنوان أجرة الوكالة في بيع سلع الشركات الأجنبية أو الداخلية الحكومية أو غيره، فلا مانع من أخذها للوكيل في نفسه، ولكن الموظف الحكومي إذا كانت وظيفته التي يأخذ في مقابلها الراتب الشهري هي بيع السلع الحكومية فليس له حق أخذ حق أجرة أخرى أو هدية في مقابل أدائه للخدمات الحكومية11.

* احكام المدير والعامل، سلسلة الفقه الموضوعي ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- يوسف: 55
2- الكهف: من الآية 46
3-الكهف:من الآية 46
4- ميزان الحكمة الحديث 19323
5- بحار الأنوار 41 صفحة 103
6- ميزان الحكمة الحديث 19324
7- نهج البلاغة الحكمة 33
8- بحار الأنوار ج 40 ص 347
9- استفتاءات ج2 صفحة 233 مسألة 4
10- استفتاءات ج2 صفحة 499 مسألة 50
11- أجوبة الاستفتاءات للإمام الخامنئي ج2 صفحة 107

13-01-2016 عدد القراءات 563



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا