12 كانون الأول 2017 الموافق لـ 23 ربيع الأول 1439هـ
En FR

المعارف الإسلامية :: علم العرفان

العرفان العملي (السير والسلوك)



العرفان العملي (السير والسلوك)

مقدّمة

يعتقد العرفاء أنّ لكلّ موجود من الموجودات حركة بها يطلب كماله، لا فرق في ذلك بين الموجودات السفلية المنتمية إلى عالم المادة، والعلوية الروحانية، حيث تسير بأجمعها إلى غاياتها الكمالية. وأعظم مقصد لها هو الحقّ تعالى، فهو غاية الغايات ومقصد المقاصد ونهاية النهايات. وقد أشارت العديد من الآيات الشريفة إلى هذه الحقيقة1. وأمّا سبب التوجّه نحو الله تعالى، فهو لأجل معرفته وعبادته بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ2.

تعريف السير والسلوك

إنّ الوصول إلى المقصد الأعلى يقتضي اجتياز المنازل والمراحل والمقامات، وهذا ما يسمّى، في لسان العرفاء بالسير والسلوك3. وقد عرفوا السير والسلوك فقالوا.

السلوك هو العلم والبرنامج الذي يُبْحث فيه عن كيفية منازل السير نحو القرب الإلهي وخصائصه4. والسلوك بهذا المعنى هو طيّ الطريق، أمّا السير كما يعبّر صاحب لبّ اللباب عبارة عن مشاهدة آثار وخصائص المنازل والمراحل أثناء الطريق5.

وقيل في تعريف السلوك أيضاً إنّه: هيئة نفسية روحية للترقّي والتكامل، والانتقال في الأصول والمقامات..."6.

وبعبارة مختصرة يمكن القول: إنّ السلوك عبارة عن الطريقة التي ينتهجها الشخص للوصول إلى المقصد والغاية, أي الله تعالى. فكلّ عارف إذا كان يعمل لأجل القرب من الله والفناء فيه، فلا بدّ أن يتّبع طريقة محددة توصله إلى المقصود، وليس إلى سواه.

وبما أنّ العرفاء يعتقدون بأنّ كافّة الموجودات تسير نحو التكامل، وتتّبع طريقاً معيّنًا في الوصول إليه، فليس السير والسلوك مختصّاً بالإنسان، بل كافة المخلوقات تتوجّه إليه، وتطلب الوصول إليه.

حقيقة السلوك عند العرفاء

يبيّن العرفاء أنّ السلوك هو الطريقة التي يقطع بها السالك المسير للوصول إلى الحقّ تعالى، ويضيفون بأنّ هذا السلوك هو في الحقيقة سلوك معنوي، أي إنّه يتمّ بواسطة النفس وليس البدن، ويوضّحون أنّ سلوك النفس ومسيرها يقع ضمن أربع مراحل أطلقوا عليها الأسفار الأربعة، أي الرحلات الأربع وهي:
الأوّل: السير إلى الله من منازل النفس والوصول إلى الأفق المبين. هنا يفترض أن ينسى الإنسان الظاهر المادي، وينطلق نحو الباطن المعنوي المختزن فيه.
الثاني: السير في الله بالاتّصاف بصفاته، والتحقّق بأسمائه، والوصول إلى الأفق الأعلى، وهو نهاية الحضرة الواحدية.
الثالث: الترقّي إلى عين الجمع والحضرة الأحدية، وهو المسمّى عندهم بقاب قوسين.
الرابع: هو مقام زوال الاثنينية، والبقاء بالله بعد الفناء فيه.

شروط السلوك

تحدّث العرفاء عن مجموعة من الشروط التي يجب توافرها ليتمكّن العارف من السلوك نحو الحقّ تعالى، وأبرز هذه الشروط:

المناسبة بين الحقّ والخلق
يقصد العرفاء من المناسبة مطلق العلاقة والارتباط بين شيئين، وهي أمر ضروري بين المحبّ والمحبوب. والمناسبة أعمّ من المجانسة، وتتحقّق بمحض الارتباط. يعتقد السيد حيدر الآملي أنّ العقل السليم يحكم بأنّه لو لم يكن بين الحقّ والخلق مناسبة أصلاً، لم يمكن تصوّر محبّة بينهما، وإذا كانت المحبة قائمة لم يكن بدٌ من وجود مناسبة بأيّ شكل وقعت، وعلى أيّ نحو تحقّقت8.

والمناسبة لا بدّ أن تحصل من جانب الخلق، لا من جانب الخالق, لاستحالة أن يحصل التبدّل في ذاته، هذا الإنسان الذي يجب أن ينزّه نفسه ويحصّنها لتصبح في مقام التناسب مع الخالق.

وقد حدّد العرفاء المناسبة من وجهين:
الأول: أنّ الكثرة والتغيّر وكلّ ما يحيط بالعبد من خصائص لا يؤدّي إلى إيجاد تغيير في الحقّ تعالى.
الثاني: أن يتّصف العبد بصفات الحقّ، ويتحقّق بأسمائه كلّها. وقد أشار العرفاء إلى إمكان تحقّق الأمرين معًا. فلا بدّ للعارف من التعالي والترفّع عن حدود البشرية إلى صقع عالم القدس وحضرة التجرّد المحض على أساس أنّ المحبّ يجب أن يعمل كلّ جهده للوصول إلى المحبوب، ولا بدّ لذلك من الاتّصاف بصفات المحبوب وكمالاته9.

قمع هوى النفس
إنّ هوى النفس هو الذي يجعل النفس تميل نحو شهواتها ومقتضياتها الطبيعية البدنية، وإذا مالت النفس إلى ذلك جذبت القلب إليها، فيموت وتنعدم حياته الحقيقية العلمية بالجهل. وأمّا إذا تمكّن السالك من إزالة النفس عن الميل للهوى، انصرف القلب إلى عالم القدس والنور والحياة الذاتية التي لا تقبل العدم والموت أصلاً. وإلى ذلك أشارت الآية الشريفة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَ. يشير الآملي إلى أنّ إماتة النفس وأبعادها عن الهوى هو الذي يعبّر عنه بالتوبة، بمعنى أنّ من تاب فقد قتل نفسه وأماتها بالموت الإرادي الاختياري بقمع الهوى والشهوة10.

رفع الحجب
إذا كان لا بدّ للسالك من السير نحو الكمال فقد يعترض طريقه بعض الحجب التي تمنعه عن رؤية المحبوب الحقيقي, إذ عدم رؤيته يمنع الشهود القلبي. لذلك لا يمكن للعارف الوصول إلا إذا رفع الحجب. ويقصد العرفاء من الحجب والموانع، الأخلاق الذميمة كلّها وقبائح الصفات والملكات الرديئة. وأمّا وسائل الإزالة فكثيرة عندهم، ومن أبرزها: ترويض النفس على الفضائل، وتعويدها على محاسن السلوك وجميل الصفات، وكبح جماح النفس وقمع هواها، وكذلك العزلة والخلوة والعمل بمقتضى التكاليف الشرعية والتزامها11.

الشيخ والمرشد

يعتقد العرفاء أنّ السلوك لا يستقيم إلا إذا تمّ بمساعدة شيخ ومرشد، باعتباره أنّه الإنسان الكامل في الرؤية العرفانية، والسبب في ذلك أنّه مطّلع على الحقائق وعارف بالمقامات وكيفية قطعها والانتقال من واحد إلى آخر، وأنّه يمتلك القدرة على تعريف السالك وإيقافه في المواقف وإيصاله إلى المطالب من دون تعب ولا عناء، وهو الذي يعرف أيسر الطرق وأسهلها في الوصول وبه يَطْمئِنُ السالك إلى وصوله12.

يقول العارف السيد حيدر الآملي: "أما لو قصد السالك الطالب الغاية بنفسه، ومن دون معاونة شيخ، فإنّه يحتاج إلى معاناة. وربما سلك طرقًا متعدّدة لم يستطع أن يميّز الأصلح بينها، وربّما سلك طريقاً معتقدًا صلاحه فبان له بعد جهد ومزاولة أنّه لا يؤدّي إلى شيء فسلك غيره، فإن وصل فلا بدّ أن يكون ذلك بعد جهد وعناء، وربّما لم يوصله شيء ممّا سلكه من طرق إلى مقصوده"13.

* كتاب علم العرفان، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة الأنعام، الآية 38، سورة الحج، الآية 18، سورة النور، الآية 41، سورة الإسراء، الآية 44 وغيرها من الآيات الشريفة التي جعلها العرفاء مصدرًا لاعتقادهم بالتوجّه نحو الكمال.
2- الآملي، حيدر، أسرار الشريعة، تحقيق محمد خواجوي، ط 1، طهران، مؤسسة الدراسات والمطالعات الثقافية، 1392هـ.ش، ص 7.
3- رزق، خليل، العرفان الشيعي، أبحاث السيد كمال الحيدري، بيروت، دار الهادي، ط 1، 2008، ص 307.
4- المصدر السابق، ص 309.
5- الطهراني السيد محمد حسين الحسيني، رسالة لبّ اللباب في سير وسلوك أولي الألباب، ترجمة عباس نور الدين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1412هـ. ص 24.
6- حمية، خنجر، العرفان الشيعي، دار الهادي، بيروت، ط 1، 2004، ص 532.
7- المصدر نفسه، ص 541.
8- أسرار الشريعة، ص 52.
9- حمية، خنجر، العرفان الشيعي، 549 ـ551.
10- أسرار الشريعة، ص 114.
11- حمية، خنجر، العرفان الشيعي، ص 558.
12- المصدر نفسه، ص 559.
13- الآملي، حيدر، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، تحقيق هنري كوربان وعثمان يحيى، طهران، اللجنة الفرنسية للدراسات الإيرانية، 1318 هـ.ش، ص 246.

06-11-2015 عدد القراءات 1335



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا