22 أيلول 2017 الموافق لـ 01 محرّم 1439
En FR

المعارف الإسلامية :: علم الفلسفة

تقسينم الأبحاث الفلسفية



دور المسلمين في العلوم:
يتفق المحقّقون والمؤلّفون في تاريخ العلوم على أنّ كلّ هذه العلوم المذكورة في بداية الدرس، تطوّرت وتكاملت في العالم الإسلاميّ، وكان للمسلمين من خلالها دور بارز في تقدّم الثقافة البشريّة وتكامل العلوم1.

يقول دليس أوليري: "إنّ ما وصل من اليونان إلى العرب (المسلمين)، لم ينتقل إلى الآخرين كما كان في البداية وبدون أيّ تغييرٍ، وإنّما لا بدّ من القول بأنّ العلوم اليونانيّة، كانت قد اتخذت لنفسها حياةً، ونشوءاً، ونموّاً خاصّاً، في المحيط العربيّ (الإسلاميّ). فلقد استوعب هؤلاء أعمال الهنود واليونان في النجوم، والرياضيّات، ثمّ نظّموها ورتّبوها ترتيباً جيّداً. ولهذا تقدّم هذان الفرعان من العلوم تقدُّماً ملحوظاً، على أيدي الناطقين بالعربيّة.

ويمكن القول بأنّ علم الجبر، والمثلّثات المستوية والكرويّة، كانت من العلوم التي أوجدها العلماء العرب (المسلمون) ووسّعوها. فلقد أفلح هؤلاء في الأرصاد الفلكيّة، وإعداد كتب الزيجات
2، بمهارةٍ كاملةٍ. ولم يكتفوا بتوسعة ما أخذوه عن اليونان، بل دقّقوا في الزيجات والأرصاد القديمة، وقاموا بإصلاحها"3.

وقد زاد عدد المسائل الفلسفيّة على يد الفلاسفة المسلمين. فقد كانت في عهد اليونان ما يقارب المئتي مسألة، فصارت في العهد الإسلاميّ سبع مائة مسألة، أي زادت ثلاثة أضعاف ونصفاً، وهذا يدلّ على مدى تأثير الحكماء المسلمين في مسائل الفلسفة، وتعمّقهم فيها، وتأثيرهم بحيث يمكن القول إنّها صارت فلسفةً جديدةً.

التقسيم التاريخي لأبحاث الفلسفة الإسلاميّة:
ويمكن إلقاء نظرة تاريخيّة على هذه الأبحاث المتقدّمة، ومدى دخالة الحكماء المسلمين فيها، بعد أن تقدّم منّا أن لحكماء المسلمين دوراً مهمّاً في مسائل الفلسفة. وعلى هذا الصعيد يمكن تقسيم مسائل الفلسفة إلى خمسة أنواع:

1- المسائل التي بقيت على صورتها الأولى:
ولم يحدث فيها أي تغييرٍ أو تكميلٍ تقريباً، من هذا القبيل مباحث المقولات العشر، العلل الأربع، قوى النفس، فإنّ هذه المسائل قد احتفظت بمظهرها العام إجمالاً، أي إنّ التغيير الحاصل عليها لم يكن بدرجةٍ أخرجها فيها عن صورتها الأولى. فالمقولات قد تعرّض لها الحكماء المسلمون. وأورد ابن سينا تحقيقاتٍ قيّمةً فيها، وكذلك من بعده الملّا صدرا، وغيرهما من الحكماء، إلا أنّ شكل المقولات العشر والمظهر العام لها ما زال على حاله من عهد أرسطو.

2- المسائل التي أكملها الفلاسفة المسلمون:
بنحوٍ ثبّتوا أُسُسَها، ورسّخوا استدلالها، إمّا بتغيير برهانها، أو بإضافة براهين جديدةٍ عليها. ومن هذا القبيل مسألة امتناع التسلسل4، تجرّد النفس، إثبات الواجب، توحيد الواجب. وتجدر الإشارة إلى البراهين القيّمة التي أضيفت إليها، فإنّ إضافة البراهين لها قيمة عاليةٌ في الفلسفة، بخلافه في الرياضيّات، فإنّ المفاهيم الرياضيّة لسهولتها تقتنع النفس بها وتصدّقها من خلال برهانٍ واحدٍ، وإضافة أي برهانٍ جديدٍ يعدّ لوناً من التفنّن الفكريّ لا غير. أمّا في الفلسفة فلصعوبة مفاهيمها ومطالبها فإنّ النفس قد لا تقتنع من برهانٍ واحدٍ، لذلك فإنّ أي برهانٍ جديدٍ قد يكون أسهل لبعض الأذهان من غيره، وهذا يضفي على الإكثار من البراهين الفلسفية قيمة رفيعة.

وأوضح مثالٍ على هذا النوع من المسائل هو برهان التسلسل، فقد ذكر أرسطو برهاناً واحداً على امتناع التسلسل، ولكنّ المتأخرين ذكروا ما يقارب عشرة براهين. وهناك برهان ذكر عن الميرداماد، وآخر عن صدر المتألهين.

وكذلك مسألة إثبات الواجب، فقد ذكر القدماء برهان المحرّك الأوّل، ولكن استطاع المسلمون أن يقيموا براهين عدّةً ومحكمةً لإثبات الواجب، فقد ذكر ابن سينا برهاناً عن طريق الوجوب والإمكان، اسماه ببرهان الصدّيقين، وجاء صدر المتألّهين ليذكر برهان الصديقين الخاص به القائم على أسس فلسفته هو، بشكلٍ مختلفٍ عن برهان ابن سينا.

3- المسائل التي ظلّت على عنوانها ولكن تغيّر محتواها تغيراً كليّاً في العهد الإسلاميّ:
فهي رغم قدمها إلا أنها كانت مبهمةً وغير واضحةٍ. وبالتدريج اتضحت وظهرت وبذلك يكون المحتوى والمضمون لهذه المسائل قد تغيّر بالكامل، بحيث لو عُرضت على قائلها لما عرف منها إلا اسمها.

ومن ذلك "المثل الأفلاطونيّة"، فإنّ القول بالمثُل اشتهرت نسبته إلى أفلاطون، وقام أرسطو في مواجهة هذه النظريّة، وهاجمها ابن سينا في العهد الإسلاميّ بشدّةٍ، إلا أنّه تبنّاها شيخ الإشراق السهروردي، وأيّدها الميرداماد، حتى جاء صدر المتألّهين ليهاجم ابن سينا ويدافع عن هذه النظرية بشدةٍ. ولو راجعنا عبارات القائلين بنظريّة المثل لوجدنا أنّهم مختلفون في المضمون وما يريدون إثباته من خلالها، ولا يتّفقون إلا بالإسم.

4- المسائل المستحدثة:
وهي المسائل التي طُرحت ولأوّل مرّةٍ في العهد الإسلاميّ، فعنوانها ومحتواها لم يطرحا من قبل. وهذه المسائل تشكّل العمود الفقري للفلسفة الإسلاميّة.
وأبرز تلك المسائل هي مسائل الوجود، كالبحث عن أصالة الوجود، والوجود الذهني، أحكام العدم، امتناع إعادة المعدوم، ملاك الاحتياج إلى العلّة، أقسام الحدوث، الحركة الجوهرية، المعاد الجسماني البرزخي، العلم البسيط الإجمالي للباري.

5- المسائل التي تغيّر موضعها في العلوم:
وهي المسائل التي كانت تدرج في الطبيعيّات أو المنطق، لكنها نقلت بالتدريج في العهد الإسلاميّ لتدرج في الفلسفة الأولى.

من هذا القبيل مبحث المقولات، فقد ذكرها أرسطو في المنطق، وتابعه على ذلك ابن سينا فذكرها في "منطق الشفاء"، و"منطق النجاة"، لكن بالتدريج أدرجها الفلاسفة المسلمون ضمن أبحاث الفلسفة الأولى.

ومن قبيل مبحث الحركة، فقد ذكرها أرسطو في كتاب الطبيعيّات، باعتبار أن الحركة من مسائل الجسم الطبيعيّ، وتابعه على ذلك ابن سينا. لكن عندما جاء صدر المتألّهين أثبت الحركة في الجوهر، وصار هذا البحث من المقومات الحقيقية لوجود الجسم فأدخلت في مباحث الفلسفة الأولى.

ومن هذا القبيل مباحث النفس، فقد ذكرها أرسطو في كتاب الطبيعيّات، وتابعه على ذلك ابن سينا، وقال الأخير في كتاب "إلهيات الشفاء": إنّ بعض المسائل ذات وجهين، فمن جهة تدخل في أبحاث الطبيعيّات، ومن جهةٍ أخرى تدخل في أبحاث الفلسفة الأولى. وقد غلب صدر المتألّهين الجهة الثانية على الجهة الأولى.

* علم الفلسفة, سلسلة مداخل العلوم , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- مطهري ـ مرتضى/ محاضرات في الفلسفة الإسلامية / دار الكتاب الإسلامي / ط. الأولى 1415 هـ/ ص 36.
2- الزيجات: جمع زيج وهو يطلق على الجداول الفلكيّة القديمة، وأصل الكلمة فارسيّ، ومن أشهر الأزياج العربيّة: الزيج الصابيّ للبتاني، والزيج الكبير الحاكمي لابن يونس، والزيج الشاهي للطوسي، وزيج الخوارزمي.
3- انتقال العلوم اليونانيّة إلى العالم الإسلاميّ: ص6، (نقلاً عن: مطهري ـ مرتضى/ محاضرات في الفلسفة الإسلامية / دار الكتاب الإسلامي / ط. الأولى 1415 هـ/ ص 37.)
4- راجع بداية الحكمة، المرحلة السابعة، الفصل الخامس.

01-11-2015 عدد القراءات 730



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا