16 تشرين الثاني 2018 الموافق لـ 08 ربيع الأول 1440 هـ
En FR

المعارف الإسلامية :: علم الأصول

الإجتهاد الجديد والحركة الإخبارية



الحركة الأخباريّة:
وهي اتجاهٌ متطرّفٌ يدعو إلى التَّ-ع-بُّد فقط بالبيان الشرعيّ من أخبارٍ وأحاديث، وينكر دور العقل في مختلف الميادين، لأنّ العقل عرضةٌ للخطأ، وتأريخ الفكر العقليّ زاخرٌ بالأخطاء، فلا يصلح لكي يستعمل أداة إثباتٍ في أيّ مجالٍ من المجالات الدينيّة، ويشن حملةً شديدةً ضدّ الاجتهاد أيضاً. وقد وجدت هذه الحركة داخل نطاق الفكر الإماميّ،وتمثّلت في جماعةٍ من علمائنا قبل أربعة قرون تقريباً، وبرزت على يد مؤسسها الشيخ أمين الاسترآبادي1.

ويدّعي الأخباريّون أنّ حركتهم ليست جديدةً، ولا هي من إبداع الملا أمين، وإنّما هي امتدادٌ وإحياءٌ لطريقة القدماء وأهل الحديث، الذين عاصروا أئمة أهل البيت عليهم السلام أو قاربوا عصرهم كالشيخ الصدوق وأمثاله2. لكنّ انحراف الناس باتِّباع أقوال ابي عقيل العمانيّ والشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ3 وأمثالهم، أبْعَدَهُم عن الطريق المستقيم.

وينقل الشيخ يوسف البحرانيّ وهو أخباريٌّ معتدلٌ عن السيّد نعمة الله الجزائريّ: "إنّ أكثر أصحابنا قد اتّبعوا جماعةً من المخالفين، من أهل الرأي والقياس، ومن أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها، وطرحوا ما جاء به الأنبياء عليهم السلام حيث لم يأتِ على وفق عقولهم..."4.

ووضع مؤسّس هذه الحركة كتابه المشهور: الفوائد المدنيّة، بلوَر فيه هذا الاتجاه، وبرهن عليه وجعله مذهباً فقهياً. وهو يؤكّد فيه أنّ العلوم البشرية على قسمين:
أحدهما: العلم الذي يستمدّ قضاياه من الحسّ، وقضاياه في زعمه تستمد خيوطها الأساسية من الحسّ.
والآخر: العلم الذي لا يقوم البحث فيه على أساس الحسّ، ولا يمكن إثبات نتائجه بالدليل الحسيّ، كبحوث ما وراء الطبيعة التي تدرس قضايا بعيدةً عن متناول الحسّ وحدوده، من قبيل تجرّد الروح، وبقاء النفس بعد البدن، وحدوث العالم.

وفي عقيدة المحدّث الاسترآبادي أن القسم الأوّل من العلوم البشريّة هو وحده الجدير بالثقة، لأنّه يعتمد على الحسّ، وأمّا القسم الثاني فلا قيمة له، ولا يمكن الوثوق بالعقل في النتائج التي يصل إليها في هذا القسم، لانقطاع صلته بالحسّ.وهكذا يخرج الاسترآبادي من تحليله للمعرفة بجعل الحسّ معياراً أساساً لتمييز قيمة المعرفة، ومدى إمكان الوثوق بها.

ونحن في هذا الضوء نلاحظ بوضوحٍ اتجاهاً حسيّاً في أفكار المحدّث الاسترآباديّ، يميل به إلى المذهب الحسيّ في نظريّة المعرفة، القائل بأنّ الحسّ هو أساس المعرفة. ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخباريّة في الفكر العلميّ الإسلامي أحد المسارب التي تسرّب منها الاتجاه الحسيّ إلى تراثنا الفكريّ.

وقد أدّت هذه الحركة ضدّ المعرفة العقليّة المنفصلة عن الحسّ- في نهاية المطاف- إلى المعارضة النظريّة لكلّ الأدلّة العقليّة، حتى تلك التي يستدلّ بها المؤمنون على وجود الله سبحانه، لأنّها تندرج في نطاق المعرفة العقليّة المنفصلة عن الحسّ.

فكانت الحركة الأخباريّة تستبطن في رأي كثيرٍ من ناقديها تناقضاً، لأنّها من ناحيةٍ شجبت العقل، لكي تخلّي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعيّ، وظلّت من ناحيةٍ أخرى متمسّكةً به لإثبات عقائدها الدينيّة، لأنّ إثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعيّ، بل يجب أن يكون عن طريق العقل.

أهم آراء الأَخباريّين:
يمكن تلخيص دعوى الأخباريّين وآرائهم في النقاط التالية:

1- إنكار حجيّة ظهورات القرآن، فلا يمكن الاعتماد عليه، ودليلهُم: أنَّ القرآن لا يفهمُهُ إلا من خُوطِب به وهُم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، فلا يمكن الاعتماد على الكتاب من دون مراجعة الروايات وما ورد عنهم عليهم السلام، فهم وحدهم القادرون على تفسيره وتأويله.

2- إنكار قيمة العقل، عمل الاسترآبادي جاهداً على إبطال حجيّة العقل، لأنّ العقل كثيراً ما يخطئ فيها، فرفض أيّ قيمةٍ للفلسفة الأوّليّة والعلم الإلهيّ، لأنّه يعتمد على العقل، وحصر حجيّة العقل وقيمته في موردين:
الأول: العلوم الطبيعيّة ذات المبادئ والمقدمات الحسيّة.
الثاني: في ما يقرب من الأمور الحسيّة كعلوم الرياضيات والهندسة.

كما أنكر الاجتهاد أيضاً حتى بمعناه الجديد المقبول عند الشيعة قائلاً: إنّه بدعةٌ في الدين، ولا يجوز لأحدٍ أن يقلّد غير المعصوم.

3- إنكار الإجماع: لأنَّه بدعةٌ، جاء به أهل السُّنة. وبذلك فلا يسْلَم عند الأخباريّين من المصادر الأربعة للشريعة5 إلا السنّة وهي: الروايات والأخبار الواردة عن النبي وأهل بيته عليهم السلام.

4- كما أنّهم يعتقدون بصحَّة جميع الأخبار خصوصاً الواردة في الكتب الأربعة6، واعتبروها قطعيّة الصدور عن المعصوم عليه السلام، فرفضوا تقسيم الأخبار وتوثيق الرجال وتضعيفهم، لأنّ هذه الأبحاث كالقياس وغيره معتمدةٌ على العقل. ولذا هاجم الملا أمين العلامةَ الحلّي بعنفٍ لأنّه قسَّم الخبر إلى أقسامٍ أربعةٍ: الصحيح والحسن وموثوق الصدور والضعيف.

ب- المعنى الجديد للاجتهاد:
وقد بقي الاجتهاد يستعمل بمعنى إعمال الرأي الشخصيّ، إلى القرنين الرابع والخامس، ثمّ طرأ عليه التغيير في القرون المتأخرة، ولبس معناه حلّةً جديدةً جعلته مقبولاً عند علماء الشيعة، فصار كلمةً إسلاميّةً عامّةً ذات محتوى فكريٍّ عباديٍّ سياسيٍّ، حيث صار بمعنى: (بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية)7، فنرى الغزاليّ تارةً يستعمله بالمعنى القديم، وأخرى يطلق عليه معنىً عاماً جديداً، حيث يقول: (هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال)8، إلى أن أصبح اللفظ في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وُسعَه في طلب العلم بأحكام الشريعة، عندها قَ-بِلَه علماء الشيعة وأخذ طريقه إلى الفقه الشيعيّ، لأنّه خرج عن معنى إعمال الرأي والقياس.

ولعلّ أوّل9 من قِبل الاجتهاد بهذا المعنى الجديد هو العلامة الحلّي10، في كتابه (تهذيب الأصول) حيث عقد في كتابه فصلاً للاجتهاد واستعمل الكلمة بمعناها الشائع اليوم.

وهو في عرف الفقهاء: "بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعيّة. وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع اجتهاداً، لأنها تبتنى على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر11 سواء كان ذلك الدليل قياساً أم غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.
فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون الإماميّة من أهل الاجتهاد.
قلنا: الأمر كذلك، لكن فيه إيهام، من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظريّة التي ليس أحدها القياس
"12.

ويلاحظ على هذا النصّ بوضوحٍ، أنّ كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في الذهنيّة الإماميّة مثقلةً بتبعة المصطلح الأوّل، ولهذا يلمح النصّ إلى أنّ هناك من يتحرّج من هذا الوصف، ويثقل عليه أن يسمى فقهاء الإماميّة مجتهدين.

الفرق الجوهريّ بين المصطلحين:
فبينما كان الاجتهاد مصدراً للفقيه يصدر عنه، ودليلاً يستدلّ به كما يصدر عن آيةٍ أو روايةٍ، أصبح في المصطلح الجديد يعبّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعيّ من أدلّته ومصادره. فلم يعد مصدراً من مصادر الاستنباط، بل هو نفس عمليّة استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه. والفرق بين المعنيين جوهريٌّ للغاية، إذ كان للفقيه على أساس المصطلح الأوّل للاجتهاد أن يستنبط من تفكيره الشخصيّ وذوقه الخاصّ في حالة عدم توفّر النصّ، وأمّا على أساس المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرّر أيّ حكمٍ من الأحكام بالاجتهاد، لأنّه نفس عمليّة استنباط الأحكام من مصادرها.

وإذا قال الفقيه- بناءً على المصطلح الأوّل- هذا رأيي أو اجتهادي، فهو يبيّن مصدراً من مصادر التشريع، ولا يحق لأحدٍ الاعتراض عليه أو التحقّق منه. بينما لو قال- بناءً على المصطلح الثاني الجديد- هذا رأيي أو اجتهادي، فيمكن أن يسأل عن تلك المصادر والأدلّة التي استنبط الحكم منها.

ج- المصطلح الأخير للاجتهاد:
ثمّ تطوّر هذا المعنى لكلمة الاجتهاد أيضاً، واتسع نطاق الاجتهاد ليشمل عمليّة استنباط الحكم من ظاهر النصّ أيضاً، لأنّ الأصوليين بعد هذا لاحظوا بحقٍّ أنّ عمليّة استنباط الحكم من ظاهر النصّ تستبطن أيضاً كثيراً من الجهد العلميّ في سبيل معرفة الظهور وتحديده، وإثبات حجيّة الظهور العرفيّ، فدخل في الاجتهاد كلّ عمليّة يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعيّ، أو على تعيين الموقف العمليّ مباشرةً. وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عمليّة الاستنباط، وبالتالي أصبح علم الأصول العلم الضروريّ للاجتهاد، لأنّه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط. وبعد أن اتضحت معاني كلمة الاجتهاد أصبحت الإجابة على السؤال الذي طرح في بداية البحث واضحة جدّاً: "هل يجوز الاجتهاد في الشريعة أو لا؟"، وهي أنّ الاجتهاد بالمعنى الأوّل للكلمة لا يجوز من وجهة نظر مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو ضروريّ بمعناه الأخير.

* علم  الاصول، سلسلة مداخل العلوم ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- هو محمد أمين الأسترآبادي، من أعلام القرن الحادي عشر الهجريّ، فقيهٌ أخباريٌّ عرف بالذكاء والتقى، قال عنه البحرانيّ في اللؤلؤة: كان فاضلاً محقّقاً مدقّقاً ماهراً في الأصوليّين والحديث أخباريّاً صلباً، توفي(1034هـ). اللؤلؤة ص217. ويبدو أن الملا أمين كان ذكيّاً فطناً كثير المطالعة واعياً، وهذا الأمر مكّنه من تأسيس مدرسة وجلب أتباع لها، له كتاب (الفوائد المدنيّة)، ناقش فيه المتكلّمين والفلاسفة والحكماء والفقهاء، مدّعياً أنّه وصل إلى أمورٍ لم يسبقه إليها أحدٌ من الأوّلين والآخرين.
2- والحقّ أنّ هذه الحركة لم تكن في يوم من الأيام مدرسةً لها أتباع، غاية الأمر أنّ حضور الإمام عليه السلام بين القدماء وأهل الحديث، أو قربه من عصرهم، أغناهم عن اللجوء إلى الاِجتهاد وإعمال العقل، فاقتصروا على سرد الروايات أو الإفتاء بمضمون الرواية.
3- هؤلاء كلهم اتبعوا طرقاً جديدةً ومتطوّرةً في الاستدلال، تعتمد على تفريع الفروع عن الأصول وهي طريقة المجتهدين من علماء الشيعة.
4- البحراني ـ يوسف (ت: 1168 هـ): الحدائق الناضرة/ مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قم ـ إيران/ ج ا ص 126.
5- الكتاب والسنّة والعقل والإجماع.
6- (الكافي للشيخ الكُلَيْني (329هـ)، التهذيب والإستبصار للشيخ الطوسي(460هـ)، من لا يحضره الفقيه للشيخ الصَّدُوق(381هـ) ).
7- الحلّي ـ جعفر بن سعيد (ت: 676 هـ): معارج الأصول/ تحقيق: محمد حسين الرضويّ/ منشورات مؤسسة آل البيت، قم ـ إيران، ط. الأولى 1403 هـ/ ص 179.
8- قال الغزالي: والاِجتهاد التام: أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد الطلب. الغزّالي (ت: 505 هـ): المستصفى/ تحقيق: محمّد عبد السلام عبد الشافيّ/ دار الكتب العلميّة، بيروت ـ لبنان، ط. 1996 م./ ص 342. وعرَّفه العلامة الحلي بأنه: استفراغ الوسع والنظر فيما هو من المسائل الظنية الشرعيّة على وجهٍ لا زيادة فيه./ مبادئ الوصول إلى علم الأصول ص240.
9- من خلال التحقيق تبيّن أنّ المحقق الحلي قد استعمل هذا المعنى قبل العلامة، ويعرف ذلك من ترجمة كلّ منهما فلاحظ الهامش، والذي يهوّن المسألة أنّهما متعاصران.
10- ( هو الحسن بن يوسف بن المطهر، وهو من أبرز علماء التشيّع، ومجدّد الفكر الشيعيّ في القرن الثامن الهجري (648 ـ 726) وله مؤلفات جمّة في الفقه والأصول والمنطق والعقائد وغيرها، وكان يفتي جميع المذاهب الإسلاميّة كلاًعلى مذهبه.
11- لقد حصر المحقق الحلّي الاجتهاد في نطاق عمليّات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص، فكل عمليّة استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى اجتهاداً، دون ما يستند إلى تلك الظواهر. ولعلّ الدافع إلى هذا التحديد أنّ استنباط الحكم من ظاهر النصّ ليس فيه كثير جهدٍ أو عناءٍ علميّ ليسمى اجتهاداً.
12- الحلّي ـ جعفر بن سعيد (ت: 676 هـ): معارج الأصول/ تحقيق: محمد حسين الرضويّ/ منشورات مؤسسة آل البيت قم ـ إيران، ط. الأولى 1403 هـ/ ص180.

01-11-2015 عدد القراءات 1458



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا