18 تشرين الأول2017 الموافق لـ 27 محرّم 1439هـ
En FR

المعارف الإسلامية :: علم العرفان

الأحوال والمقامات



يعتبر بحث الأحوال والمقامات من الأبحاث الهامّة في الفكر العرفاني, لما لذلك من أثر على عملية السير والسلوك، إذ بهما يعرف السالك كيفية السير والسلوك والمواطن والمنازل والحالات التي توصله إلى المقصد النهائي.

تعريف المقام والحال

1- المقام:
المقام هو المكان الذي يقيم به العارف، وهو القيام بنفسه، وقد ذكروا للمقام تعاريف متعدّدة، من أبرزها: مُقام بضم الميم يعني الإقامة، ومَقام بفتح الميم يعني محلّ الإقامة، وهذا المعنى في لفظ المفاهيم خطأ. ففي اللغة العربية مُقام بضم الميم, يعني الإقامة ومكان الإقامة، ومَقام بفتح الميم يعني القيام، ولا يعني المكان الذي أقيم فيه، فهو طريق الحقّ وإعطاء الحقّ حقّه في هذا المقام، إلى أن يدركه الكمال1.

وقيل أيضاً: "المقام ما يتحقّق به العبد بمنازلته في الآداب، ممّا يتوصّل إليه بنوع تصرّف، ويتحقّق به بضرب تطلّب ومقاساة تكلّف. فمقام كلّ أحد موضوع إقامته عند ذلك وما هو مشتغل بالرياضة له، وشرطه أن لا يرتقي من مقام إلى مقام آخر ما لم يستوفِ أحكام ذلك المقام"2.

والواضح من خلال هذا التعريف أنّه يبيّن أنّ العبد في طريقه إلى الكمال يجب أن يرتقي درجاته، وذلك لا يتمّ إلا من خلال إدراك كلّ واحد من تلك الدرجات والمنازل والوصول إليها، وهذا يقتضي العمل على مستوى العبادة والرياضة والانقطاع، وبعبارة أخرى السير والسلوك.

تحدّث العرفاء على خصائص المقامات، ومن أبرزها:

- أنّ المقام ثابت مستقرّ لا يطرأ عليه التغيير، وعلى العبد أن يدرك المقامات ويجهد نفسه للوصول إليها, لذلك قالوا: إنّ المقامات مكاسب, أي هي أمور يجب أن يكتسبها السالك.

- إنّ وصول العبد السالك إلى المقامات وعبوره عنها لا يجري إلّا مع تعب وجهد, لأنّه لا يمكن أن يصل إلى مقام أو يرتقي إلى آخر إلا بعد عمل دؤوب ومقاساة تكلّف.

- أضاف العرفاء، أنّ صاحب المقام مُمكّن في مقامه, بمعنى أنّ الذي يصل إلى مقام معيّن فلا يمكن أن يزول أو يتنزّل عنه، على أساس أنّ شخصيته المعنوية قد تماهت وتمازجت مع ذلك المقام حتى أصبح هو بعينه، فالتائب من الذنب حقيقة لا يمكن له أن يعود إلى ارتكاب المعاصي, لأنّ التوبة قد خالطت لحمه ودمه.

- المقامات مترتبة صعودًا, بمعنى أنّ كلّ مقام هو أعلى من الآخر، ويكون جامعاً لكمالات الأدنى، فالذي يصل إلى مقام الزهد فقد عَبَرَ عن مقام التوبة، ومقام الزاهد يتضمّن التوبة, بمعنى أنّ الزاهد لا يمكن أن يكون إلّا تائبًا، وهكذا، حتى تصل إلى أعلى المقامات، فيكون قد جمع كمالات المقامات الأولى.

2- الحال:
الحال عبارة عن حالة معنوية تعتري العبد السالك أثناء سلوكه إلى الله تعالى. جاء في تعريف الحال: "الحال عند القوم معنى يَرِد على القلب من غير تعمّد منهم ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم في طرب أو حزن أو بسط أو قبض..."3.

وفي مصباح الهداية أن "الحال عبارة عن شيء يَرِد في القلب، وينزل حينًا حينًا من العالم العلوي بقلب السالك. وعندما يتمّ ذلك يقع السالك في الجذبة الإلهية، فيؤخذ من المقام الأدنى إلى المقام العلوي..."4 والحال لمحات غيبيّة تحدث في قلب السالك وهي مثل البرق، تعبر وليس لها دوام5.

أمّا أبرز خصائص الأحوال:

- الحال حالة معنوية غير مستقرّة تأتي وتزول، وعلى العارف السالك أن ينتظر فيضان الأحوال من عند الله ليقع في الجذبة الإلهية ويرى الحقائق الكمالية, لذلك قيل: العارف ابن الوقت، وفي هذا إشارة إلى أنّ العارف الحقيقي هو الذي ينتظر وقت نزول الحال عليه، فيستفيد منه في إطار السير والسلوك.

- الحال موهبة يمنّ الله تعالى بها على العبد، وذلك خلافًا للمقام على أساس أنّ المقام يتطلّب عملاً من العبد، أمّا الحال فهو لا يقتضي عملاً ولا مشقّة، بل الله تعالى، ومن باب فيضه ولطفه، يتفضل على العبد بأن ينزل عليه بعض المعاني المعنوية.

- الأحوال ليست ثابتة ولا مستقرة, بمعنى أنّ العبد قد يحصل له حال معيّن، ولكن ليس من الضروري أن يحصل له نفسه في وقت آخر. لذلك قيل إنّ صاحب الحال مترف عن حاله، فالحال عنده لا يحصل بناءً على طلبه، بل لا أثر لطلبه في ذلك، لأنّ الله هو الذي يعطيها.

أعداد المقامات والأحوال والاختلاف فيها

اختلف العرفاء في عدد الأحوال والمقامات، فاعتبر صاحب كتاب اللمع أنّ المقامات سبعة والأحوال عشرة6، أمّا المقامات فهي: التوبة، الورع، الزهد،الفقر، الصبر، التوكّل، الرضا، والأحوال: المراقبة، القرب، المحبّة، الخوف، الرجاء، الشوق، الأُنس، الاطمئنان، المشاهدة، واليقين. واعتبر ذو النون المصري أنّ المقامات تسعة عشر، بينما ذكر الجنيد أنّها أربعة7.

ولعلّ كتاب منازل السائرين للشيخ عبد الله الأنصاري أفضل أثر في تبيين المنازل وعددها، واللافت فيه أنّه جعل المقامات مئة مقسومة عشرة أقسام ذكرها بالتفصيل8. وقد أضاف العرفاء مقامات أخرى إلى ما ذكر، من أبرزها: مقام الخوف، مقام الشكر، مقام الرجاء، مقام الطلب، مقام العشق، مقام المعرفة، مقام الاستغناء، مقام التوحيد، مقام الحيرة.... وغيرها.

وكذلك زاد العرفاء أحوالاً أخرى غير ما ذكر، من جملتها: المحبّة، الغيرة، الحياء، القبض، البسط، الاتّصال، الشوق، الأنس، الهيبة، الغيرة، الخاتمة، الوصية، الجمع، التفرقة، الصحو، السكر، الذوق، المحو، الإثبات، الستر، التجلّي، والمكاشفة، وغيرها9.

أمّا لماذا اختلف العرفاء في عدد المقامات والأحوال؟ في الجواب يمكن القول:

أولاً: إنّ أغلب العرفاء كانوا لا يفرّقون بين المقام والحال، وبالتالي كان عدد الأحوال والمقامات يختلف من عارف إلى آخر.

ثانياً: إنّ إطلاق أسماء الأحوال والمقامات عند العرفاء، كان يخضع إلى ما كان يعاينه العرفاء بأنفسهم. وبعبارة أخرى: الأحوال والمقامات نتيجة تجربة عرفانية شخصية عاشها العرفاء, لذلك أطلقوا عناوين الأحوال والمقامات على كلّ ما عاينوه، وإذا كانت الحالات العرفانية تختلف من عارف إلى آخر، كان اطلاق العناوين مختلفًا أيضًا.

ثالثاً: إنّ بعض العرفاء اعتمد طريقة التعميم، بينما اعتمد آخرون التفصيل، فمن أشار إلى العناوين العامّة كانت المقامات والأحوال عنده أقلّ من الذي ذكرها التفصيلية. ولعل السبب في ذلك أن بعضهم كان يميّز بين بعض المقامات أو الأحوال، وبعضهم الآخر لا يميّز مثال ذلك أنّ بعضهم تحدّث عن: المحبّة، الشوق، الوجد، الود، الوله، والهيمان على أنّها أحوال متعدّدة، بينما اختصرها آخرون بعنوان واحد.

رابعاً: أنّ العرفاء، وكما يستخرجون أسماء الأحوال والمقامات من الحالات العرفانية الشخصية التي تحصل له، كذلك يستخرجونها من النصوص الدينية التي بين أيديهم, ولذلك اختلفت أعداد الأحوال والمقامات باختلاف النصوص الموجودة بين يدي العارف وعددها، واختلفت باعتبار طريقة قراءته للنصوص وتأويلها.

تجدر الإشارة إلى أنّ العرفاء قد استخرجوا عبارة المقام من الآيات الشريفة، بالأخصّ قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ10، و﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودً11.

دور المقامات والأحوال في السير والسلوك

أشرنا في بحث السير والسلوك إلى أنّ الهمّ الأساس للعارف الوصول إلى الغاية النهائية والمقصد الأكمل, ولذلك لا بدّ له من طريقة خاصّة يتّبعها للوصول، نصّ عليها مشايخ العرفاء ومتقدّميهم، عدا عن الوصايا الدينية المنطلقة من الآيات والروايات. من هنا تبرز أهمّية الأحوال والمقامات في عملية السير والسلوك:

أولاً: يظهر من خلال المقامات والأحوال أنّ عملية السير والسلوك ليست عملية عبثية، وليست عملية غير منظمة، بل هي سير وسلوك محدّد ومؤطّر بمنازل وحالات معيّنة، فلا يمكن الوصول إلا من خلالها. وبهذا الأسلوب يصبح السير والسلوك أمرًا ميسّرًا لكل من أراد، إذ إنّ الطريق واضح.

ثانياً: تساهم المقامات والأحوال في التفريق بين السالك الحقيقي ومدعي السلوك.

ثالثاً: إنّ توضيح العرفاء للأحوال والمقامات ورسمهم إيّاها عن طريق النصوص الدينية، يجعل السلوك حالة معنوية مؤطّرة في إطار الدين والشرع، وبذلك يتمّ إبعاد كلّ الحالات الشاذّة عن ذلك، وبعبارة مختصرة يمكن القول: إنّ الأحوال والمقامات يسهلان عملية السير والسلوك، ويوضّحان الطريق، ويضمنان الوصول.

* كتاب علم العرفان، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- كشف المحجوب للهجويري، ص 224، نقلاً عن: مقدّمات تأسيسية، ص 23.
2- القشيري، عبد الكريم، الرسالة القشيرية، تصحيح بديع الزمان فروزانفر، مركز النشر العلمي والثقافي، ط 2، 1361، ش، ص 124.
3- المصدر نفسه، ص 125.
4- مقدّمات تأسيسية، ص 24.
5- أسرار الشريعة، ص 731.
6- مقدمات تأسيسية، ص 25 و 37.
7- رزق، خليل، العرفان الشيعي، ص 320.
8- المصدر نفسه، ص 323.
9- راجع: مقدمات تأسيسية، ص 51 ـ 52.
10- سورة الصافات، الآية 164.
11- سورة الإسراء، 79.

07-11-2015 عدد القراءات 789



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا