21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

إضاءات رسالية :: إضاءات قرآنية

القول بغير علم



قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً [الإسراء: 36].

تقول العرب: قفوته إذا اتبعت أثره، وقافية كل شيء آخره، ومن أسماء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المقفى لأنه آخر الأنبياء وخاتمهم.. والقول بلا علم قبيح، حيّ عند من لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وذكر سبحانه السمع والبصر والفؤاد، وأراد صاحب هذه الأدوات الثلاث، وانه تعالى يسأله عنها، ويعاقبه إذا أسند إليها ما لا تعلم، كما لو قال: سمعت دون أن يسمع، ورأيت وهو لم ير، واعتقدت وعزمت، وهو لم يعتقد ولم يعزم، أو عزم على الباطل.

ولا فرق بين من يتعمد الكذب، ومن يسرع إلى القول من غير تثبت وروية، فإن القول بالظن والشبهة قول بغير علم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئ - 36 يونس. وقال: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - 117 الأنعام. والخراص الافتراء، وقد ساوى اللَّه بينه وبين الظن.. ويتفرع عن هذه الآية المسائل التالية:

أ - بطلان التقليد وتحريمه على الكفؤ القادر على استنباط الأحكام من مصادرها حيث ترك علمه، وعمل بعلم غيره. وعلى هذا الرأي الشيعة الإمامية والزيدية والمعتزلة وابن حزم والشيخ محمد عبده والشيخ شلتوت وغيرهم، وتكلمنا عن التقليد مفصلا عند تفسير الآية 170 من سورة البقرة ج 1 ص 259.

ب - تحريم العمل بالقياس والاستحسان، واستخراج الأحكام الإلهية منهما..

والقياس هو الحاق أمر - في الحكم - غير منصوص عليه بآخر منصوص عليه لاتحاد بينهما في العلة المستنبطة، ومثال ذلك ان ينص الشارع على ان الجدة لأم ترث، ويسكت عن الجدة لأب، فنلحق هذه بتلك في الميراث قياسا لأن كلتيهما جدة.

والاستحسان المحكي عن أبي حنيفة هو الحكم بما يستحسنه المجتهد بغير دليل إلا استحسانه هو أي حدسه وهجسه ( كتاب اللمع في أصول الفقه لأبي اسحق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي ص 65 طبعة سنة 1939 ). ومثّل له صاحب الكتاب المذكور بمن قال: ان فعلت كذا ( فأنا ) يهودي، فيحنث هذا القائل، وتجب عليه الكفارة استحسانا لأنه بمنزلة من قال: واللَّه ان فعلت كذا فهو يهودي.

ج - ان كل من تصدى للإفتاء، وبيان الحلال والحرام، وهو غير كفؤ فقد كذب وافترى على اللَّه ورسوله، وكان من المعنيين بقوله تعالى: ﴿ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ - 56 النحل، وقول الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ): « من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ». فان الكذب على اللَّه ورسوله كما يكون بالرواية عنهما يكون أيضا بنسبة الحلال والحرام إليهما.. وقد كثر في زماننا المفتون المفترون على اللَّه ورسوله الذين اتخذوا من سمة الدين وسيلة للارتزاق، وستارا للخيانة والعمالة.. ومنهم من ألف المنظمات والأحزاب تعمل بوحي من الصهيونية والاستعمار، وفي الوقت نفسه تحمل اسم الإسلام والمسلمين للخداع والتضليل.

سألني أحد الشيوخ عن زوجتي هابيل وقابيل ابني آدم، هل هما من حور الجنة، أو من غيرهن ؟ قلت: هذه مسألة تعرف بالنقل، لا بالعقل، والنقل في مثلها لا يعمل به إلا إذا كان نصا في القرآن أو السنة المتواترة، ولا نص فيهما على ذلك فعلينا السكوت عما سكت اللَّه عنه ورسوله. قال: كيف ؟ وهل نقف موقف العاجز إذا سئلنا ؟ قلت: وهل يطلب منا ان نعلم كل شيء لأنا معممون ؟.

10 – ﴿ ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً . قد يزهو الجاهل ويتعاظم إذا ملك شيئا من حطام هذه الحياة، كالجاه والمال، ولكن ان عرض له عارض من المخبئات والمفاجئات وهن وحار لا يدري ما ذا يصنع.. والعاقل من عرف قدره، وتفكر واعتبر، ولم يحد عن قصد السبيل.. وقوله تعالى: ﴿ ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً نهي عن التكبر، وأمر بالتواضع، وقوله: ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً كناية عن عجز الإنسان، وانه أضعف من أن يبلغ ما يريد بالجاه والمال، كما انه أضعف من أن يبلغ الجبال بجسمه، ويخرق الأرض بقدمه


.* المؤلف: محمد جواد مغنية، الكتاب أو المصدر: تفسير الكاشف، الجزء والصفحة: ج5، ص43ـ45.

20-12-2015 عدد القراءات 479



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا