13 كانون الأول 2017 الموافق لـ 24 ربيع الأول 1439هـ
En FR

المعارف الإسلامية :: علم العرفان

عرفان الإمام الخميني قدس سره



يُعْتبر الإمام الخميني قدس سره واحدًا من الذين عاشوا تجربة عرفانية خاصة، يمكن الإشارة إليها باعتبار أنّها تجربة فريدة، قليلاً ما نجد مثيلاً لها في عالم العرفان. فالإمام الخميني قدس سره العارف من حيث السلوك والمعرفة، رجل سياسة وجهاد، أسّس وقاد الدولة الشيعية القوية في العالم المعاصر، وهو بالإضافة إلى ذلك حكيم وفقيه وأصولي من الطراز الأول. وإذا كان الموضوع على هذه الشاكلة، فما هي مميزات وخصائص عرفان الإمام الخميني قدس سره؟ سنحاول هنا الإطلالة على بعض عناوين العرفان العملي عند الإمام قدس سره.

التوجّه إلى الله تعالى

لا بدّ أن يعيش العارف حالة الشعور بالفقر والحاجة إلى الغني المطلق، وعندما يشعر العارف بأنّه لا يملك شيئاً، وأنّه محتاج إلى كلّ شيء وأنّ الوجود الذي يعيش فيه ليس منه، ويدرك أنّ كلّ ذلك يعود إلى الغني المطلق الأوّل وهو ربّ العباد، عند ذلك يبلغ أعلى درجات المعرفة بالله تعالى. يقول الإمام الخميني قدس سره مخاطباً ابنه: "اعلم أنّ العالم سواء أكان أزلياً وأبدياً أو لا، وسواء أكانت سلاسل الموجودات غير متناهية أو لا، فإنّها جمعياً محتاجة, لأنّ وجودها ليس ذاتياً لها، ولو تفكّرت، وأحطت عقلياً بجميع السلاسل غير المتناهية، فإنّك ستدرك الفقر الذاتي والاحتياج في كمالها..."1.

ويبيّن الإمام قدس سره أنّ الشعور بهذا الفقر أمر فطري، لا يحتاج إلى دليل إقناعي، ويضيف بأنّ هذه الفطرة بعينها تعترف بحاجتها إلى من ليس محتاجاً في وجوده.

إنّ التوجّه إلى الله تعالى يتطلّب الشعور بالفقر الذاتي، ولكن هذا لا يكفي، إذ إنّه يقتضي أن يشعر العارف بأنّه غير محتاج لأحد سوى الله تعالى، فالتوجّه إلى الله تعالى، يستلزم نفي كلّ ما سواه, لأنّ ما سوى الله عاجز عن تحويل الفقر إلى غنى, لذلك يقول: "ارْتَبِطْ بالغني المطلق، حتّى تستغني عمن سواه، واطلبْ التوفيق منه حتى يجذبك من نفسك ومن جميع من سواه"2.

القرآن الكريم، المرجع الأساس للعرفان

يعتبر الإمام الخميني قدس سره أنّ القرآن الكريم هو كتاب معرفة الله ومعرفة طريق السير والسلوك3. يذهب الإمام قدس سره إلى أبعد من ذلك، حيث يعتبر أنّ العرفان ومسائله من معجزات القرآن الكريم. وإنّ من أعظم وأسمى معاجزه هي هذه المسائل العرفانية العظيمة التي لم تكن معروفة لدى فلاسفة اليونان4.

وبما أنّ تلك المسائل العرفانية لم تكن معروفة من قبل، فقد أخذها السابقون من القرآن، فهو كتاب انفرد بذكر تلك المسائل العرفانية، فانعكس على شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "وإنّها لمعجزة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، إذ كان على درجة عالية من المعرفة بالله، بحيث إنّ الباري جلّ وعلا كان يوضح له أسرار الوجود..."5.

لذلك لا بدّ من التعرف على القرآن الكريم لاستلهام تلك المعارف والحقائق الغائبة عنّا، يوصي الإمام ابنه قائلاً: "بني، تعرّف إلى القرآن ـ كتاب المعرفة العظيم ـ ولو بمجرّد قراءته، واجعل منه طريقاً إلى المحبوب، ولا تتوهّمنّ أنّ القراءة من غير معرفة لا أثر لها، فهذه وساوس الشيطان، فهذا الكتاب كتاب من المحبوب إليك وإلى الجميع... واعلم أنّنا لو أنفقنا أعمارنا بتمامها في سجدة شكر واحدة على أنّ القرآن كتابنا لما وفينا هذه النعمة حقّها من الشكر"6.

الأدعية والمناجاة

يعتبر الإمام الخميني قدس سره أنّ الأدعية، بالأخصّ المأثورة منها، إحدى الوسائل التي يمكن السير والسلوك بواسطتها، على أساس أنّ الأدعية الواردة عن المعصومين عليهم السلام، أعظم دليل إلى معرفة الله تعالى وأسمى وسيلة لسلوك طريق العبودية، وأرفع رابطة بين الحقّ والخلق7.

والأدعية من وجهة نظر الإمام قدس سره تحمل في طياتها مختلف المعارف الإلهية، وهي وسيلة يمكن أن يركن إليها السالك للأنس بالله تعالى. يقول الإمام: "وتمثّل وسيلة يشكرها أهل بيت الوحي، للأنس بالله جلّت عظمته، فضلاً عن أنّها تمثّل نموذجاً لحال أصحاب القلوب وأرباب السلوك"8.

الابتعاد عن حب الدنيا والرياسة

الواضح أنّ حب الدنيا والتعلقّ بها من وجهة نظر الإمام الخميني قدس سره مانع من السلوك، فالدنيا تقع على رأس الموبقات، يقول الإمام قدس سره: "إنّ السبب الرئيس للندم وأساس ومنشأ جميع ألوان الشقاء والعذاب والمهالك ورأس جميع الخطايا والذنوب إنّما هو حبّ الدنيا الناشىء من حبّ النفس"9.

ويؤكّد الإمام قدس سره في وصيّته لابنه على ضرورة عدم إتعاب النفس في طلب الدنيا والمناصب والمقامات الدنيوية, لأنّ ذلك لن يحمل معه سوى الشقاء والعذاب: "ولا تتعب نفسك بالانتقال بطرق باب، هذا الباب أو ذاك الباب، للوصول إلى منصب أو الشهرة التي تشتهيها النفس، فأنت مهما بلغت من مقام، فإنّك سوف تتألمّ وتشتدّ حسرتك وعذاب روحك لعدم بلوغك ما فوق ذلك"10.

وليست دعوة الإمام الخميني قدس سره إلى ترك الدنيا، القعود عن العمل والسعي في هذه الدنيا، بل للإمام قدس سره فهم خاص للدنيا لا بدّ من العمل وبذل الجهود عن أساسه, لذلك يقول في فهمه للدنيا: "إنّ عالم الملك ليس مذموماً في حدّ ذاته، فهو مظهر الحقّ ومقام ربوبيته تعالى، ومهبط ملائكته، ومسجد أحبّاء الله، ومكان تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام ومعبد وموطن تجلّي الحقّ على قلوب عشّاق المحبوب الحقيقي"11.

إذاً، للدنيا فهم خاص عند الإمام قدس سره، وبناءً على هذا الفهم ينبغي للسالك أن ينظر إليها على أنّها مكان لخدمة خلق الله ومساعدة المجتمع: "ولا يعني ما ذكرت أن تترك خدمة المجتمع وتعتزل وتكون كَلّا على خلق الله.... بني، لا تُلقِ عن كاهلك حمل المسؤولية الإنسانية التي هي خدمة الحقّ في صورة خدمة الخلق"12.

ومن هنا نفهم أن على عاتق الإنسان مسؤوليّات في عالم الدنيا، وأنّ الدنيا ليست مذمومة بحدّ ذاتها، بل المذموم فيها هو الانشداد إليها والتعلق بها يقول الإمام قدس سره: "إنّ ما ورد في القرآن والأحاديث من ذمّ هذه الدنيا، لا يكون عائداً في الحقيقة للدنيا من حيث نوعها أو كثرتها، بل يعود إلى التوجّه نحوها وانشداد القلب بها وبحبّها"13.

هذه هي الدنيا التي هرب منها العرفاء ورفضها بعض أصحاب العقول. فالله تعالى خلق آدم من تراب، والتراب مكان أساسي لنشاط الفرد في الدنيا، فكيف يُذَمّ ما خلق الله للإنسان لتكون فيه حياته.

لقد تمكّن الإمام الخميني قدس سره من رسم خطّ فاصل بين الدنيا المذمومة والدنيا التي يجب أن يعيش فيها الإنسان السالك والإنسان العابد، الذي ينطلق في تعامله مع الدنيا من باب المسؤولية التي ألقاها الله تعالى عليه14.

التصدّي للشأن السياسي والاجتماعي

من جملة الأمور التي تتوقّف على موقف الإمام الخميني قدس سره من الدنيا، التصدّي للمسؤوليّات الاجتماعية والسياسية.

تميّز عرفان الإمام الخميني قدس سره بأنه تمكّن من المزج بين السلوك العرفاني والحياة الاجتماعية والسياسية، على أساس أنّ تحمّل السالك والمسلم لمسؤولياته الاجتماعية، والسياسية هو وسيلة للقرب الإلهي، يقول الإمام قدس سره: "وما أكثر ما يرتقي المتصدّي لشؤون الحكومة، فيحظى بلبِّ قرب الحقّ لما يحصّله من دافع إلهي كداود وسليمان عليهما السلام، بل وأفضل منهما منزلة، كالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وخليفته بالحقّ علي بن أبي طالب عليه السلام، وكالمهدي (أرواحنا لمقدمه الفداء) في عصر حكومته العالمية"15.

وعلى هذا الأساس، فالاعتزال عن المحيط مرفوض، بل يجب على الإنسان القيام بمسؤولياته التي فرضها الله تعالى عليه في التعامل معه.

في الحقيقة، إنّ الكلام عن عرفان الإمام الخميني قدس سره طويل وطويل، وهو الذي ترك لنا إرثاً فكرياً عرفانياً كبيراً، وهو الذي تجسّدت مظاهر السير والسلوك في حياته الشخصية الاجتماعية والسياسية... فكان نموذجاً للعارف الحقيقي الذي جعل من المعصومين عليهم السلام قدوته وأسوته.

الإخلاص

يعتقد الإمام الخميني قدس سره أنّ الوصول إلى الفوائد المعنوية وحصول الآثار النورانية للعمل يتوقّف على جملة من الآداب المعنوية، ومن أبرزها الإخلاص، يقول الإمام قدس سره: "وحقيقته تصفية العمل عن شائبة سوى الله، وتصفية السرّ عن رؤية غير الحقّ تعالى في جميع الأعمال الصورية واللبية والظاهرية والباطنية. وكمال الإخلاص ترك الغير مطلقا..."16 ثمّ إنّ الإمام فصّل الحديث في أقسام الإخلاص ومراتبه والنتائج المترتّبة عليه.

أداء التكليف الشرعي

اتّسم عرفان الإمام الخميني قدس سره بخاصيّة أداء التكليف الشرعي، وكان في حياته مثالاً يُحْتَذَى به في هذا الإطار. شدّد الإمام قدس سره في الكثير من كلماته على أنّ الإنسان مأمور بأداء التكليف، بصرف النظر عن النتائج التي تترتّب على ذلك، يقول الإمام قدس سره: "كلّنا مأمورون بأداء التكليف والواجب، ولسنا مأمورين بتحقيق النتائج"17.

وأداء التكليف من وجهة نظره عبارة عن الالتزام بما أمر الله تعالى، والذي وصل إلينا عبر الشريعة الإلهية. وقد أشار الإمام قدس سره إلى أنّ هذا التكليف قد حدّده الإسلام، حيث لا حاجة لتقليد واتّباع غير المسلمين إذا كانت قوانين الإسلام تضمّنت كلّ شيء: "حدّد الإسلام التكليف في كلّ شيء، ووضع القوانين لكلّ شيء، ولا حاجة بالمسلمين لتقليد أحد، أو اتّباعه في قوانينه"18.

* كتاب علم العرفان، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- زرق، خليل، العرفان الشيعي، ص 396 ـ 397، نقلاً عن المظاهر العرفانية للإمام الخميني قدس سره.
2- مصدر سابق.
3- المصدر نفسه، ص 398.
4- المصدر نفسه، نقلاً عن المظاهر العرفانية، ص 14.
5- المصدر نفسه.
6- مصدر سابق.
7- المصدر نفسه، ص 399.
8- المصدر نفسه، ص 400، نقلاً عن المظاهر العرفانية، ص 17.
9- المصدر نفسه، ص 401، نقلاً عن المظاهر العرفانية، ص 20.
10- الإمام الخميني، وصايا عرفانية، مركز باء للدراسات، ط 2، 2001م.
11- وصايا عرفانية، ص 25.
12- وصايا عرفانية، ص 58 ـ 59.
13- الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، تعريب محمد الغروي، دار الكتاب، قم، ط 2، 2002، ص 120.
14- راجع: علي، محمد أحمد، مقامات العرفان، الانتشار العربي، بيروت، / 1، 2007، ص 92 ـ 99.
15- رزق، خليل، العرفان الشيعي، ص 404، نقلاً من المظاهر العرفانية، ص 64.
16- الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 294.
17- الإمام الخميني، روح الله، صحيفة الإمام، ج21، ص259.
18- المصدر نفسه، ج2، ص34.

26-11-2015 عدد القراءات 1246



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا