14 تشرين الثاني 2019 م الموافق لـ 16 ربيع الأول 1441 هـ
En FR

معارف الناشئة :: العقيدة الإسلامية

معرفة الله في حياتنا



1 ـ معرفة الله وتقدم العلوم

لنفرض أنَّ صديقاً قدم عليك من سفر وجلب لك معه كتاباً هدية، وقال لك أنَّه كتاب ثمين لأنَّ مؤلّفه من كبار العلماء، واسع الاطلاع، ضليع في موضوعه، ويعتبر استاذاً نابغة.

و بناء على ذلك سوف لاتقرأ الكتاب قراءة عابرة، بل بالعكس، تحاول أنْ تكون دقيقاً في قراءتك الكتاب وتتمعّن في عباراته وحتى كلماته، وإذا لم تفهم عبارة منها فانك تقضي الساعات، وربّما الايّام المتوالية، تفكر في تلك العبارة كلّما واتتك الفرصة لعلك تدرك معناها لمعرفتك أنَّ المؤلف ليس شخصاً عادياً، بل هو عالم كبير لايكتب كلمة إلاّ بحساب.

ولكن إذا قالوا لك إنِّ الكتاب وإنْ كان جميل المظهر، إلاّ أنَّ مؤلّفه رجل قليل المعرفة، ضعيف الدّراية ولايعتمد على أقواله.

لاشك أنَّك قد لا تلقي على الكتاب سوى نظرة عابرة، وإذا طالعتك جملة غير مفهومة قلت: هذا دليل جهل المؤلف، وإنَّ الكتاب لايستحق الوقت الذي يقضيه المرء في مطالعته.

عالم الوجود هذا أشبه بكتاب ضخم، كلّ كائن فيه يمثل كلمة وجملة فيه. فمن وجهة نظر الانسان المؤمن بالله، تعتبر كلّ ذرّة في هذا الكون جديرة بالدراسة. أن المؤمن ـ وهو غارق في أنوار عبادة الله ـ يباشر بدراسة أسرار الخليقة بكل دقة وتفحص (و هذا مايساعد على تقدم العلوم الانسانية)، لانَّه يعلم أنَّ خالق هذه الاجهزة والنُظُم لا يدانيه أحد في علمه وقدرته، وانَّ لكلّ عمل من أعماله حكمة وغاية، لذلك فإنَّه يتحرّى الدّقة في دراسته وأبحاثه ليتسنى له في درك أسرارها.

أمّا الانسان المادي فلا يملك دافعاً يدفعه لدراسة أسرار الخليقة، لانّه يعتبر خالقها هو الطّبيعة العمياء. أمّا العلماء الماديون من المخترعين ومكتشفي العلوم الطبيعية، فانّهم غالباً مايعترفون بوجود الله، وإنْ أطلقوا عليه اسم «الطّبيعة» التي يرون في عملها «نظام» و«حساب» و«تخطيط».

إذن، عبادة الله وسيلة من وسائل تقدم العلوم.

2 ـ معرفة الله والسّعي والأمل

عندما يواجه الانسان الصعاب والعوائق في حياته، وتبدو

الابواب وكأنَّها قد اُغلقت في وجهه ويحس بضعفه ووحدته في مواجهة المشكلات، يهبّ ايمانه بالله الى عونه وتقوية معنوياته.

إنَّ المؤمنين بالله لايرون أنفسهم وحيدين وضعفاء، ولاينتابهم اليأس، لانّهم يؤمنون بأنَّ قدرة الله أكبر من كلّ مشكلة، وأنَّ كلّ شيء عنده سهل يسير.

إنّهم يتدرعون بلطف الله وحمايته وعونه، وينهضون لمقارعة الخطوب والصعاب مستفيدين من كل قواهم، يدفعهم حبّ الله والأمل فيه الى الاستمرار في بذل المساعي، فيتغلبون على الصّعاب والمشاكل.

أجل، فالايمان بالله سند عظيم للانسان.

الايمان بالله مدعاة للثّبات والشّجاعة.

الايمان بالله يحيي في القلوب نور الأمل دائم ولهذا لا يقدم المؤمن على الانتحار، لأنّ الاقدام على قتل النفس إنّما هو دليل على اليأس والقنوط النّابعين من الاحساس بالهزيمة، المؤمن لاييأس ولاينهزم.

3 ـ معرفة الله والشّعور بالمسؤولية

ثمّة أطباء إذا راجعهم مرضى فقراء فانَّهم فضلاً عن عدم مطالبتهم إيّاهم باُجرة العلاج والطييب، يعطونهم ثمن الدّواء أيضاً، بل إذا أحسوا بأنَّ مريضهم في حالة خطرة قضوا الليل ساهرين الى جنبه في بيته المتواضع. هؤلاء اُناس يخشون الله ويؤمنون به.

غير أن هناك أطباء آخرين لا يتقدمون خطوة واحدة لمساعدة مريض قبل أنْ يتقاضوا أجرهم، وذلك لضعف إيمانهم.

إنَّ الانسان المؤمن مهما كانت حرفته فإنَّه يشعر بالمسؤولية، ويعرف واجبه، ويعمل الخير ويكون متسامحاً، إنَّه يشعر دائماً بوجود شرطي في أعماقه يراقب أعماله.

أمّا الانسان غير المؤمن فانه شخص أناني، عنيد، خطر، لايتحمل أية مسؤولية، ولايرى غضاضة في ظلم الآخرين والاعتداء على حقوقهم، وقلّما يقوم بأعمال صالحة.

4 ـ معرفة الله والاطمئنان

يقول علماء النفس إن الامراض النّفسية منتشرة في أيّامنا هذه أكثر ممّا كانت في السّابق.

و يقولون إنَّ أحد عوامل هذه الامراض هو القلق ـ القلق من حوادث المستقبل، القلق من الموت، القلق من الحرب، القلق من الفقر، والقلق من الاخفاق.

ويضيف هؤلاء: إنَّ ممّا يساعد على إزالة القلق من روح الانسان هو الايمان بالله، فكلما نفذت عوامل القلق الى نفس المؤمن أبعدها الايمان بالله عنه ـ ذلك الله الرّحيم، الرّزاق، العالم بأحوال عباده، الذي يعينهم كلّما اتجهوا إليه في طلب العون، ويزيح عنهم دواعي القلق والخوف.

ولهذا نجد المؤمن يعمل في الحق مطمئن النفس، لامكان للقلق في نفسه. وبما أنَّ المؤمن يعمل في سبيل الله، فاذا واجه ضرراً يتوجّه الى الله يطلب منه دفع الضّرر، وهو لاتفارق الابتسامة شفتيه حتى في ساحة الوغى.

قال الله في كتابه الكريم: (الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلْم اُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ).(1)

* دروس في العقيدة / الشيخ مكارم الشيرازي.


(1) سورة الانعام: الاية 82.

07-08-2015 عدد القراءات 2079



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا