22 تشرين الثاني 2019 م الموافق لـ 24 ربيع الأول 1441 هـ
En FR

معارف الناشئة :: العقيدة الإسلامية

الطّريق الثّاني لمعرفة الله



طريق من الخارج

بنظرة عابرة الى هذا العالم الذي نعيش فيه، ندرك أنَّ عالم الوجود هذا ليس فيه اضطراب ولا ارتباك، بل إنَّ لجميع مظاهر الحياة خطاً معيناً تسير عليه، فهي أشبه بجيش ضخم مقسم الى وحدات منظمة وتتحرك جميعاً نحو هدف معين.

النقاط التالية تزيل كل غموض عن هذا الموضوع:

1- لظهور كل كائن ولبقائه حياً في هذا العالم لابدّ من تضافر عدد من الظروف والقوانين الخاصة لبلوغ ذلك الهدف. فمثلاً، لكي تظهر شجرة الى عالم الوجود، لابدّ من توفر الارض، والماء والهواء المناسب، والحرارة اللازمة، لكي نزرع البذرة، فتتغذى، وتتنفس، وتخضر وتنمو. فاذا لم تتوفر هذه الاُمور استحال ظهور النبتة ونموها الى شجرة. إنَّ تهيئة هذه الظّروف يوالشّروط تتطلب عق ومعرفة.

2- إنَّ لكلّ كائن خصائص يختص بها دون غيره. فللماء والنار خصائص لاتنفصل عنها وتتبع قوانين ثابتة.

3- جميع أعضاء الكائن الحي تتعاون فيما بينها، فاعضاء الجسم تعمل- بوعي وبغير وعي- بانسجام تام بعضها مع بعض. فاذا ما واجه الجسم خطراً تأهبت الاعضاء للدفاع. إنَّ هذا الترابط والانسجام في العمل دليل آخر على وجود النظام في عالم الوجود.

4- إنَّ نظرة واحدة الى العالم تكشف لنا أنَّ الترابط والانسجام والتعاون في العمل ليست مقتصرة على أعضاء الجسم الواحد، بل إنَّ مختلف كائنات العالم تتعاون فيما بينها، فلبقاء الكائنات تطلع الشمس وتنزل المطر وتهب الرّياح وتتضافر معها الارض ومنابعها لهذا الهدف. وهذا دليل وجود نظام معين يشمل عالم الوجود كلّه.

العلاقة بين «العقل» و«النظام»

كلُّ امرىء لابدّ أنْ يعترف في نفسه بأنَّ وجود النظام دليلٌ على يأنَّ وراءه عق مفكراً وتخطيطاً وهدفاً. فحيثما شاهد الانسان نظاماً ثابتاً يخضع لقوانين معينة أدرك أن وراءه مصدراً للعلم والقدرة، ولا يحتاج في هذا الادراك الوجداني الى الاستدلال حاجة كبيرة.

إنَّه يعرف أنَّ انساناً اُمِّياً أعمى ليس قادراً على أنَّ يضرب على الآلة الكاتبة مقالة اجتماعية جيدة ونقداً أدبياً، مثلاً، وإنَّ طفلاً في الثانية من عمره لايمكنه بامرار قلمه على الورق عشوائياً أن يرسم لوحة جميلة قيمة. إنَّنا إذا طالعنا انشاء جيداً ومقالة رائعة أدركنا فوراً أنَّ كاتبها انسان مثقف متميز بالذكاء والعقل.

كذلك إذا شاهدنا في متحف لوحة جميلة جذابة لانشك لحظة في أنَّ الذي رسمها كان فناناً ماهراً، على الرّغم من أنَّنا لم نر ذلك الفنان بشخصه.

بناء على ذلك حيثما رأينا جهازاً منظماً علمنا أنَّ معه عقلاً وذكاءً. وكلّما كان ذلك الجهاز أكبر وأدق وأروع كان العقل والعلم اللذين أوجداه أكبر وأعظم كذلك.

ولاثبات أنَّ كلّ جهاز منظم يحتاج في إيجاده الى عقل وعلم، يستفيد علماء الطبيعة أحياناً من قانون (حساب الاحتمالات) المعروف في الرياضيات العالية، فيبرهنون مثلاً، على أنَّ الشخص الأُمّي إذا أراد أنْ يكتب مقالة وشعراً بمجرد الضغط عشوئياً على مفاتيح الآلة الكاتبة بصورة عفوية وتصادفية، فإنَّ ذلك- بحساب الاحتمالات- يستغرق بلايين السنين، بحيث لايكفي حتى عمر الكرة الارضية لانجاز ذلك، (للمزيد من التوضيح يمكن الرّجوع الى كتاب «خالق العالم» و«في البحث عن الله» ).

يقول قرآن الكريم: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنَا فِي الآفاقِ وَفِي أنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ أوَ لَمْ يَكْفِ بَرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيء شَهِيْدٌ. سورة فصلت، الآية 53.


* دروس في العقيدة / الشيخ مكارم الشيرازي.

07-08-2015 عدد القراءات 2255



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا