22 أيلول 2017 الموافق لـ 01 محرّم 1439
En FR

المعارف الإسلامية :: علم الفلسفة

ما هي الفلسفة؟



 1- الحاجة إلى الفلسفة:
إنّ من أهمّ الغرائز الإنسانيّة هي غريزة البحث عن الحقيقة، وغريزة حسّ التتبّع الذي لا يعرف الكلل ولا الملل. فالإنسان في تعطّشٍ دائمٍ للمعرفة. وهذه الغريزة موجودةٌ عند الجميع وإن كانت بشكلٍ متفاوتٍ. وقد أفرد الإنسان لكلّ مجموعةٍ من المسائل المترابطة فيما بينها علماً خاصاً بها. ومن بين تلك العلوم هو علم الفلسفة، الذي يجيب عن أسئلةٍ كثيرةٍ تخطر في ذهن الإنسان، كالتي تسأل عن أصل الوجود، وعن بداية العالم ونهايته، وعن وجود الملائكة أو الروح، وعن سعادة الإنسان وشقائه. ولا يوجد إنسانٌ في هذه الدنيا لا يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة في نفسه، وحين لا يجد الجواب قد يقنع نفسه بالأسطورة. والعلم الذي يؤمّن لنا الإجابة على هذه الأسئلة ونحوها هو الفلسفة. ونلاحظ أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا العلم، لأن هذه الأسئلة فطريةٌ وموجودةٌ في طبيعة كلّ إنسان، وهو بطبيعته يبحث عن حلول وإجابة لأسئلته هذه، فكان علم الفلسفة هو الذي يروي عطش هذه الحاجة.

وكثيراً ما نجد أنّ الإنسان يخطئ في حياته ومعتقداته، فيعتقد بأمورٍ لا أساس لها من الصحة، وتنعكس هذه المعتقدات لتؤثر مباشرة على سلوكه في الحياة. فقد كان الإنسان يعتقد بخرافاتٍ كثيرةٍ أثبت العلم الحديث بطلانها.

وما زال بعض البسطاء يعتقدون بوجود الحظ أو الغول وما شابه ذلك. ونجد أنّ أخلاقهم وأعمالهم وملكاتهم النفسيّة تتأثّر بهذ المعتقدات. وهنا تكمن أهمية علم الفلسفة فإنّه يُعطي الميزان والمعيار للأشياء الحقيقية الموجودة، التي من خلالها نستطيع أن نميّز الموجود الحقيقي عن غيره من الأوهام والخرافات، وما أعظمها من حاجةٍ للإنسان.

2- أسلوب البحث الفلسفي:
وحيث إنّ علم الفلسفة هو الذي يؤمن الاعتقاد الصحيح للإنسان، فلا بد له أن يعتمد على أسلوبٍ محكمٍ وأساسٍ ثابتٍ في استدلالاته، لأجل أن يكوّن الاعتقاد الصحيح، فالشعر الذي يبتنى على الصور والتشبيه والخيال لا يكوّن اعتقاداً محكماً، والخطابة التي تقنع المستمع بأسلوبها الساحر وما يستعمله الخطيب من مؤثراتٍ لا يمكن أن يشكّل أساساً محكماً للاعتقاد، لذلك نجد علم الفلسفة لا يعتمد إلا على البرهان واليقين، الذي يكشف الحقيقة بشكلٍ تامٍ وواضحٍ لا يعتريه أي شك، ولا يمكن زعزعته على الإطلاق.

مصطلح الفلسفة والسفسطة:
أجمع العلماء- ممّن اطلع على اللغة اليونانية قديماً وحديثاً وعلى تاريخ اليونان العلمي القديم- أن لفظ الفلسفة معرب من (فيلوسوفيا)، المؤلفة من كلمتين في الأصل: (فيلو) و(سوفيا)، والأولى منهما تعني المحب، والثانية تعني الحكمة، فيكون معنى الكلمة هو محب الحكمة1.

وقد ظهرت جماعةٌ في اليونان القديم قبل سقراط أطلقت على نفسها اسم (سوفيست)، أي العالِم، واتخذت من إدراك الإنسان مقياساً لمعرفة الحقائق، ثم بدأت باستعمال المغالطة في استدلالاتها، فأوجدت موجةً من الشك والفوضى،خاصةً بعد أن أتقنت هذه الجماعة فنَّ الخطابة، ومارست مهنة القضاء والمحاماة، فكانت ما تثبته اليوم تنفيه بالغد، وما تنفيه بالغد تثبته فيما بعده، فظهر بذلك الشك في كلّ شيء وأدّى إلى إنكار الحقائق والواقعيات، عندها أفرغت هذه الكلمة من معناها الحقيقي، وصارت مرادفة للمغالطة، وعُرِّبت هذه الكلمة (السفسطة) لتستعمل في معنى المغالطة، وما زال هذا الاستعمال رائجاً حتى اليوم.

تصدى لهذه الجماعة سقراط. ولأجل هذا المعنى الجديد الذي التصق بلفظ (سوفيست) رفض أن يسمي نفسه بها، وإنما أطلق على نفسه اسم (فيلوسوفوس) أي محب الحكمة. ثم ارتقت بعد ذلك هذه الكلمة لتصبح بمعنى العالِم. وفي المقابل انحطت كلمة (سوفيست) من معنى العالِم إلى معنى المغالِط. وبعد تعريب الكلمة صارت كلمة الفلسفة مرادفةً للعِلم، والفيلسوف للعالِم2.

موضوع الفلسفة:
ولكي نحدد موضوع الفلسفة نقوم أولاً بتشبيه العالَم بجسم الإنسان، ونحن بإمكاننا دراسة جسم الإنسان بنحوين وكيفيتين:

الأولى: هي أن ندرس هذا الجسم لكن من زاوية خاصة، كأن ندرس الأعضاء عضواً عضواً، فندرس العين والأعصاب والقلب وهكذا، فإن هذا النحو من الدراسة دراسة خاصة واختصاص ضيق صغير بالنسبة لكل جسم الإنسان، وذلك لأن موضوع هذا العلم ضيّق ومحصور في مجال العضو الذي يبحث عنه.

الثانية: هي أن ندرس جسم الإنسان من ناحية عامة، فنسأل مثلاً: متى جاء هذا الجسم؟ وإلى متى يبقى؟ وهل لهذا الجسم علة أوجدته؟ وما هي علاقة الجسم بعلته؟ ما هي الصفات التي ينبغي أن تتصف به علّة هذا الجسم؟ هل هذا الجسم حيّ؟ هل كل أعضائه حيّة حتى الظفر والعظم؟ هل لهذا الجسم بمجموعه غاية وهدف يسير نحوه؟ وهل هدف الجسم هو كماله؟ أو أنه لا هدف ولا غاية له أصلاً؟

ومن الواضح جداً الفرق بين هذين النحوين من الدراسة، فالنحو الأول من الدراسة الذي يهتم بدراسة أعضاء العالَم هو العلم الخاص، والنحو الآخر الذي يهتم بدراسة كلّ العالم هو الفلسفة.

فهي التي تبحث عن الموجود بشكل عام، لا من ناحية خاصة وجهة خاصة، بل تبحث عن صفات الوجود العامة، وكليات المسائل، كالأسئلة التي تقدم ذكرها. ومن هنا كان موضوعها ليس عضواً خاصاً أو موجوداً خاصاً ومحدداً، وإنما كان موضوعها الموجود على الإطلاق، أو الموجود المطلق، أي أنها تبحث عن الموجود مهما كان، ولكن بالأسلوب العلمي التعقلي البرهاني، ومن ناحية عامة، لا من ناحية خاصة كما تقدم.

* علم الفلسفة, سلسلة مداخل العلوم , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الشهرستاني/ الملل والنحل / دار المعرفة ـ لبنان/ ج2 ص 58.
2- راجع: مطهري ـ مرتضى/ مدخل إلى الفلسفة/ دار نور المصطفى ط. 2007 / ص 100. ومصباح ـ محمد تقي/ المنهج الجديد في تعليم الفلسفة: / ترجمة: الحاقاني ـ محمد عبد المنعم/ دار التعارف للمطبوعات ط.1990/ ج1 ص 16.

01-11-2015 عدد القراءات 619



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا