21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

إضاءات رسالية :: إضاءات قرآنية

العِبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص المورد



هذه قاعدة أصولية مطّردة في جميع أحكام الشريعة المقدّسة، فما يصدر من منابع الوحي والرسالة بشأن بيان أحكام الله وتكاليفه للعباد، ليس يخصّ مورداً دون مورد، ولم يأتِ الشرع لمعالجة حوادث معاصرة، وإنّما هو شرع للجميع، الأمر الذي دعا بالفقهاء إلى إلغاء الخصوصيات المَوردية والأخْذ بإطلاق الحكم، لفظيّاً أو مقاميّاً، حسب المصطلح.

هذا بالنسبة إلى كافّة أحكام الشريعة، سنّةً وكتاباً، وإن كان في الكتاب آكَد، وقد عرفتَ صريح الروايات بهذا العموم في آيات القرآن، فكلّ ما في القرآن من أحكام وتكاليف واردة في الآيات الكريمة، فإنّما ينظر إليها الفقهاء من الوجه العامّ، ولا يأبهون بخصوص المورد إطلاقاً.

نعم، هناك بعض الخطابات مع فئات معهودة، صدرت على نحو القضية الخارجية (1)، فإنّها لا تعمّ بلفْظها، وإن كانت قد تعمّ بمِلاكها، إذا كان قد أُحرز يقيناً، وفي القرآن منه كثير.

قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 172، 173].

نزلت الآية بشأن المؤمنين بعد منصرفهم من وقعة ( أُحُد ) وقد أصابهم القرْح الشديد، وكان أبو سفيان حاول الكرّة وتندّم على انصرافه عن القتال، وبلغ الخبر للمسلمين، وكان الذي أشاع الخبر هو نعيم بن مسعود الأشجعي، كما في الحديث عن الإمامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) (2)، وقيل: الركْب الذي دسّه أبو سفيان للإرجاف بالمؤمنين، وقيل: هم المنافقون بالمدينة.

لكنّ المؤمنين الصادقين صمدوا على الثبات والإيمان، وعزموا على مجابهة العدوّ بكلّ مجهودهم، وانتدبهم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) قصداً لإرهاب المشركين، وفي مقدّمة المنتدَبين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

والشاهد في قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إشارة إلى أُناس معهودين أو فردٍ معهود، والمقصود من ( الناس ) الذين جمعوا لهم، هم: أصحاب أبي سفيان.

نعم، مجموعة هذه الحادثة تفيدنا مسألة الثبات على الإيمان، وأن لا نَهاب عدوّاً، ولا تجمّع الناس ضدّ الحقّ، مادام الله ناصرنا وكافلنا، نِعم المولى ونِعم النصير.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 6، 7].

إنّما يعني الذين كفروا على عهده ( صلّى الله عليه وآله ) وعاندوا وأصرّوا على اللُجاج، بعد وضوح الحقّ وسطوع البرهان، وليس مطلق الكفّار على مرّ الزمان، وهذا تيئيس للنبي (صلّى الله عليه وآله)، فلا تذهب نفسه عليهم حسرات.
قال العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه): ولا يبعد أن يكون المراد هم الكفّار من صناديد قريش وكُبَراء مكّة، الذين عاندوا ولجّوا في أمر الدين ولم يألوا جهداً في ذلك ؛ إذ لا يمكن استطراد هذا التعبير في حقّ جميع الكفّار، وإلاّ لانسدّ باب الهداية، فالأشبه أن يكون المراد من ﴿الَّذِينَ كَفَرُو هاهنا وفي سائر الموارد من كلامه تعالى هم: كفّار مكّة في أوّل البعثة، إلاّ أن تقوم قرينة على خلافه، نظير ما سيأتي أنّ المراد من قوله: ﴿الَّذينَ آمَنُو فيما أُطلق في القرآن من غير قرينة على إرادة الإطلاق هم: السابقون الأوّلون من المؤمنين، خُصّوا بهذا الخطاب تشريفاً (3).

وهكذا قال (رحمه الله) في تفسير سورة (الكافرون): هؤلاء قوم معهودون لا كلّ كافر، ويدلّ عليه: أمرُهُ ( صلّى الله عليه وآله ) أن يخاطبهم ببراءته من دِينهم وامتناعهم من دِينه (4).

وبذلك تنحلّ مشكلة كثير من الآيات جاءت بهذا التعبير وأشباهه.

نعم، هذا الحكم يسري فيمن شابَه أولئك في العناد واللجاج مع الحقّ بعد الوضوح.

* المؤلف: محمد هادي معرفة، الكتاب أو المصدر: تلخيص التمهيد، الجزء والصفحة: ج1، ص119-122


(1) من مصطلح عِلم الميزان ( المنطق ): وهو عبارة عن معهودية الموضوع في القضية، كقولك: أكرِم مَن في المسجد أو في المدرسة، تريد مَن هو في مسجد البلد، أو مدرسته في الحال الحاضر، وليس في كلّ الأزمان، وكلّ المساجد والمدارس على الإطلاق.
(2) مجمع البيان: ج2، ص541.
(3) تفسير الميزان: ج1، ص50.
(4) تفسير الميزان: ج20، ص526.

20-12-2015 عدد القراءات 456



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا