18 تشرين الأول2017 الموافق لـ 27 محرّم 1439هـ
En FR

الفقه الموضوعي :: مجالس الأفراح

شكل المجلس



تمهيد
إنَّ المجالس الّتي تعقد لمناسبة الفرح، كالزواج، والموالد، وغيرها... من المسائل الّتي يتعاطى بها الناس غالباً في اجتماعاتهم ومناسباتهم، وإذا لم يلتفتوا إلى الضوابط الشرعيّة اللّازم مراعاتها فسيكونون في معرض الخطر والوقوع في المعاصي والسخط الإلهيّ، والتعريف بالضوابط وترويج السلوكيّات السليمة هو الضامن لتقليل هذه الأخطار، ليكون الفرح فرحاً حقيقيّاً مستمرّاً في الدنيا والآخرة.

هذه الضوابط يجب أن نلاحظ فيها شكل المجلس ومحتواه وما يقدّم فيه من طعام وشراب...

الضوابط الشرعيّة لشكل المجلس
من أهمّ الضوابط الّتي لا بدّ أن تراعى في شكل مجالس الفرح:

1 ـ خصوصيّة المكان:

قد تكون للمكان خصوصيّته الّتي تجعل الاستفادة منه في الأفراح محرّمةً، خصوصاً إذا كان مشهوراً ومعروفاً بكونه مكاناً للمجون والفسق والتهتّك، يقول وليُّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ دام ظله: "وقد تكون لشخصيّة العازف أو للكلام المصحوب بالألحان أو للمكان أو لسائر الظروف الأخرى، مدخليّة في اندراج الموسيقى تحت الموسيقى المطربة اللهويّة المحرّمة أو تحت عنوان الحرام الآخر، كما إذا صارت لأجل تلك الأمور مؤدّيةً إلى ترتّب مفسدة"1.

فينبغي أن تكون أجواء المكان بعيدة عن الاستدراج للمعاصي، وتساعد في المحافظة على الضوابط الشرعيّة.

2 ـ اجتناب الاختلاط:

إنّ الاختلاط بشكلٍ عامٍّ، هو أرض خصبة للوقوع في الكثير من الانحرافات السلوكيّة والنفسيّة، والّتي قد تستدرج الإنسان على هذين المستويين (السلوكيّ والنفسيّ) لمرحلة يجد نفسه في لحظة مّا قد فقد كل الدفاعات النفسيّة الّتي تحصنّه من وسوسات الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء.

ومن هنا علينا الحذر من عدم تهيئة المقدّمات للوقوع في الحرام من حيث شكل المجلس ومنع تداخل مجالس النساء مع الرجال، ممّا يفسح المجال للنظر أو الاستماع المحرّم وغيره، فقد ورد في الحديث عن الإمام عليّ عليه السلام: "العُيونُ مصائِدُ الشيطانِ"2.

ومن المناسبِ أن يكونَ مجلسُ النساء بعيداً عن مجلس الرجال، بمقدار لا تصل أصواتهنَّ إلى مسامع الرجال.

3- لباس الحضور:
ينبغي للحاضرين في مجالس الفرح والأعراس مراعاةَ الضوابط الشرعيّة المتعلّقة بالمظهر الخارجيّ من خلال لبس الثياب الّتي أحلّها الله تعالى لعباده، واجتناب الملابس الّتي حرّمها والّتي لا تليق بالإنسان المؤمن. وسنشير بشكل موجز إلى الأمور الّتي نهت الشريعة عن اتّخاذها ملبساً وهي:

أ ـ الملابس الخليعة:
وهي الملابس الّتي تبرز تفاصيل الجسد لأجل ضيقها، أو تحكي عمّا تحتها، أو تظهر جزءاً ممّا يحرم على المرأة إظهاره أمام الأجنبيّ، فإذا كانت المرأة في معرض رؤية الرجل الأجنبيّ، لا يجوز لها لبس ما يكون من حيث لونه أو شكله أو كيفيّة لبسه ممّا
يجلب نظر الأجنبيّ ويوجب الفتنة والفساد3.

أمّا إذا كانت المرأة مأمونة من نظر الرجال الأجانب ومن ترتّب المفاسد فلا بأس فيه4.

ب ـ الغزو الثقافيّ:
هناك بعض اللّباس الّذي يتناسب مع الثقافات الغربيّة والفاسدة، ونتيجة الدعاية والترويج قد يندفع المؤمن للبس مثل هذا اللباس تقليداً للغرب، وترويجاً لثقافتهم وشخصيّاتهم من مغنّين وغيرهم، فهل يجوز للمسلم أن يتّبع أسلوبهم في التزين أو أن يقلّدهم في اللباس أو قصّات الشعر؟

إنّ محافظة الشباب والشابّات على مظهرهم المتديّن، حتّى في المناسبات الخاصّة كالموالد والأعراس والأفراح، هو حاجز يمنعون من خلاله الثقافة الغربيّة الغازية لأمّتنا من الانتشار، لا سيّما في هذا الزمان الّذي يسعى فيه الأعداء لغزو أفكار شبابنا وفتياتنا، والهيمنة على عقولهم من خلال كلّ الوسائل الإعلاميّة المرئيّة والمسموعة ووسائل الاتصالات الحديثة كالانترنت...، ولا شكّ أنّ ترويج الثقافة المعادية والفاسدة سيكون له تأثيره السلبيّ الكبير على المجتمع وعلى هويّته ومستقبله، حتّى ينقلب المجتمع بشكل تدريجيّ ليخسر حاضره ومستقبله ويصبح رهينة بيد تلك القوى الكبرى ومجرّد تابع لها ومستهلك لمنتجاتها، فيصبح مصداقاً للحديث القدسيّ المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام: "أنّه أوحى الله إلى نبيّ من أنبيائه ـ عليهم السلام ـ قل للمؤمنين: لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي"5.

ج ـ ثياب الشهرة:
وهو اللّباس الّذي يجعل الإنسان عرضةً لكلام الناس والاستهزاء والتقوّل عليه، وقد أكّدت روايات كثيرة على حرمة هذا النوع من اللّباس، ففي الرواية أنّه دخل عبّاد بن بكر البصريّ، على الإمام الصادق عليه السلام وعليه ثياب شهرة غِلاظ، فقال عليه السلام: "يا عبّاد ما هذه الثياب؟ فقال: يا أبا عبد الله تعيب عليَّ هذا؟ قال عليه السلام: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لبس ثياب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثياب الذلّ يوم القيامة"6.

وكذلك يحرم أن يلبس الرجل ملابس النساء وأن تلبس النساء ملابس الرجال، فقد كثرت الروايات في ذم هذا النوع من اللّباس ومن يلبسها، ففي الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لعن الله المحلِّل والمحلَّل له، ومن تولّى غير مواليه، ومن ادّعى نسباً لا يُعرف، والمتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال"7.

وفي رواية أخرى عن الإمام عليّ عليه السلام: "أخرجوهم (المتشبّهين) من بيوتكم فإنّهم أقذر شيء"8.

4 ـ التبرّج:
ظهور المرأة متبرّجة أمام الأجنبيّ من المحرّمات الّتي ذكرها القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى...9.
والمعيار الشرعيّ في ما تضعه المرأة من المساحيق التجميليّة أنّه "إذا صدق على اللّون أنّه زينة عرفاً فلا يجوز إظهاره أمام الأجنبيّ"10.ويمكن للمرأة أن تتبرّج إذا لم يكن هناك ناظر أجنبيّ.

الوليمة في الأعراس
من المستحبّات الشرعيّة الأكيدة أن تُصنع الوليمة في يوم الزفاف أوّل ليلته، فإنّها من السنن المشهورة الحسنة وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم "لا وليمة إلّا في خمس: في عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز"، يعني للتزويج أو ولادة الولد أو الختان أو شراء الدار أو القدوم من مكّة11.

وينبغي في الوليمة مراعاة بعض الأمور الّتي أكّدت عليها الروايات، والّتي يمكن تلخيصها بما يلي:

1 ـ عدم دعوة الأغنياء فقط:
فبعض الناس يخصّ بالدعوة الأغنياء ومن يُسمّون بعليَّة القوم، ويمتنع عن دعوة الفقراء، هذا النوع من الولائم الّتي تقفل أبوابها في وجه الفقراء، وتفتح للأغنياء فقط، في أسلوب يؤكّد طبقيّة مقيتة ويضع الحواجز بين المؤمنين، مثل هذه الولائم تقع في أسفل سلّم الولائم من جهة قيمتها ومحبوبيّتها عند الله تعالى، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "شرّ الولائم أن يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء"12.

2 ـ الإخلاص لله في الدعوة:
ففي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن أطعم طعاماً رياءً وسمعةً أطعمه الله مثله من صديد جهنّم، وجعل ذلك الطعام ناراً في بطنه حتّى يُقضى بين الناس"13.

3 ـ عدم الإسراف أو التبذير في الطعام:
إذ أنّ بعض الناس يقوم بإعداد كميّة كبيرة من الطعام بحيث تفوق حاجة الحاضرين بعدَّة مرّات، وعند نهاية الزفاف يقومون برميها في القمامة، وهذا العمل فيه إسرافٌ في الإنفاق وتبذيرٌ للمال، يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً14.

ويقول تعالى في آية أخرى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً15.

ويُروى أنّ الإمام الصادق عليه السلام مثّل في شرح الآية:... "فأخذ قبضةً من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الإقتار الّذي ذكره الله عزَّ وجلَّ في كتابه، ثمّ قبض قبضة أخرى فأرخى كفّه كلّها، ثمّ قال: هذا الإسراف، ثمّ أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها وقال: هذا القوام"16.

فعندما يقوم الإنسان بالوليمة يكون هدفه البركة والرضى من الله تعالى والأجر منه عزَّ وجلَّ، إلّا أنّ مثل هذه الأعمال قد تفوّت البركة، وتقف حاجزاً يمنع الرضى.

خلاصة الضوابط الشرعيّة
نستخلص أنّ الضوابط الشرعيّة لشكل المجلس ما يلي:
1 ـ الالتفات إلى خصوصيّة المكان (لا يكون مكاناً للهو والحفلات المحرّمة).
2 ـ عدم الاختلاط.
3 ـ عدم لبس الملابس التالية:

أ ـ ملابس الشهرة.
ب ـ ما يروّج الغزو الثقافي.
ج ـ الحرير للرجال.
د ـ الثياب الخليعة للنساء.

4 ـ مراعاة عدم ظهور المرأة متبرّجة أمام الأجنبيّ.
تستحبّ الوليمة في الأعراس وهي من السنن المرويّة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

*مجالس الافراح , سلسلة الفقه الموضوعي , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الإمام الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات، دار النبأ للنشر، الطبعة الأولى، ج2، ص21.
2- النوري، حسين، مستدرك الوسائل، مؤسسة أهل البيت عليهم السلام، ج14، ص271.
3- أجوبة الاستفتاءات، م.س، ج2، ص100.
4- م.ن. ج2، ص99.
5- الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة، دار إحياء التراث، بيروت، ج3، ص279.
6- المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية المصحّحة، ج67، ص316.
7- وسائل الشيعة، م.س، ج17، ص284.
8- م.ن. ج17، ص285.
9- سورة الأحزاب، الآية: 33.
10- من استفتاءات مكتب الامام الخامنئيّ في قمّ على الانترنت رقم922.
11- الخمينيّ، روح الله الموسويّ، تحرير الوسيلة، دار الكتب العلميّة، اسماعيليان، قمّ، ج2، ص238.
12- م.ن.
13- وسائل الشيعة، م. س. ج42، ص312.
14- سورة الإسراء، الآيتان: 26 و 27.
15- سورة الفرقان، الآية: 67.
16- الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي، ج4، ص55.

13-01-2016 عدد القراءات 476



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا