29 أيار 2017 الموافق لـ 03 شهر رمضان 1438
En FR

القائد الخامنئي :: 2015

كلمة الإمام الخامنئي في لقاء مع أعضاء لجنة المهرجان العالمي لشعر الحوزة



كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء مع أعضاء لجنة المهرجان العالمي لشعر الحوزة[1]_21-12-2015

بسم الله الرحمن الرحيم

تتمتّع الحوزة بطاقات متنوعة ومتعدّدة الجوانب. ولا يختص هذا بأيامنا هذه؛ فهي كانت كذلك في الماضي أيضًا. وكان من بين الفقهاء الكبار وعلماء الشيعة العظام شعراء وبعضهم كانوا شعراء بارزين، وليسوا قلة؛ مثل المحقّق الحلّي، ووالد العلامة، وآخرون، منهم في الآونة اللاحقة الميرداماد، والفياض، والحزين اللاهيجي وآخرون وآخرون.

علماء النجف الأشرف.. شعراء
كما إنّ الأمر كان كذلك في النجف، فمن شعرائه المرحوم بحر العلوم، ولا بأس بعرض إحدى ذكرياته التي تدل على الروح والفضاء اللذين كانا حاكمين على النجف في عصره، أي منذ مئتي سنة. فبحر العلوم تقلّد زمام المرجعية بعد الشيخ البهبهاني، أي إنّه ككاشف الغطاء وقع موردًا لقبول جميع العلماء الكبار وتلامذة البهبهاني الكبار، وقد سلّم له الآخرون، واختاروه طوعًا وعن رغبة بوصفه رئيسًا لهم.

وفي أول رئاسته قام بسفر من النجف إلى كربلاء ماشيًا، وفي أحد منازل أول الطريق تعب وجلس، وقال: أنا تعب، ولا أستطيع التحرك من هنا الليلة. فقال بعضهم: لنذهب من هنا! قال: كلا! أنا باقٍ، ثم قرأ هذا البيت من الشعر:
أينما حللنا من التعب أصبح وطنا***ومن البكاء أينما عبرنا نبت العشب[2]
وهو للشاعر طالب الآملي.

وقد كان برفقته شعراء من العرب، وبرأيي فإنّ الروعة تكمن هنا! فأن يقرأ بحر العلوم بيتًا من الشعر لطالب الآملي، هذا ليس عجيبًا جدًّا. أما أن يرافقه من النجف عددٌ من الشعراء، ويأخذهم معه في سفر زيارته لكربلاء فإن هذا أمر مهم برأيي.

فقال له الشعراء العرب: سيدنا! "شنو معنى هذا البيت؟" فشرحه لهم، وبيّن أن معناه هو هذا، وقال: أنشدوا أنتم الآن! فبدأ الشعراء العرب ينشدون على غراره. والذي يحضرني الآن أنني قرأت هذه القصة في كتاب المرحوم حرز الدين، فهناك يتحدث عن أن فلانًا قال كذا، وفلانًا قال كذا، وأن بحر العلوم نفسه قال كذا، أي إنّ عالمًا مثل بحر العلوم وهو عَلَم في الفقه، وعَلَم من الناحية المعنوية -وأنتم تعلمون أنه كان مميزًا من هذه الناحية، ولعلّ بُعده المعنوي هذا كان السبب في تسليم جميع الفقهاء الكبار من تلامذة البهبهاني له- فمع تلك المقامات المعنوية، وتلك الحالة العرفانية، وما ينقل عنه من لقائه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وما هو من هذا القبيل، عندما يتحرك من النجف لزيارة كربلاء راجلًا يأخذ معه الشعراء. وهذا يدل على اهتمام الحوزات بمقولة الشعر.

اهتمام الحوزة بالشعر
وعلى كلّ حال، هكذا كانت الحوزات العلمية، ففي قم نفسها كان المرحوم الصدر شاعرًا بارزًا، والبيتان اللذان قالهما في المرحوم الشيخ عبد الكريم، وهما محفوران على قبره، بيتان بارزان للغاية ومميّزان، وقد ضمّنهما سيرة تاريخ الشيخ المرحوم الحائري.

وعلى كلّ حال، فإنّ الشعر من المقولات التي كانت الحوزات العلمية تشتغل بها، وهذا أمر في محلّه، أي إنه لا ينافي العلمية والفضل وأمثالهما أبدًا. فكون [العالم] شاعرًا[3]، بل شاعرًا جيدًا لا يتنافى لا مع الفقاهة، ولا مع الفلسفة وأن يكون فيلسوفًا. فهو لا ينافي أيًّا من هذه المجالات المهمة التي توجد عندنا في الحوزات؛ فالمرحوم الشيخ محمد حسين الإصفهاني كان ينشد الغزل والقصيدة بالعربية والفارسية. والمرحوم السيد محمد سعيد الحبوبي وهو من مراجع النجف العرب، وكان معاصرًا للمرحوم الآخوند وأمثاله، له ديوان ضخم، عندي نسخة منه، وهو يحتوي على أشعار عجيبة، ففيه أشعار العشق، والغزل على الطريقة العربية - إذ ليس للعرب غزل على النمط الفارسي الدارج عندنا، وإن كانت لهم أنواع مختلفة أخرى منه-. فالمرحوم محمد سعيد الحبوبي كما كان فقيهًا، ومجاهدًا، إذ إنّه ممّن حاربوا الإنجليز، فقد كان في الوقت نفسه شاعرًا أيضًا.

وإمامنا الراحل أيضًا هو آخر أنموذج أمام أعيننا، وله قصائد في العشق أيضًا ــ ذات معنى عرفاني طبعًا ــ، ولكن ظاهره هو الغزل بهذا [المعنى]...

وبناءً على هذا، فإنّ مقولة الشعر مجال مهم، ومن الجيّد أن تهتم الحوزة به، وهو باعث على التنفّس والراحة في ذلك الفضاء العلمي المضغوط الموجود فيها؛ لأنّ الجو العلمي في الحوزة مضغوط [مكثف] جدًّا، وهو يختلف عن الجامعات؛ فهو جو علمي بشكل كامل، مثل غرفة مغلقة الباب.

وإذا فاحت رائحة عطر الشعر أحيانًا في هذا الجو، فإنّ هذا أمر مطلوب برأيي. ولله الحمد، إنّ هناك استعدادات جيدة، والآن فإنّ شعر السادة الموجودين هنا، وتلك السيدة التي قرأت شعرًا هو شعر جيّد جدًّا. وهناك آخرون أعرفهم في الحوزة هم شعراء جيدون أيضًا. ولأنّ فكرهم هو فكر إسلامي نابع من مصادر ومبادئ دينيّة صحيحة، فإنّ بإمكان شعرهم أن يكون مفيدًا جدًّا. فهذا العمل عمل جيد للغاية. ولكن لا تقنعوا بالقليل، أي انطلقوا نحو المستويات الأعلى.
 
شعراء على مستوى العالم!
ففي النجف شعراء كانوا من العلماء، وهم ليسوا قلة، وقد طُرح شعرهم على المستوى العالمي أحيانًا، فذلك الشاعر اللبناني المقيم في أمريكا، وهو شاعر معروف، ولا يحضرني اسمه الآن[4]، له شعر معروف باسم "الطلاسم"، ترجيعه - ليس بالمعنى المصطلح في الفارسية طبعًا- <لست أدري>، وقد أجاب عليه المرحوم السيد رضا الهندي بـ <أنا أدري>، ونشر ردّه هذا على مستوى العالم العربي، وقرأه الجميع، وتعرّفوا إليه. وهذا يعني أنّ علماء النجف كانوا شعراء بارزين.
والشيخ محمد رضا المظفر الذي يشكل كتابه العلمي كتابًا درسيًّا في الحوزة، وما زال يدرّس، هو شاعر، بل شاعر قوي وجيد، وقد كان مأنوسًا بالشعراء في النجف وينظم الشعر معهم.

وعلى أيّ حال، فإنّ الشعر أمر جيد، والحوزة بحمد الله تملك هذه القابلية، ويمكنها أن تطوّرها وتنمّيها أكثر، بشرط ألّا تأخذ وقت الدرس طبعًا، أي أن لا يبذل السادة أكثر أوقاتهم على الشعر.

موفقون ومؤيدون إن شاء الله!


[1] - نشر الخطاب بتاريخ 21/12/2015
 [2] از ضعف به هر جا كه نشستيم وطن شد***وز گريه به هر سو كه گذشتيم چمن شد
 [3] -أو : الشاعرية لا تتنافى مع..
[4] إيليا أبو ماضي <1957ـ 1889م>.

26-12-2015 عدد القراءات 1030



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا