16 كانون الأول 2018 م الموافق لـ 08 ربيع الثاني 1440 هـ
En FR

القرآن الكريم :: مواضيع قرآنية

منطق إبليس




نشير إلى بعض ما يعزى إلى إبليس من الأساطير، لأنها صورة واضحة للكثير من أهل هذا العصر، بخاصة الانتهازيين من كل مهنة في مغالطاتهم وتلاعبهم بالألفاظ بقصد التمويه، وإخفاء الحقائق.. وقد تصرفنا بإنشاء الكلمات فقط مع الاحتفاظ بالمضمون والمحتوى.

قيل : ان إبليس قال للَّه جل وعز : لا يجوز أن تعاقبني على ترك السجود لآدم.

قال سبحانه : ولم؟

قال : لو أردت السجود مني حقا لأجبرتني عليه قهرا.

قال تعالى : ومتى علمت اني لم أرد منك السجود لآدم؟ هل علمت ذلك بعد أن أمرتك وعصيت أمري، أو قبل أن آمرك بالسجود؟

قال : بعد أن أمرتني.

قال عظمت كلمته : إذن لزمتك الحجة، لأنك خالفت وامتنعت قبل أن تعلم بأني أردت غير ما أظهرت.. هذا، ولو ألجأتك إلى السجود قهرا لم يبق من داع للأمر به إطلاقا.

وتجد في منطق إبليس هذا صورة واضحة لمن يلقي جميع التبعات والمسؤوليات على العناية الإلهية.. ان اللَّه سبحانه لا يعامل المكلفين بإرادة الخلق والتكوين، وعلى طريقة "كن فيكون" وانما يعاملهم بالإرشاد، وإرادة الطلب والتشريع التي يعبر عنها بالأمر والنهي.

وقيل : ان إبليس التقى ذات يوم بمحمد صلى الله عليه واله وسلم، فقال له : ان اللَّه نعتك بالمرشد الهادي، ووصفني بالمضلل الغاوي.. وكل من الهداية والغواية في يده، وليس في يدك ويدي شيء.

قال الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم : كلا، ان في يدي بيان الباطل والزجر عنه، والوعيد عليه، وفي يدك الخداع والنفاق والإغراء بالباطل، وفي يد الإنسان القدرة والتمييز والاختيار، فمن أحسن الاختيار فلنفسه، ومن أساء فعليها.

وقيل : انه جاء إلى عيسى عليه السلام، وقال له : ألا تزعم ان لك مكانا عليا عند اللَّه؟ فألق بنفسك من شاهق لنرى : هل ينقذك من الهلاك؟

قال السيد المسيح : ان للَّه ان يمتحن عبده، وليس للعبد أن يمتحن ربه.

وقيل : انه قصد نوحا بعد أن غرق الناس، وجف الماء، وقال له يا نبي اللَّه ان لك عندي يدا، وأريد مكافأتك عليها.

قال نوح عليه السلام : استغفر اللَّه أن يكون لي على مثلك يد.

قال إبليس : هو ما أقول لك.

قال نوح : ما هي يدي عليك؟

قال إبليس : دعوت على قومك بالهلاك، فهلكوا، وقد كنت من قبل مشغولا ليل نهار في اغوائهم، وتضليلهم.. وأنا الآن بعد هلاكهم في إجازة، لا أجد من أغويه.

قال نوح : بماذا تكافئني؟

قال : أنصحك أن لا تغضب، فما غضب انسان الا وهان عليّ انقياده، ولا تحكم بين اثنين، فإذا فعلت كنت ثالثا لكما، ولا تخل بامرأة والا أغريتك بها، وأغريتها بك.

ويشعر هذا المنطق الشيطاني ان إبليس من أنصار الحرب، وانه يبارك الأسلحة الجهنمية.

وقيل : مرّ رسول اللَّه صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه برجل، يركع ويسجد، ويتضرع، فقالوا : يا رسول اللَّه ما أحسن صلاة هذا العابد ! قال : هذا الذي أخرج أباكم من الجنة.

وتهدف هذه النادرة، أو الأسطورة إلى ان الإنسان ينبغي له ألا يغتر، وينخدع بمظاهر الزهد والتعبد.

وقيل : ان موسى عليه السلام كان ذاهبا يناجي ربه، فالتقى صدفة بإبليس، فقال له : إلى أين يا كليم اللَّه؟

قال : ذاهب إلى ربي أتلقى كلمات منه.. وأنا على استعداد ان أتوسط لك لديه سبحانه، كي يعفو عنك إذا وعدتني بالإقلاع عن غيك وضلالك.

قال إبليس : أنا لا استشفع بك ولا بسواك إليه.. بل هو عليه - استغفر اللَّه - أن يطلب مرضاتي.

قال له موسى : قبحت من كافر لعين.

قال إبليس : ولم يا كليم اللَّه؟ وأي ذنب لي؟ لقد طلب مني السجود لآدم، وأنا من شدة اخلاصي له لا أسجد لسواه.. ومتى كان الإخلاص ذنبا؟

قال موسى : ان هذه مغالطات، وتلاعب بالألفاظ لا يغني عنك فتيلا، وسترى ما ذا سيحل بك غدا.

قال إبليس : وأنت أيضا سترى ما ذا سأفعل غدا..

قال موسى : وما أنت بفاعل؟

قال إبليس : أطالب اللَّه بوعده، وأحتج بقوله : "ان رحمتي وسعت كل شيء" وأنا شيء، فوجب أن تتسع لي رحمته.. وإذا كنت أنا لا شيء فاللا شيء لا يحاسب ولا يعاقب.

قال موسى : ان رحمة اللَّه تتسع لمن فيه الأهلية والقابلية لها، وأنت بعيد عنها كل البعد.

قال إبليس : إذن اسلك سبيلا آخر.


قال موسى : وأي سبيل تسلك؟


قال إبليس : أدعو من اتبعني من الغاوين، وأطلب منه تعالى أن يدعو هو من اتبعه من المؤمنين، ونجري الانتخاب والاقتراع، وعندها يعرف من الفائز الحائز على أكثرية الأصوات، وإذا ألغى الانتخاب قمت مع جمعي بمظاهرة صاخبة حتى أبلغ ما أريد.

وهذه الأسطورة تهدف إلى أن أهل الباطل أكثر من أهل الحق عددا، لأن الحق ثقيل، والباطل خفيف، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، وان على العاقل أن لا يتخذ من منطق الأكثرية مقياسا للحق، ولا من منطق الأقلية ميزانا للباطل، كقاعدة كلية، ومبدأ عام، فلقد جاء في نهج البلاغة : "ان الفرقة أهل الباطل وان كثروا، والجماعة أهل الحق وإن قلوا".

وجاء في القرآن الكريم : وأكثرهم للحق كارهون، وفي آية ثانية : ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وفي ثالثة : لا يشكرون، وفي رابعة : لا يعقلون، وفي خامسة : لا يؤمنون.. وفي رواية إذا اجتمع أعوان إبليس ملأوا الخافقين.

ولهذه النصوص وغيرها كثير وكثير قال الشيعة : ان خليفة الرسول، تماما كالنبي يختاره اللَّه، ويستخلفه على عباده، لا من اختاره الناس، وبايعوه، وقدموه لأنفسهم وعلى أنفسهم.. ان هذا ملك على الناس، وليس بخليفة لرسول اللَّه.. أما المرجع الديني الأول عند الشيعة فهو الذي يتحلى بالصفات التي نص عليها صاحب الشريعة الأصيل، لا من ينتخبه الناس للدين، ولا من يعينه الحاكم الدنيوي بمرسوم.. كيف؟.. وهل لأرباب الشهوات والأهواء ان يؤتمنوا على دين اللَّه؟.. إذن فليختاروا وينتخبوا الرسل والأنبياء، ويفرضوهم على اللَّه فرضا، ويلجئوه إلى الاعتراف بهم الجاء.. تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

والنتيجة المنطقية ان خليفة الرسول لا يكون، ولن يكون إلا بالنص عليه من الرسول بالذات، وان المرجع الأكبر في الدين من نص عليه بالصفات.. فمن تصدى لمنصب الخلافة بلا نص على اسمه، أو تصدى لمنصب المرجعية بلا نص على صفاته فهو مفتر على اللَّه ورسوله.. وقد خاب من افترى.

وبعد، فان القضية، أية قضية، سواء أكانت في الخلافة، أو في المرجعية، أو غيرها لا تصدق إلا إذا كانت انعكاسا عن الواقع، وان التلاعب بالألفاظ لا يجعل المبطل محقا، ولا المحق مبطلا، ولا غير المعقول معقولا.. وان دلت المقدرة على التبرير بالأقوال، لا بالحق والواقع، ان دلت هذه المقدرة على شيء فإنما تدل على ان صاحبها تلميذ ناجح لإبليس في تمويه الحقائق، وتغطيتها بالطلاء المغشوش المزيف1.


 1_تفسير الكاشف الجزء الأول /20.العلامة محمد جواد مغنية .

06-04-2015 عدد القراءات 1471



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا