22 تشرين الأول2017 الموافق لـ 02 صفر 1439هـ
En FR

المعارف الإسلامية :: علم الفقه

المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (6) أصفهان- كربلاء



مدرسة أصفهان
انتقلت مدرسة جبل عامل إلى أصفهان في أيّام الصفويين، وذلك لسببين رئيسين هما: اضطهاد العثمانيين لفقهاء الشيعة في الشام من جهة، وحاجة الصفويّين الشيعة إلى الفقهاء لتولّي شؤون القضاء والفتيا، والتوجيه، وتكريس علاقة الدولة بفقه أهل البيت عليهم السلام من الناحية الفقهيّة والثقافيّة، وتغطية الجانب الشرعيّ للدولة، من جهةٍ ثانيةٍ.

الكركيّ والدولة الصفويّة
في أواسط القرن العاشر الهجريّ استجاب أوّل فقيهٍ عامليٍّ لدعوة الصفويّين وهو المحقّق الكركيّ وهو الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الشهير بالمحقّق الثاني. التقى المحقّق بالشاه إسماعيل الصفويّ في (هرات) إبّان فتحه لها في قمّة مجده العسكريّ وانتصاراته، وبارك له هذا النصر واستقبله الملك المنتصر في نشوة فتوحاته العسكريّة باحترامٍ وتقديرٍ كبيرين، وطلب منه أن ينتقل معه إلى إيران ليتولّى شؤون الدولة الشرعيّة والفقهيّة بموجب مذهب أهل البيت عليهم السلام.

واستطاع المحقّق الكركيّ أن يقنع جمعاً من زملائه وأصدقائه وتلاميذه في جبل عامل بالهجرة إلى إيران، والإفادة من هذه الفرصة السانحة لنشر وتكريس فقه أهل البيت عليهم السلام، وبسط نفوذ الفقهاء في هذه الدولة الفتيّة. واستطاع فعلاً أن يحقّق خلال هذه الفترة أهدافه بصورة جيّدة، ونجح في بسط نفوذ المؤسّسة الفقهيّة إلى حدٍّ بعيدٍ، ممّا جعل النافذين في البلاط الملكيّ يتضايقون منه بصورةٍ أو بأخرى، وأدّى ذلك فعلاً إلى برودٍ ملحوظٍ في علاقة المحقّق ببعض أجنحة البلاط، فآثر المحقّق مغادرة إيران إلى العراق، والعودة إلى النجف مرّة أخرى، لمعاودة نشاطه الفقهيّ في هذه المدينة المقدّسة، بجوار مرقد أمير المؤمنين عليه السلام.

مكث المحقّق قرابة ستّ سنوات في النجف توفّي خلالها الشاه إسماعيل، وخلف على الملك ابنه طهماسب. ويبدو أن الفراغ الذي خلّفه المحقّق الكركي من بعده أضرّ بالدولة، وكان الجمهور يطالب بإلحاحٍ بعودة المحقّق الكركي إلى إيران، فلم يجد الشاه بديلاً عن المحقّق مما جعله يطلب من المحقّق العودة إلى إيران لتسلّم منصب شيخ الإسلام في عاصمة ملكه (أصفهان).

فاستجاب المحقّق للدعوة ورجع إلى أصفهان عاصمة الصفويّين بصفة (نائب الإمام)، وهذه الصفة تمنحه بطبيعة الحال الولاية المطلقة في شؤون النظام والأمّة، وتجعل مشروعيّة النظام تابعةً لإذن الفقيه. وأقرّ النظام الصفويّ للمحقّق بهذه الولاية المطلقة النائبة عن ولاية الإمام، وصرح له الملك " بأنّ معزول الشيخ لا يستخدم، ومنصوبه لا يعزل"1.

كان وفود المحقّق الكركيّ على عاصمة الصفويّين بدايةً لهجرةٍ واسعةٍ من قبل فقهاء جبل عامل، والمراكز الفقهيّة العامرة الأخرى في ذلك التاريخ مثل البحرين. فقدم إلى إيران جمعٌ من كبار الفقهاء العامليّين نذكر منهم: الشيخ حسين بن عبد الصمد- والد الشيخ البهائيّ-، والشيخ علي المنشار،وكمال الدين درويش محمّد العامليّ، والشيخ لطف الله الميسيّ العامليّ، والشيخ الحرّ العامليّ صاحب موسوعة ( وسائل الشيعة)، وغيرهم ممّن ذكرهم الحر العامليّ رضوان الله عليهفي كتابه (أمل الآمل)، وهؤلاء الفقهاء وضعوا أساساً متيناً لمدرسة إصفهان الفقهيّة.

ثمّ نبغ من هذه المدرسة فقهاءٌ ومحدّثون، وفلاسفةٌ كبارٌ أمثال:
الشيخ البهائيّ، والعلامة المجلسيّ (الأبّ)، والعلّامة المجلسيّ (الابن)، والسيّد محمّد باقر الداماد، وصدر المتألّهين الشيرازيّ، والفيض الكاشانيّ، والملّا عبد الله الشوشتريّ.

ملامح مدرسة أصفهان
1- برز الفقه السياسيّ والاجتماعيّ بصورةٍ ملحوظةٍ، وأصبح من مسؤوليّة الفقهاء الإجابة الفقهيّة على كثيرٍ من الأسئلة التي كان يطرحها الولاة، والحكّام والقضاة، في مسائل الولاية والحكم والقضاء. وتناول الفقهاء هذه المسائل بالدراسة المستقلّة ضمن رسائل فقهيّة مستقلّة.

2- أنجز المحدّثون المجاميع والموسوعات الحديثيّة، ومن أهمّها
أ- كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسيّ.
ب- وسائل الشيعة للحرّ العامليّ.
ج- الوافي للفيض الكاشانيّ.

حفظت لنا هذه المجاميع ما تبقى من الكتب والأصول الحديثيّة، ولولاها لاندثر الكثير من تراث أهل البيت في الأصول والفروع والتفسير والأخلاق والمعارف الإسلاميّة الأخرى.

مدرسة كربلاء:
كانت في كربلاء مدرسةٌ فقهيٌّة محدودةٌ قبل القرن الثالث عشر بموازاة مدرسة الحلّة ومدرسة جبل عامل ومدرسة أصفهان. وكان في هذه المدرسة فقهاءٌ وعلماءٌ كبارٌ أمثال:

الشيخ أحمد بن فهد الحليّ من أقطاب الفقه والحديث، والشيخ إبراهيم الكفعميّ من أعلام الفقه والحديث وصاحب التآليف القيّمة، والسيّد حسين بن مساعد الحائريّ في القرن التاسع الهجريّ، والسيّد ولي الحسين الحائريّ صاحب كتاب مجمع البحرين، والمولى القاضي محمّد شريف الكاشف في القرن الحادي عشر الهجريّ، والسيّد نصر الله الحائريّ الفقيه الأديب الشاعر المعروف في القرن الثالث عشر، وغيرهم من أعلام الفقه والأدب والحديث والتفسير في هذه المدرسة العلمية.

أبرز علماء المدرسة:
شهدت هذه المدينة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر نشاطاً فقهيّاً واسعاً، وزخرت بفقهاء كبار أمثال:
الشيخ يوسف صاحب الحدائق، والوحيد البهبهاني، والسيّد مهدي بحر العلوم والمولى محمّد مهدي النراقي صاحب مستند الشيعة، والسيّد مهدي الشهرستانيّ، والسيّد علي الطباطبائيّ صاحب الرياض، والسيّد محمّد المجاهد الطباطبائيّ، والشيخ شريف العلماء، والشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ صاحب الفصول، والسيّد إبراهيم القزوينيّ صاحب الضوابط، والمولى محمّد صالح البرغانيّ، وغيرهم من أساطين العلم، وأعلام الطائفة.

ويبدو أنّ مدرسة كربلاء بدأت تتّسع في النكبة التي أصابت أصفهان في فتنة محمود الأفغانيّ، وأخذت تستقطب طلبة العلم والفقهاء والعلماء والمدرّسين.
وأمّا الشيخ يوسف البحرانيّ فمن أبرز الأسماء اللامعة في هذه المدرسة، وهو مؤلّف الموسوعة الفقهيّة القيمة الحدائق الناضرة، حلّ بكربلاء بحدود عام 1169 هـ‍ فحفّ به طلاب العلم، وارتشفوا من نمير علمه العذب، وتسلّم في كربلاء زعامة التدريس والزعامة الدينيّة، وبقي في هذه المدينة قرابة عشرين عاماً حتّى وافاه الأجل فيها. وكان من زعماء المدرسة الأخباريّة في طريقة استنباط الحكم الشرعيّ. وكانت هذه الطريقة يومئذ هي الطريقة المعروفة في أوساط المدارس الفقهيّة للشيعة الإماميّة.

تخرّج على يده خلال هذه المدّة عددٌ من كبار الفقهاء أمثال:
أبي علي الحائريّ صاحب منتهى المقال، والميرزا القميّ صاحب القوانين، والسيّد علي الطباطبائي الحائريّ صاحب الرياض، والسيّد مهدي بحر العلوم صاحب الفوائد الرجالية، والمولى أحمد النراقي مؤلف مستند الشيعة، والسيّد ميرزا الشهرستاني، والسيّد ميرزا مهدي بن هداية الله الأصفهانيّ الخراسانيّ الشهيد.

ونزل بكربلاء الشيخ محمّد باقر الوحيد البهبهانيّ، وكان نزوله بهذه المدينة إيذاناً بمرحلةٍ جديدةٍ في الاتجاه الفقهيّ في مدرسة كربلاء. فقد بدأ الوحيد عمله الفقهيّ بالدعوة إلى الاتجاهَ الأصوليّ، والاجتهاد، ومواجهة المدرسة الأخباريّة، التي كان يتزعمها آنذاك الملا أمين الاسترآبادي، الذي كان شديد التعصّب لهذه الحركة، وأخيراً وبعد صراعٍ فكريٍّ طويل، نجح الوحيد في رسالته العلميّة وأبرز الاتجاه الأصوليّ، واستقطب خيرة تلامذة الشيخ يوسف البحرانيّ وجمعهم حوله، وساعده على ذلك اعتدال الشيخ يوسف في الموقف بين المدرستين، وموقعيّة الشيخ العلميّة والاجتماعيّة، فانحسرت الحركة الأخباريّة وانزوت، ولم تستعد نشاطها بعد ذلك التاريخ.

ملامح المدرسة
1- كانت مدرسة كربلاء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ساحةً للصراع الفقهيّ بين المدرستين الذي انتهى إلى بروز المدرسة الأصوليّة وانحسار المدرسة الأخباريّة.
2- ظهور عدد من العلماء الذين تربّوا على يد الوحيد البهبهانيّ يحملون الفكر الأصوليّ، ممّا ساعد على غلبة هذه المدرسة ورسوخها واستمرارها.
3- كثرة المؤلفات الأصوليّة (لا سيّما للوحيد البهبهانيّ)التي يقرب عددها من الستين كتاباً، خصّص جملةً منها في ردّ الشبهات عن المدرسة الأصوليّة ودحض شبهات الأخباريين ونظرياتهم2.

عودة مدرسة النجف الأشرف وقم المقدّسة
بعد وفاة الوحيد البهبهانيّ سنة 1206 هـ عاد إلى النجف قطبان كبيران من تلامذته وهما: السيّد مهدي بن مرتضى الطباطبائيّ الملقّب ببحر العلوم (ت: 1212 هـ)، والشيخ جعفر بن خضر الجناحيّ المعروف بكاشف الغطاء، نسبة لكتابه الفقهيّ كشف الغطاء. وبعودتهما ازدهرت حوزة النجف العلميّة، وقصدها الطلاب والأساتذة. وما زالت حتّى عصرنا الحاضر، رغم الظروف السياسيّة الصعبة التي مرّت على الحوزة العلميّة في ظلّ النظام البعثي العراقيّ، ممّا جعل الكثير من علماء النجف يهاجرون خارج العراق، وانتقل الكثير منهم إلى حوزة قم المقدّسة- التي كان قد أعاد إليها سابق مجدها الشيخ عبد الكريم الحائريّ (ت: 1355 هـ)- خصوصاً بعد انتصار الجمهوريّة الإسلاميّة، وتحقيق أوّل دولةٍ تقوم على نظام ولاية الفقيه وذلك على يد مفجّر الثورة الإمام روح الله الموسويّ الخمينيّ العظيم، وأصبحت الظروف مهيّأةً لاستقبال طلاب العلوم الدينيّة الشيعة في ظلّ نظامٍ شيعيٍّ، فازدهرت حوزة قم من جديدٍ، وهي إلى هذا الزمن تعجّ بآلاف الطلبة والأساتذة والعلماء الكبار. كلّ ذلك يعود فضله للجهود التي بذلها كبار علمائنا للحفاظ على التشيّع، ونهج أهل البيت عليهم السلام، حتّى وصلت هذه الرسالة الإلهيّة إلى زماننا الحاضر كما أرادها الله وأهل بيته عليهم السلام بأيادٍ أمينةٍ، تناقلهاأصحابها من جيلٍ إلى جيلٍ، باذلين في الحفاظ عليها المهج والأرواح.

الخلاصة
مدرسة أصفهان
:انتقلت مدرسة جبل عامل إلى أصفهان في أيّام الصفويّين، بسبب اضطهاد العثمانيّين لفقهاء الشيعة، وحاجة الصفويّين الشيعة إلى الفقهاء.

ملامح مدرسة أصفهان
1- برز الفقه السياسيّ والاجتماعيّ بصورةٍ ملحوظةٍ.
2- إنجاز المجاميع والموسوعات الحديثيّة، ومن أهمّها:كتاب بحار الأنوار، وسائل الشيعة، والوافي للفيض الكاشانيّ.

مدرسة كربلاء:كانت في كربلاء مدرسةٌ فقهيٌّة محدودةٌ قبل القرن الثالث عشر بموازاة مدرسة الحلّة ومدرسة جبل عامل ومدرسة أصفهان.

ملامح المدرسة
1- كانت مدرسة كربلاء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ساحةً للصراع الفقهيّ بين المدرستين الذي انتهى إلى بروز المدرسة الأصوليّة وانحسار المدرسة الأخباريّة.
2- ظهور عدد من الأصوليّين، ممّا ساعد على غلبة هذه المدرسة ورسوخها واستمرارها.
3- كثرة المؤلفات الأصوليّة.

عودة مدرسة النجف الأشرف وقم المقدّسة
سنة 1206 هـ عاد إلى النجف الأشرف قطبان كبيران هما بحر العلوم وكاشف الغطاء، فازدهرت حوزة النجف العلميّة، وقصدها الطلاب والأساتذة، وما زالت حتّى عصرنا الحاضر.
وأعاد الشيخ عبد الكريم الحائريّ (ت: 1355 هـ) إلى قم المقدسة سابق مجدها. وقد اصبحت مركزاً يستقطب العلماء والطلاب من أقطار العالم نتيجة قيام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران من جهة، وقسوة الظروف السياسية في النجف الأشرف التي انتقل الكثير من علمائها إلى قم المقدّسة، فازدهرت حوزة قم من جديدٍ، وهي إلى هذا الزمن تعجّ بآلاف الطلبة والأساتذة والعلماء الكبار.

* علم الفقه, سلسلة مداخل العلوم , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- ولا شكّ أنّ هذا حدثٌ جديدٌ في تاريخ فقه أهل البيت. ولأوّل مرّة في التاريخ يتصدّى فقيهٌ إماميٌّ لشؤون الولاية العامّة، من موقع السيادة والولاية الشرعيّة نيابةً عن الإمام.
2- رياض المسائل، علي الطباطبائي، ص102، بتصرف.

01-11-2015 عدد القراءات 800



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا