22 تشرين الثاني 2019 م الموافق لـ 24 ربيع الأول 1441 هـ
En FR

معارف الناشئة :: العقيدة الإسلامية

طريقان لمعرفة الله



لقد كتبت كتب كثيرة منذ أقدم الازمنة حتى اليوم، وجرت بحوث ومساجلات عديدة بين العلماء والمفكرين حول معرفة الله.

كلّ فريق من هؤلاء اختار للوصول الى هذه الحقيقة طريقاً خاصاً، غير أنَّ أفضل الطرق وأسرعها في ايصالنا الى مبدأ عالم الوجود طريقان اثنان:
الف ـ طريق من الدّاخل (أقرب الطرق)
ب ـ طريق من الخارج (أوضح الطرق)


ينبدأ أوّ بالغور في أعماقنا لنسمع نداء التوحيد من داخلنا، وفي المرحلة التالية نسيح في عالم الخليقة الشّاسع لنطالع آيات اللّه في سيماء كلّ الموجودات وفي قلب كل الذّرات. إنَّ في كلّ من هذين الطريقين بحوثاً مسهبة، إلاّ أنَّنا سوف نسعى في مقالة موجزة يالى بحث كلاًّ من هذين الطريقين بحثاً مجم.

طريق من الدّاخل

دعونا نفكّر في المواضيع التّالية:

1 ـ يقول العلماء: إنَّ أي شخص، مهما كان عنصره وطبقته، إذا ترك وشأنه دون تعليم وارشاد، ودون أنْ يسمع آراء المؤمنين والملحدين، فإنْ يتّجه بذاته نحوه قوة قادرة قاهرة ترتفع فوق المادة وتحكم الكون بأسره.

إنَّ هذا الانسان يحس أن في أعماق قلبه وزوايا نفسه نداءً لطيفاً مفعماً بالمحبّة والرّحمة، وفي الوقت نفسه مكين وثابت، يدعوه الى المبدأ العظيم والقادر العليم الذي ندعوه: الله.

ذلك هو نداء الفطرة الطاهرة!

2 ـ وقد ينجرف هذا الشخص مع التيار المادي وحركة الحياة اليومية الزّاخرة بالبهرجة والزّينة، فينشغل بها موقتاً عن سماع ذلك النداء. ولكنه عندما يوجه الشّدائد والمشكلات والمحن، وعندما تهاجمه الحوادث الطبيعية المرعبة، كالسيول والزّلازل والفيضانات ولحظات القلق في طائرة تتلاعب بها العواصف. نعم، عندما تقصر يده عن الوصول الى عون مادي، ولايجد ملجأ يلوذ به، يقوى هذا النداء في داخله، ويحس أن في كيانه قوّة تجتذبه نحوها، قوّة هي فوق كلّ القوى، وقدرة غامضة يسهل عليها حلّ جميع المشكلات بيسر.

قليل جداً من النّاس من لا يتّجه الى خالقه عند مواجهة الازمات والشّدائد، ولايتذكر الله دون اختيار. هذا الامر هو الذي يدلّنا على مدى قربنا منه، ومدى قربه منّا، بل إنَّه في أرواحنا وضمائرنا.

إنَّ نداء الفطرة موجود دائماً في وجدان الانسان، ولكنه يقوى في هذه اللحظات.

3 ـ يكشف لنا التّاريخ أنَّ رجالاً من ذوي السّلطة والمقدرة كانوا في الاوقات العادية يأنفون حتى من ذكر اسم الله، ولكنّهم إذا ما شعروا بأنَّ قواعد سلطتهم أخذت تهوي، وأنَّ قصور وجودهم بدأت تنهار، راحوا يمدون يد التوسل الى هذا المبدأ العظيم، لإنّ نداء الفطرة عاد يرن في اسماعهم بجلاء من جديد.

يقول التاريخ: عندما أوشك فرعون على الغرق في الأمواج المتلاطمة، ورأى أنَّ هذا الماء الذى كان سبب إحياء بلاده وأساس قوته المادية، قد أصدر عليه حكماً بالاعدام، وأنّه عاجز حتى عن دفع أمواج هذا الماء، وأنَّ يده قاصرة عن نفعه في شيء، أخذ يصرخ عالياً: لا إله ولا معبود سوى إله موسى العظيم. لقد صدرت هذه الصرخة في الحقيقة، من فطرته الباطنية، ولايقتصر هذا على فرعون، فكلّ من يمر بظروف مماثلة يسمع هذا النداء نفسه؟

4 ـ إذا رجعت الى أعماق نفسك وجدت أنَّ هناك نوراً يتلألأ في باطنك ويدعوك الى الله. ولعلك قد صادفت في حياتك بعضى الازمات الشّديدة والطّرق المسدودة بحيث أنك يئست من العثور على الحل والعلاج. لاشك أنَّك في مثل تلك الحالات قد خطرت لك حقيقة وجود قوة قادرة في عالم الوجود تستطيع أنْ تحل مشكلتك بكل سهولة.

في تلك اللحظات تشعر انك قد احتواك أمل يمازجه في داخلك حبّ ذلك المبدأ العظيم، وأنَّ ذلك الأمل قد أزاح عن قلبك كلّ سحب اليأس القاتمة.

نعم، هذا هو أقصر الطرق التي تبدأ من داخل المرء للوصول الى الله، بارىء عالم الوجود.

سؤال واحد:
قد يخطر لاحدكم أنْ يسأل نفسه هذا السّؤال: ألا يحتمل أنْ يكون لما لثقافة المحيط وتلقينات والدي أثر في أنْ أتوجه هذا الاتجاه في الظروف العصيبة، فأرفع يدي الى الله أطلب عونه؟

إنَّ لك الحقّ في أنْ يخطر في بالك هذا السّؤال، ولدينا الجواب المقنع الذي سنورده في الدّرس التّالي.

يقول الله في كتابه الكريم: (فَإذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ اِلى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ)1.

* دروس في العقيدة / الشيخ مكارم الشيرازي.


1- سورة العنكبوت، الاية 65.

07-08-2015 عدد القراءات 2177



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا