18 تشرين الأول2017 الموافق لـ 27 محرّم 1439هـ
En FR

المعارف الإسلامية :: علم الفقه

المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (3) بغداد والنجف



أسباب الانتقال إلى بغداد
انتقلت المدرسة من قم والريّ إلى بغداد في القرن الخامس الهجريّ، وذلك لأسبابٍ نذكر منها:
1- ضعف جهاز الحكم العباسيّ: حيث ضعفت سيطرتهم في هذه الفترة، ولم يجد الجهاز الحاكم القوة الكافية لملاحقة الشيعة والضغط عليهم، كما كان في زمن المنصور والرشيد والمتوكّل والمعتصم، فوجد فقهاء الشيعة سعةً للظهور ونشر الفقه الشيعيّ، وممارسة البحث الفقهيّ علانيةً.

2- ظهور شخصيّاتٍ فقهيةٍ كبيرةٍ: كالشيخ المفيد والسيّد المرتضى، حيث كانوا يستغلّون مكانة بيوتهم الاجتماعية، ومكاناتهم السياسية في نشر الفقه الشيعيّ وتطوير دراسته.

3- توسّع المدرسة: ممّا أدّى إلى سيطرة البويهيّين الشيعة في ذلك الوقت، وكانت البيئة الجديدة صالحةً لتقبّل هذه المدرسة، وتطويرها وخدمتها.

فبغداد تعتبر مركزاً ثقافيّاً كبيراً من مراكز الحركة العقليّة في العالم الإسلاميّ، يقطنها الآلاف من الفقهاء والمحدّثين، وينتشر في أرجائها آلاف المدارس والمكاتب والمساجد التي كان يحتشد فيها جماهير الطلاب والمدرّسين والعلماء كلّ يوم للدرس والمطالعة، والبحث والمناقشة، فكان لانتقال المدرسة إلى هذا الجوّ الفكريّ على يد علماء كبار أمثال المفيد والمرتضى والطوسيّ الأثر الكبير في الحركة الفكريّة القائمة في حينه. فبعد أن تكاملت مدرسة الفقه الشيعيّ في قم والريّ وتأصّلت، وظهرت ملامح الاستقلال عليها وتبلورت أصولها وقواعدها في بغداد، ورغم كثرة مدارس البحث الفقهيّ في بغداد في ذلك الحين، كانت مدرسة أهل البيت عليهم السلام فيها أوسعها وأضخمها وأعمقها جذوراً وأصولاً وأكثرها تأصّلا واستعداداً، وأقومها في الاستدلال والاحتجاج، وكلّ ذلك كان يبعث طلّاب الفقه على الالتفاف حول هذه المدرسة أكثر من غيرها.

أبرز علماء الشيعة في مدرسة بغداد والنجف

1- المفيد: أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان الملقّب بالمفيد البغداديّ (336- 413 هـ)، ولد في عكبرا، وانتقل منها في أيّام صباه إلى بغداد بصحبة والده، ونشأ فيها، وتفرغ لطلب العلم، فعرف وهو صغيرٌ بالفضل والنبوغ. استقلّ بالتدريس في بغداد وهو بعد لم يتجاوز سنّ الشباب، وتفرّغ للفقه والكلام، وكان يحضر مجلس درسه آلاف الطلاب من الشيعة والسنّة، وبرز من تلاميذه رجالٌ كبارٌ أمثال السيّد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، ساهموا في توسعة المدرسة وتطويرها.

يقول العلامة الحلّيّ: "من أجلّ مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وكلّ من تأخّر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية، أوثق أهل زمانه وأعلمهم، انتهت رئاسة الإماميّة في وقته إليه، وكان حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، له قريب من مائتي مصنّف"1.

2- المرتضى علم الهدى( 355- 436 هـ) وأخوه الرضيّ:
وهما من أبرز تلامذة الشيخ المفيد الذي عنيَ بهما عنايةً فائقة. تفرّغ المرتضى إلى الفقه بجانب تخصّصه في الأدب، وإلى جانب مؤهّلاته الفكريّة، وجهده الكبير في طلب العلم وعناية أستاذه به، ومكانة أسرته الاجتماعية والثقافيّة، لم يتوقّف عن البحث والتحقيق حتّى خلف أستاذه المفيد بعد موته، وتولّى بنفسه مهمّة التدريس، وزعامة الطائفة، واحتشد حوله الطلاب.

طوّر كثيراً من مناهج الفقه، وكتب الأصول ودرسها. وربما يصحّ اعتباره من أسبق من ارتاد هذا الحقل من حقول الفكر الإسلاميّ. وقد عدّ له السيّد الأمين في الأعيان ما يقرب من تسعين مؤلّفاً من مؤلفاته ممّا عثر على اسمه2.

3- الشيخ الطوسيّ: رئيس الطائفة وهو محمّد بن الحسن الطوسيّ (385- 460 هـ): ولد في طوس في شهر رمضان سنة 385 هـ بعد أربع سنوات من وفاة الشيخ الصدوق، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد سنة 408 هـ وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكانت زعامة المذهب الجعفريّ يومذاك لشيخ الأمّة المفيد، فلازمه وعكف على الاستفادة منه، حتّى اختار الله لأستاذه دار البقاء، فانتقلت زعامة الدين، ورئاسة المذهب إلى أبرز تلاميذه السيّد المرتضى، فانحاز شيخ الطائفة إليه، ولازم الحضور تحت منبره، وعني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، واهتمّ به أكثر من سائر تلاميذه، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة حتّى توفي السيد المرتضى سنة 436 هـ، فاستقلّ الشيخ الطوسيّ بالإمامة، وأصبح علماً للشيعة وناشراً للشريعة، وقد تقاطر عليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه، والحضور تحت منبره، وقصدوه من كلّ بلد ومكان وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة.

عايش تجربة تطوير البحث الفقهيّ والأصوليّ في ظلّ أستاذيه الكبيرين( المفيد والمرتضى)، وكانت فترة مخاض، تمخّضت عنها المدرسة الفقهيّة الجديدة، وعانى ما تتطلّب هذه الفترة من جهدٍ وتعبٍ. واستمرّ بعد أستاذيه في تطوير المدرسة فكانت حياة الشيخ الطوسيّ في مرحلتي التلمذة والتدريس سلسلةً طويلةً من المحاولات التجديديّة، لتطوير الفقه وصياغته من جديدٍ، وتجديد أصول الصناعة والصياغة والاستدلال فيه.

انتقل الشيخ الطوسيّ إلى النجف الأشرف سنة 448 هـ حينما هجموا على داره واحرقوا مكتبته ومنبره. وظلّ ماسكاً بزمام زعامة الشيعة وهو في النجف، والتحق به عددٌ من الطلّاب والعلماء، والتفوا حوله لتتشكّل من ذلك مدرسةٌ جديدة قي النجف الأشرف، ما زالت قائمة إلى يومنا الحاضر، وظلّ يمارس التدريس والتأليف وتطوير مناهج الدراسة الفقهيّة اثنتي عشرة سنةً حتّى آثره الله لدار لقائه في المحرّم سنة 460 هـ.

ذكر العلامة الجليل الشيخ آغا بزرك اسماء 47 مؤلِّفاً للشيخ ممّا وصل إليه من أسماء مصنفاته.

ملامح المدرسة
لقد كان البحث الفقهيّ في مدارس المدينة والكوفة وقم، لا يخرج عن حدود استعراض السنّة، ونقل الحديث، ولم يبلغ رغم تطور المدرسة في عهودها الثلاثة مرحلة الرأي والاجتهاد. ويلمس الباحث لأوّل مرّةٍ آثار الصناعة والصياغة الفنيّة، والاجتهاد والرأي، في هاتين المدرستين، لا سيما في كتابات السيّد المرتضى الأصوليّة، وكتب الشيخ الطوسيّ الفقهيّة والأصوليّة، ولعلّ من أبرز ملامح هاتين المدرستين:

1- خروج الفقه عن الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب: وما صحّ من السنّة إلى معالجة النصوص، واستخدام الأصول والقواعد: فقد انقلبت في هذه المدرسة عمليّة الاستنباط إلى صناعةٍ علميّة3 لها أصولها وقواعدها.

2- فصل البحث الأصوليّ عن البحث الفقهيّ، وإفراده بدراساتٍ ومطالعاتٍ خاصّةٍ: فقد قام السيّد المرتضى لأوّل مرّةٍ بمحاولةٍ جديدةٍ تهدف لدراسة المسائل الأصوليّة منفصلةً عن الفقه بصورةٍ موضوعيةٍ، ونقّح المسائل الأصوليّة في كتبٍ ودراساتٍ مستقلّةٍ، إلا أنّها كانت مع ذلك بدائيّةً ولم تتجاوز في غالب الأحوال مباحث الألفاظ، من الأوامر والنواهي ودلالات هيئات الألفاظ وموادها.

3- تفريع المسائل الفقهيّة واستحداث فروعٍ جديدةٍ:
لم تتعرّض لها نصوص الروايات. فبعد أن كان البحث الفقهيّ لا يتجاوز حدود بيان الحكم الشرعيّ باستعراض الروايات الواردة في الباب، أخذت تُطرح وتُعالج فروع جديدةٌ لم تتعرّض لها الروايات، وربما يصحّ القول: إنّ الشيخ الطوسيّ كان أوّل من قام بهذه التجربة في كتابه المبسوط 4.

4- ظهور الفقه المقارن أو الفقه الخلافيّ: وذلك بعد أن تمركزت المدرسة الشيعيّة في الفقه في بغداد، وفرضت وجودها العلميّ على سائر المدارس العلميّة، ممّا أثار حفيظة أصحاب المذاهب الفقهيّة الأخرى، وأعلنوا المعارضة بوجه المدرسة، وأثاروا المسائل الخلافيّة بصورةٍ حادّةٍ، ممّا أدّى إلى اصطدام فقهاء الشيعة بفقهاء المذاهب الأخرى، في الندوات والمجالس العامّة حول المسائل الفقهيّة الخلافيّة. ومهما كانت الدوافع لإثارة هذه المسائل، فقدت أدّت إلى خصوبة البحث الفقهيّ، واتساع رقعة الخلاف بين المذاهب الإسلاميّة، وتفرّغ بالتالي فقهاء الشيعة لبحث المسائل الخلافيّة بصورةٍ موضوعيّةٍ.

ظهر هذا النوع من البحث الفقهيّ لأوّل مرّةٍ على يد المفيد والمرتضى والطوسيّ، وتوسّع الشيخ الطوسيّ بشكل خاصّ في دراسة هذا الجانب من البحث الفقهيّ في كتابه الكبير الخلاف، الذي تناول فيه المسائل الفقهيّة الشيعيّة والسنّيّة، في مختلف أبواب الفقه، وتعرّض لأدلّة كلا الطرفين، وناقش آراء المذاهب الأخرى في كثير من المسائل 5.

5- ظهور الإجماعات6 والاستدلال بها: فإنّ توسّع البحث الفقهيّ وتكامله دفع الفقهاء إلى استكشاف أدلّة جديدةً للاستنباط، في الأمور التي لم يجدوا في موردها نصّاً، أو لم يقتنعوا بسلامة النصّ من حيث السند، أو الدلالة، فوجدوا في إجماع فقهاء المذاهب عامّة، أو فقهاء الطائفة في عصر واحدٍ دليلاً على وجود نصٍّ شرعيٍّ يجوز الاعتماد عليه، إذ من غير الممكن أن يجمع فقهاء المذاهب على حكمٍ دون وجود نصٍّ عليه أو دليلٍ على سلامة الحكم. وقد ظهر الاحتجاج بالإجماع بصورةٍ واضحةٍٍ في كلمات السيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ بصورةٍ خاصّةٍ. وهناك تبريرات أخرى لوجود هذه الإجماعات نوكل دراستها لمراحل أعلى إن شاء الله لمن أراد التوسّع.

خلاصة الدرس
مدرسة بغداد والنجف: انتقلت المدرسة الفقهيّة من قمّ إلى بغداد، بسبب ضعف جهاز الحكم العبّاسيّ وظهور شخصيّات فقهيّة كبيرة هناك، وتقبّل البيئة المحيطة لهذه المدرسة، ثمّ بعد ذلك إنتقلت إلى النجف الأشرف من خلال الشيخ الطوسي رضوان الله عليه.

ملامح مدرسة بغداد والنجف
1- معالجة النصوص، واستخدام الأصول والقواعد.
2- انفصال البحث الأصوليّ عن البحث الفقهيّ.
3- تفريع المسائل الفقهيّة واستحداث فروعٍ.
4- ظهور الفقه المقارن أو الفقه الخلافيّ.
5- ظهور الإجماعات والاستدلال بها.

* علم الفقه, سلسلة مداخل العلوم , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الحرّ العامليّ (ت: 1104 هـ): وسائل الشيعة، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم ـ إيران، ط. الثانية 1414 هـ، ج 30 الخاتمة: الفائدة الثانية عشر، ص 485.
2- راجع: الشريف المرتضى: الانتصار، تحقيق: مؤسّسة النشر الإسلاميّ، منشورات: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرفة، ط. 1415 هـ، مقدّمة التحقيق ص 7.
3- من الطبيعيّ أن الصناعة الفقهيّة في هذه الفترة كانت تطوي مراحلها البدائيّة، ولكنها مع ذلك كانت بدايةً لعهدٍ جديدٍ، وخاتمة لعهد مضى.
4- راجع مقدّمة الشيخ على كتابه المبسوط.
5- رغم قدم الكتاب فإنّه قيّمٌ لدرجة أنّه لا يستغني عنه باحثٌ فقيه.
6- تقدّم الكلام عن معنى الإجماع والخلاف فيه وذلك في مدخل إلى علم الأصول.

01-11-2015 عدد القراءات 749



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا