19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

نهج البلاغة :: نهج البلاغة

موانع معرفة الحق والباطل



لماذا لا يقبل الجميع بالحق؟ قلنا أن الحق والحقائق الثابتة أمور موجودة ويمكن تعرفها، فهل تكفي هذه المعرفة وحدها؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فلماذا لا يقبل الكثيرون بالحق الذي اثبتته الدلائل؟ بل يختلفون فيه ويتنازعون حوله؟

لماذا لا يرضخون للحقيقة؟ بل يدبرون عن الحق، ولا يعملون به مع معرفتهم به؟ ولماذا يبدو الحق مراً وثقيلاً عند كثير من الناس؟

أهناك نقص أو عيب في الحق حتى يقل انصاره أم ينبغي أن نتملس اسباب ادبارهم عنه في عجز الانسان الفكري وتبعيته النفسية؟

ولسوف نلاحظ في هذا البحث أن الحق حق وهو منزه من كل الزوائد والشوائب، وان علينا ان نبحث عن النقص والضعف في الانسان نفسه وفي عجزه.

ان القانون التكاملي ومبادى‏ء الصحة المسلّم بها لا نقص فيها، لكن الكثير يتمردون على هذا القانون ولا يراعون التعليمات الصحية.

يجب ألاّ نعزو مخالفات الانسان وتهربه من الحقيقة الى ضعف الحق وعجزه.

وإن ما نشاهده اليوم على صعيد المجتمعات البشرية من الإعلام المكثف والواسع جعل الجميع يدركون خطر الادمان على المخدرات، واضرار الكحول، واخطار الفساد الخلقي، فلماذا لا يتخلون عنها؟ فهل يصح القول بأن المفاسد الأخلاقية حق لأن الناس يقبلون عليها.

وهل يصح القول بأن التعليمات الصحية الكاملة والصحيحة باطلة لأن الناس يدبرون عنها؟

من البديهي أن أحقية الحق والباطل لا علاقة لها بميول الناس وسلوكهم.

اذ قال الإمام علي عليه السلام:"أَيها الناسُ! لاَ تَستوحِشُوا في طَرِيقِ الهُدى لقِلَّةِ أَهلِهِ"1.

أصناف أنصار الباطل:

قبل أن نعرض أسباب الجنوح الى الباطل ونقوّمها، علينا ان نعرف اولاً انصار الباطل واصنافهم وفئاتهم:

أولاً: هناك فئة تؤيد الباطل وهي لا تعلم، بل تظن أنها على صواب.
فالإعلام المزيف، واختلاف الأجواء غير الحقيقية، وبث الثقافة الاستعمارية، والتعليم غير السليم، والعادات والتقاليد الاجتماعية الغلط، تصوّر بمجموعها المعتقدات الخاطئة لهذه الفئة على أنها هي الحق. وقد قال الإمام علي عليه السلام في ذم أهل الكوفة الذين كانوا يؤمنون بافكار خاطئة:"لا تَعرفُونَ الحَقّ‏َ كَمَعرِفَتِكُمُ الباطِلَ، وَلا تُبطِلُونَ الباطِلِ كإِبطالِكم الحَقّ‏َ"2.

فلو أن هذه الفئة خضعت للتعليم السليم، وتربت تربية صحيحة، واكتسبت نعمة المعرفة والوعي، لأنست بالحق ولأدبرت عن الباطل.

ثانياً: وثمة فئة أخرى تؤيد الحق، وترغب في نصرته وادراكه، وهي تبذل الجهود لادراك الحق أيضاً، لكنها في منتصف طريق البحث، تقع في شراك الشيطان الخادعة واغراءات رفاق السوء، فتنجرف عن جادة الصواب، وتروح تؤيد الباطل بدل الحق، ظانة أنها قد عرفت الحق وبلغته، فيما هي تناصر الباطل المتلبس بلباس الحق، تبقى تدافع عن باطلها باسم الحق حتى إذا أصابها الهلاك في سبيل ذلك.

وقد يتنبه بعض هؤلاء فيتوبون، بينما يودع بعض اخر الدنيا وهم في جهلهم المركب هذا.

يقول الإمام علي عليه السلام في حديث له بهذا الشأن حول الخوارج وهم مصداق لهذه الفئة:"لا تُقاتِلوا الخَوارِجَ بَعْدي، فَلَيْسَ مَن طَلَبَ الحَقّ‏َ فَأَخطَأَهُ، كَمَن طَلَبَ الباطِلَ فَأَدرَكَهُ"3.

فالخوارج كانو يُصلّون ويصومون ويعتقدون انهم ادركوا الحق، لكنهم كانوا يسفكون دماء الأبرياء ويقطعون الطرق ويقتلون الناس لحبهم علياً عليه السلام وهم يظنون أنهم على صواب.

ثالثاً: وهناك فئة ثالثة تبحث عن الباطل بسبب أهوائها النفسية وانحرافاتها الأخلاقية، وتبذل المساعي من أجل إدراكه، وتدركه في النهاية ولا يخطر ببالها أبداً طلب الحق مع أنها تعرفه أيضاً.

ومصداق هذه الفئة هم جنود يزيد في كربلاء، فقد رأوا أحدهم يقتلع حلية من أُذن احدى بنات الإمام الحسين عليه السلام وهو يبكي، فسألوه "لماذا تبكي؟" قال: "قد رقَ قلبي لمصائبكم" فقالوا له: "إذا كان الأمر كذلك فلا تسلبنا! ولا تؤذنا! ولا تنهب أموالنا!" فأجاب: "اننا جئنا لنعود بالغنائم الى أهلنا، فإذا لم أسلبكم أنا لسلبكم غيري".

قال الامام علي عليه السلام واصفاً أهل الشام الذين اتبعوا الباطل:"الذينَ يَلبِسوُنَ الحَقّ‏َ بِالباطِلِ، وَيُطيعُونَ المَخلُوقَ في مَعصيَةِ الخالِقِ، وَيَحتَلِبُونَ الدُّنيا دَرَّها بِالدِّينِ"4.

أسباب اتباع الباطل:

يحتوي "نهج البلاغة" على بحوث كثيرة وعميقة عن اسباب إتباع الباطل والإدبار عن الحقيقة، ويتطلب شرح كل تلك المواضيع وتقويمها كتاباً مستقلاً.

لذلك نكتفي في هذا الاستعراض القصير لأسباب إتباع الباطل ببعض تلك الأسباب: مثل:

أولاً حب الحياة:
بعض الناس يحبون الحياة والبقاء في الدنيا، وهذا هو الأصل عندهم، ونتيجة لذلك نراهم يرضخون للسكوت والسكون والتساوم والاستسلام، ويتجاهلون الحق مع أنهم يرونه ويعرفونه.

فالذي يرى أن البقاء هو الأصل، لا يتورع من ارتكاب صنوف الرذائل الأخلاقية والكذب، والنفاق، والفساد، لكي يطيل أمد أيامه في الحياة، لذلك لا يبقى بعد ذلك لديه معنى للثورة ضد الظلم والإجحاف، والحق عند هؤلاء ثقيل وتطبيقه مر. يقول الإمام علي ‏عليه السلام:"إنّ‏َ الحَقّ‏َ ثَقيلٌ مَرِيّ‏ٌ، وَإِنّ‏َ الباطِلَ خفيفٌ وَبيّ‏ٌ"5.

ثانياً حب الذات:
ان من يحب نفسه ويبلغ به الأمر حد الإعجاب بالنفس، والعناد، وعدم الاكتراث باراء الاخرين وأفكارهم، يدبر عن الحق لأن ذاته هي محور معتقداته. ولو أردنا جر مثل هذا الشخص الى الحق أو تطبيق حكم من أحكام الحق عليه، لوجد ذلك مراً عليه ويتعارض مع ما يتوقعه وما تقتضيه أنانيته.

إنه لفرط حبه لنفسه، لا يريد أن يصدق أنه اخطأ في القضية الفلانية وانه مدان فيها.

إذا ما أخفق في تربية ولده، فإنه يبادر الى القاء ذلك على عاتق الزمان والدهر الفاسد، ولا يعترف بتقصيره وعدم اهتمامه.

ثالثاً حب التحلُّل من القيود:
يرغب بعضهم في التمتع بحرية مطلقة لا تحدها حدود ولا تحصرها قيود، وأن ينالوا كل ما يريدون، ويفعلوا كل ما يحلو لهم.

ولكن الحق والحقيقة ترافقهما بعض الحدود والقوانين التي تقيد الانسان، وتزن الحرية الفردية في إطار حرية المجتمع، لذا فهي مُرّة ولا تنسجم مع روح التحلّل، لذا نجد جماعة من الناس يدبرون عنها ويتجاوزون الحق ويهربون منه، يقول الإمام علي:"مَنْ عَشِقَ شَيئاً أعشى بَصَرَهُ وَامرَضَ قَلبَهُ، فَهُو يَنظُرُ بِعَينٍ غَيرِ صَحِيحةٍ، وَيَسمَعُ بِإذنٍ غَيرِ سًمِيعةٍ"6.

ثم ينصحنا بالقول:"إنّ‏َ اللّه افتَرَضَ عَلَيكُم فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وَحدَّ لكم حُدُوداً فَلا تَعتَدُوها، وَنَهاكُم عَن أَشياءَ فَلا تَنتَهِكُوها"7.

رابعاً صعوبة اصلاح الذات وتربية النفس:
يرافق بناء الذات واصلاح المجتمع بعض المشاكل والصعاب، كما ان تربية الأسرة والأبناء تخلق للانسان مصاعب ومتاعب يعجز الكثير عن مواجهتها، وبعضهم يحب الراحة فلا يريد الدخول في المشاكل، وبعضهم يفتقدون ما يلزم من التواضع والصبر والتحمل أمام المشاكل والصعاب، لذلك نراهم يهربون من الحق وهم يعرفونه لأنه مر وصعب.

وفيما كتب الإمام علي عليه السلام الى مالك الأشتر قوله:"ولا يَدعُوَنَّكَ ضيقُ أَمرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهدُ اللّهِ الى طَلَبِ انفِساخِهِ بَغَيرِ الحَقّ‏ِ"8.

خامساً الغرور:
حب الذات والغرور يدعوان المرء الى أن يكون هو المتحكم وأن يرى الحق الى جانبه دائماً حتى وان ارتكب خطأ.

فهو يسعى الى تسويغ اخطائه والتظاهر بأنه على حق، ولما كان قبول الإدانة لا يتلاءم مع صفة الغرور لديه لذلك فهو يبتعد عن الحق ويتجاهله.

وهو يدين الاخرين ويلعن الدهر والزمان، ويتحدث عن الحظ والنصيب والطالع، ويسعى بالاف النعوت والمسوغات الكاذبة لإظهار كونه على الحق. يقول الإمام علي عليه السلام:"وَاحذَر كُلّ‏َ عَمَل يَرضاهُ صاحِبُهُ لِنَفْسِهِ ويكرهُ لِعامَّةِ المُسلِمين"9.

سادساً طغيان الغرائز النفسانية والحيوانية:
كثير من الناس يعرفون ما هو الحق وما هو الباطل، بل ويؤيدون الحق أيضاً، لكنهم بسبب طغيان غرائزهم يقبلون على الباطل ويصبح قبول الحق ثقيلاً ومراً لديهم.

والحل الرئيسي لذلك هو أن نعمل في بناء الذات وتربية النفس على الوقوف بوجه كل طغيان والسيطرة على أنفسنا وغرائزنا. يقول الإمام علي عليه السلام: "إنّ‏َ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيْكُم إِثْنانْ: إِتّباعُ الهَوى وَطُولُ الأمل، فَأمّا اتِّباعُ الهَوِى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقّ‏ِ"10.

سابعاً جاذبية الباطل الطبيعية وظهوره تلقائياً وخداعه:
ان الغرائز الحيوانية تظهر تلقائياً لدى الإنسان ومن الصعب تهذيبها والسيطرة عليها، لذا نرى كثيراً ممن انتهجوا نهج اللامبالاة وحب الراحة لا يرضحون لمصاعب بناء الذات، إذ إن للباطل والمفاسد والذنوب قوة جاذبة طبيعية فيها، وهي تظهر تلقائياً، فمن الصعب تربية العين لكي لا تنظر الى الحرام وهو أمرٌ مر إلا أن ثمرته حلوه ولكن لا صعوبة في النظرة المريبة والمحرمة ولا تخلق مشكلة. ولا صعوبة في الركض وراء الشهوات، ونهب أموال الناس، وتقاعس الموظف في العمل، وأكل الحرام.

إذا تركنا الناس وشأنهم ولم نُربِّهم على الأخلاق والإيمان فانهم ينجذبون من تلقاء أنفسهم نحو المفاسد والذنوب.

وعليه، فان السيطرة على الشهوة، واحترام اموال الناس وكرامتهم، وأداء الأعمال بميزان وبجودة، وتنفيذ القوانين بدقة، من الأمور الحسنة، ولكنها تتطلب التربية والتعليم وارسال انبياء الله صلى الله عليه و آله و سلم والأئمة المعصومين عليهم السلام وتنزيل الكتب السماوية.

لذلك كله تجب السيطرة على النفس بالقوة والضغط، وعدم اطلاق العنان لها، وجرها بحزم نحو الفضائل، وتربية النفس، ومراعاة القانون، وبذلك تنقاد للطاعة، وتعتاد على الفضائل، فتزول الأخطار المحدقة بها.


1- الخطبة 201
2- الخطبة 69
3- الخطبة 61
4- الرسالة 33
5- الحكمة 372
6- الخطبة 109
7- الحكمة 105
8- الرسالة 53
9- الرسالة 69
10- الخطبة 42

06-01-2016 عدد القراءات 991



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا