19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

الجهاد والشهادة :: النصر الإلهي

موقع النصر في حسابات الجهاد




موعظة قرآنية
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ1.


مقدّمة

هنا سؤال ينبغي أن يُطرح في سياق الحديث عن النصر وهو: ما موقع النصر في حسابات التفكير في خوض المعركة؟ وهل يجب أن يكون النصر مضمونًا حتّى يتقلّد المسلم أو الأمّة الإسلامية السيف لمواجهة العدوّ أم لا يُشترط ذلك؟

في الجواب عن هذا السؤال ربّما يُفهم ممّا تقدّم أنّ النصر ليس شرطًا واجبًا في خوض معركة الدفاع. فالدفاع حربٌ مفروضة يجب على الأمّة خوضها من حيث المبدأ، ويستطيع قائد المسلمين التفكير في الآليّات والسبل التي تساعده على خوض هذه الحرب لضمان النصر فيها، أو التقليل من الخسائر بالحدّ الأدنى. ولمزيد من وضوح الفكرة وطلبًا لتوثيقها نوزّع البحث على حالات الجهاد الآنفة الذكر لنرى موقع النصر منها. ونبدأ أوّلًا بإشارة أوليّة نقارن ونحدّد فيها النظرة الإسلامية إلى النصر.


معنى إحدى الحسنيين في القرآن

يقول الله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ2. وتكشف هذه الآية عن موقع النصر في حسابات أرباح الجهاد وخسائره، بدرجة عالية. ويكاد يتّفق المفسرون على أنّ المراد من الحسنيين في الآية هو إحدى النتيجتين اللتين يمكن أن تنتهي إليهما أيّ معركة يخوضها المسلمون مع عدوّهم. فإمّا أن تنتهي هذه المعركة بالنصر والغلبة، وإما أن تنتهي بالشهادة والفوز بلقاء الله.


معان أخرى للآية

ويستفاد من هذه الآية مجموعة معانٍ ذات صلة بما نحن فيه منها:


1- اختلاف المؤمنين عن غيرهم في النظرة إلى الأمور، فبينما يرى المنافق أو الكافر أنّ الفوز ينحصر في الكسب الدنيويّ والسيطرة على العباد والبلاد يرى المؤمن أنّ المهمّ هو أداء الواجب والخروج عن عهدة التكليف. فسواء عنده النصر والهزيمة عندما يكون كلٌّ منهما في طاعة الله. وهذا يذكّرنا بقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في خطبة المتّقين: "نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ"3. كما يذكّر بالقول المنسوب إلى أكثر من شخص، منهم عمّار بن ياسر عندما دنت منه المنيّة، فطلب شيئًا من الشراب فأُتي به فتذكّر وعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إيّاه بأن آخر نصيبه من الدنيا كأس من اللبن، ثُمَّ قَالَ: "وَاللَّهِ لَوْ هَزَمُونَا حَتَّى يُبْلِغُوا بنَا سَعَفَاتِ هَجَرَ لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَى الحَقٍّ، وَأنّهُمْ عَلَى البَاطِلٍ"4.

2- اعتقاد المؤمنين بخضوع الكون وما فيه لإرادة الله تعالى، وأنّه لا يريد لأهل الإيمان إلا الخير والأحسن وليس الحسن فحسب. وبالتالي ما دامت الأمور تجري في سبيل الله فهي الخيار الأحسن كائنًا ما كان هذا الخيار. ولا يهمس المؤمن بالاعتراض على إرادة الله ومشيئته، بل يستعذب أمرّ الخيارات ويراها حلوة ما دامت خاضعةً لإرادة الله عزّ وجلّ. وما أقرب القولين المشهورين اللذين يُنسب أحدهما إلى الإمام الحسين عليه السلام عندما استشهد ابنه الرضيع بين يديه فقال: "هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله"، والآخر المنسوب إلى السيدة زينب عليها السلام عندما هتفت في وجه ابن زياد قائلةً: "ما رأيت إلا جميلًا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم...". نعم القتل في سبيل الله في عين زينب جميل يشبه لجوء النعسان إلى مضجعه. والشهادة في سبيل الله في مقاييس التقييم الإلهيّ إحدى الحسنيين كالنصر على حدٍّ سواء.

3- الدرس الثالث الذي يُستفاد من الآية هو أنّ على المؤمن أن لا يحسب أنّ الدنيا يجب أن تبقى دائمًا طوع يديه ورهن إشارته ينال منها ما يحبّ ولا ينتقل فيها إلا من نصر دنيويّ إلى نصر. بل إنّ على المؤمن أن يتوقّع الصعود والهبوط في حسابات الدنيا، والمقياس الأهمّ في نظره هو عاقبة الأمور ونهاية المطاف، ولو على المدى البعيد، فالنصر الذي قد يناله المنافق في هذه الدنيا مرّ العاقبة، والشهادة التي ينالها المؤمن هي إحدى الحسنيين، عندما يؤخذ المشهد كلّه على هذا الأساس ولو اقتضى الأمر توسيع النظرة إلى عمر البشريّة كلّها. فربّ دمٍ يراق يتحوّل إلى نصر يروي دوحة الأهداف الإلهيّة ولو بعد حينٍ. ومن هنا ورد عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام في تفسير هذه الآية أنّه قال: "إما موت في طاعة اللّه وإدراك ظهور إمام..."5.

وفي هذه الآية دلالات أخرى يطول بنا المقام لو استعرضناها جميعًا. وعلى أيّ حال يمكن الخروج من هذه الآية بنتيجة هي: أنّ النصر ليس هو الشرط الأساس والأول والأخير في خوض المعارك، وخاصّة عندما يكون الحديث عن النصر الآنيّ الدنيويّ.


موقع النصر في القتال والمواجهة المسلّحة

يميّز الفقهاء بين مفهومين للقتال في سبيل الله، أحدهما الجهاد والآخر الدفاع. ويختلف أحد هذين المفهومين عن الآخر في المفهوم كما في بعض الأحكام. وهدفنا الأساس هنا هو البحث عن موقع النصر في حسابات الإقدام على حمل السلاح ومواجهة العدوّ، ولكن لا بأس من بيان المفهومين لنبيّن موقع النصر من كلٍّ منهما.


موقع النصر في الجهاد

وأمّا الجهاد فهو مصطلح يقصد به عند بعض الفقهاء الشروع في القتال، من دون أن يكون ذلك بالضرورة ردًّا على هجوم العدوّ على بلاد المسلمين وتعرّضه لقتالهم. ويبدو من كلام بعض الفقهاء أنّ هذا النوع من الجهاد هو المقصود عندما يُبحث عن الجهاد في الكتب الفقهيّة. وبالرجوع إلى كتب الفقه الإسلاميّ نجد أنّ فقهاء المسلمين يختلفون فيما بينهم في اشتراط إحراز النصر قبل الشروع في القتال. فمنهم من يرى أنّ إحراز النصر ليس ضروريًّا بل يمكن البدء بالقتال مهما اختلفت موازين القوى بين المسلمين وأعدائهم. ومن هؤلاء الشيخ الطوسي الذي يقول: "وإذا كان في المسلمين قلّة وضعفٌ وفي المشركين كثرةٌ وقوّة، فالأولى أن يؤخّر الجهاد ويتأنّى حتّى يحصل للمسلمين قوّة. فإذا اشتدّت شوكة المسلمين وعلم شوكتهم لا يجوز أن يؤخّر القتال..."6 وتفيد هذه العبارة من الشيخ الطوسي أنّ الحرب ليست هوايةً ومغامرة, بل يجب أن تُخاض من أجل أهداف نبيلة، فإذا كانت النصر غير محرز فلا ينبغي لقائد المسلمين أن يغامر بجنده وأمّته ويدخلهم في حربٍ لا فائدة تُرجى منها.


موقع النصر في الدفاع

الدفاع في الفقه الإسلاميّ هو: القتال الذي يحصل كردٍّ فعلٍ على هجوم يصدر عن العدوّ على المسلمين أو على بلادهم. ويتنازل الفقهاء في هذا الصنف من الجهاد عن كثير من الشروط التي يذكرونها في الصنف السابق. مثلًا يشترط عدد من الفقهاء حضور الإمام وإذنه في الصنف السابق, ولكنّهم في هذا الصنف يتنازلون عن عدد من هذه الشروط. يقول الشيخ الطوسي في هذا المجال: "والجهاد مع أئمّة الجور... خطأٌ يستحقّ فاعله به الإثم وإن أصاب لم يؤجر عليه، وإن أصيب كان مأثومًا، اللهم إلا أن يدهم المسلمين أمرٌ من قبل العدوّ يُخاف منه على بيضة الإسلام ويُخشى بواره، أو يُخاف على قوم منهم، وجب حينئذٍ أيضًا جهادهم ودفاعهم غير أنّه يقصد المجاهد والحال ما وصفناه الدفاع عن نفسه وعن حوزة الإسلام وعن المؤمنين، ولا يقصد الجهاد مع الإمام الجائر..."7، وتظهر هذه العبارة المنقولة عن الشيخ الطوسي أنّه لا يشترط الوثوق بالنصر في خوض المعارك الدفاعيّة.


شبهة أن الإسلام دين حرب

وفي ختام هذا البحث تجدر الإشارة إلى أمر مهمٍّ وهو أنّ المستشرقين يعترضون على الإسلام بأنّه دين حربٍ وقتال، وذلك بالاستناد إلى مفهوم الجهاد الابتدائيّ. وفي الردّ على هذه الشبهة نشير إلى ملاحظات سريعة ونترك التفصيل تجنّبًا للتطويل في غير محلّه.

أ- إن قسمًا كبيرًا من المعارك التي خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي حروب دفاعيّة.

ب- الحروب التي ظاهرها أنّها ابتدائيّة هي في واقعها من أجل الدفاع عن حقوق الشعوب التي كان يمنع فيها الناس من الاطلاع على الإسلام، وبالتالي هي معارك تهدف إلى فتح النوافذ على الإسلام وليس إلى فتح البلدان والأراضي.

ج- إنّ العلاقات الدولية بين الدول والشعوب تغيّرت في هذا العصر وتبدّلت وبالتالي فإنّ عددًا من الأحكام لا يطبق في هذا العصر بالطريقة التي كان يطبّق فيها.

د- إن مفهوم المقاومة في حدّ نفسه يحمل في داخله مفهوم الدفاع، فهذا المفهوم يتضمّن من حيث المعنى معنيين بالحدّ الأدنى: المقاومة لصدّ العدوان، والمقاومة لاستعادة الأرض والتحرير.


وقفّة تأمّلية

إذا أراد الإنسان أن يصل إلى الحقّ، وإذا أراد أن يُطبّق الإسلام الحقّ في بلدٍ ما، فيجب أن يصبر، هكذا كان يصبر أولياء الله سلام الله عليهم في كل المراحل والمصائب والمشاكل. لقد واجه رسول الله كثيراً من المشاكل خلال زمان وجوده الشريف في مكة والمدينة ومن جميع الجهات، فقد كانت المحاصرة الاقتصادية وكانت الهجمات العسكرية التي لم نر نحن مثلها...

إنّكم على علم بأنّ تاريخ الإسلام مشحون بهذه المجاهدات والتضحيات والقتل على أيدي الفجّار، حتى إنّ أئمّتنا عليهم السلام قد ابتلوا بهذه الأمور، ولكن يجب الصبر والتلبُّس بالمناعة والاستقامة فإنّ الله مع الصابرين، وقد تغلّبنا على هذه القوّة الشيطانية الخارقة (الشاه) التي كانت كل القوى تقف وراءها، وليس هذا إلا لأنّ شعبنا كان متّحداً صبوراً وكان يصبر على المشاكل ويحلّها بالصبر وبالاتكال على الله تبارك وتعالى.


الإمام الخميني قدسر سره،
الاستقامة والثبات، ص121.


1- سورة التوبة: الآية 52.
2- سورة التوبة: الآية 52.
3- الإمام عليّ عليه السلام، نهج البلاغة، خطبة المتّقين.
4- الشيخ المفيد، الاختصاص، ط 2، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت، 1993م، ص 14.
5- الكليني، الكافي، ج 8، ص 286، حديث 431.
6- الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، المبسوط، ج 2، ص 2.
7- الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، النهاية ونكتها، مع تعليقات العلامة الحليّ، ج 2، ص 3.

12-08-2015 عدد القراءات 1064



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا