21 تشرين الأول 2018 الموافق لـ 11 صفر 1440 هـ
En FR

القرآن الكريم :: التفكير والفطرة في القرآن

الفطرة



 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

توضيح للآية الكريمة:
تتألف هذه الآية المباركة من المقاطع الآتية:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

نتناول توضيحها إن شاء الله تعالى مقطعا بعد آخر.

1- فأَقْم وجهك للدّين حنيفا:

أي وجه وجهك للدين، ومن يوجه وجهك للدين فإن الدين لا محالة ينظم حياته، وحركته كلها. تأمر بالاستقامة على نهج الدين، وصراطه الذي رسمه الله تعالى للناس، والحنيف بمعنى الميل إلى، وهو ما ذكرناه من الاستقامة على نهج الله تعالى في هذا الدين.

2- فِطْرة اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ علَيْها:


والله تعالى اشتق هذا الدين من فطرة الناس، وتكوينهم الذي خلقهم عليه. ففي هذا الدين استجابة لكل متطلبات، واستيعاب لكل حاجات الإنسان في الحالات السويّة، واستيعاب لكل شخصية الإنسان بأبعادها المختلفة. وذلك لأن الذي رسم نهج هذا الدين للناس هو الذي خلق الناس، فهو أدرى بما يصلحهم، وما يفسدهم وما ينفعهم، وما يضرّهم.

3- لا تَبْديلَ لخَلْق اللهِ:

وخلق الله ونظامه وقانونه في التكوين ثابت لا يتغير، ولا يجري التغير في ما خلق الله تعالى من نظام التكوين بين عصر وعصر، ولا بين مكان ولا مكان، فالغريزة التي أودعها الله في خلق الإنسان لا تختلف من عصر إلى عصر، ولا زمان إلى زمان، لا تختلف متطلبات الغريزة وحاجاتها. كذلك (الحياء) و(العفة) اللذان خلقهما الله تعالى في نفس الإنسان لا يختلفان من عصر إلى عصر، ولا مكان إلى مكان. والدين الذي يستجيب لحاجات الإنسان الثابتة في تكوينه وفطرته لا محالة لا يتغير، وهذا أصل مهم في معرفة نهج هذا الدين في الاستجابة لحاجات الإنسان، ومعالجة مشاكله.

وليس من ريب في أن الإنسان يخضع لتطورات كثيرة في حياته على عمود الزمان وفي مساحة المكان، ولكن هذه التطورات لا تمس العناصر الأساسية من تكوينه، وتبقى أسس الدين وتعليماته الأساسية ثابتة، دون أن ينفي ذلك استجابة الدين للظروف المتجددة التي تحدث في حياة الإنسان.

4- ذلْكَ الدّينُ القيِّمُ:


وهذا هو الدين الذي يتمكن من أن يكون قيّماً على حياة الناس يتولى القيمومة عليهم، ويشرف على حياة الإنسان، ويضبط سلوكه، ويتحكم في حياته، وعلى الإنسان أن يعترف بهذه القيمومة، ويتقبلها ويخضع لها.

5- ولكنّ أكْثر الناس لا يعْلَمُون:


ولكن أكثر الناس يجهلون دور الدين في حياة الإنسان، والعناصر التي يتألف منها نسيج هذا الدين، وما بني عليه هذا الدين، وخلق الإنسان، وفطرته من انسجام وتناسق.

هذه مجموعة حقائق تذكرها آية المباركة من سورة الروم. وفيما يلي تفسير وتوضيح لجملة من الحقائق والأفكار التي تتضمنها هذه الآية المباركة إن شاء الله تعالى.

المفردات الثلاث في آية:

نتحدث عن المفردات الثلاث الواردة في هذه الآية، لننطلق منها إلى تفسير آية.
وهذه المفردات هي: الحنيف، القيم.

1- الحنيف:

يقول ابن الأثير: "الحنيف: المائل إلى الإسلام، وأصل الحنْف الميل، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم". وورد في الحديث أن زرارة سأل الإمام الباقر عليه السلام عن كلمة حنفاء لله؟ فقال عليه السلام: "لحنيفية من التي فطر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم على المعرفة به" .

يقول تعالى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا .

أي لم يكن له لون وصبغة، عدا صبغة الله، ولم ين له ميل إلى أحد غير الله، فقد كان حنيفا، طالبا لله، مبتغياً لوجهه، ولم يكن له وجهة غير الله، ولم يسلم وجهه لغير الله. وهذا كله مغروس في أصل الخلقة، في فطرة الإنسان، ولذلك يقول الإمام الباقر عليه السلام: "الحنيفية".

ويتضح من ذلك أن الحنيف في الآية الكريمة هو ميل الإنسان - بمقتضى ما أودع الله في فطرته - إلى الله وحركته إليه، وحبه له تعالى، ونزوعه إليه، وابتغاؤه لوجهه الكريم.

وكل هذا الميل والنزوع والحب والحركة إلى الله في حياة الإنسان يجري بمقتضى ما أودع الله وغرس في فطرة الإنسان من معرفته تعالى، وحبه والنزوع والميل إليه، وابتغاء وجهه.

2- لم نعهد استعمال هذه الكلمة في هذا السياق قبل القرآن. يقول ابن الأثير: الابتداء والاختراع، و الحالة منه كالجلسة. ثم يفسر الحديث المعروف "كل مولود يولد على" بأنّه يولد على نحو من الجبلة، والطبع الذي ينتهي إلى قبول الدين، ولو ترك وطبعه لاستمر عليها ولزمها. وكلمات سائر أهل اللغة قريبة من كلام ابن الأثير، ومن قراءة كلماتهم وتتبع استعمالات الكلمة في القرآن، والحديث يتضح أن هي التكوين والخلق الذي أبدع الله تعالى الإنسان عليه، وما أودع الله في هذا التكوين من ميول ونزوع، ورغبات. فقد أودع الله في نفس الإنسان: الرحمة، والإيثار، والصدق، والعفة والحياء، والأمانة والعدل وإباء الضيم، والعزة، والكرامة، والتوحيد، والإخلاص، والمعرفة، وابتغاء وجه الله، وحب الأرحام والناس، وإغاثة المكروب، وما إلى ذلك من القيم، والمواهب التي أودعها الله تعالى في نفوس الناس. فإذا رأى الإنسان شخصا أعمى في الطريق قد أشرف على السقوط في واد عميق، أو بئر، أو طفل قد أشرف على السقوط في حريق، فلا يقر له قرار، ولا يهدا له ضمير حتى ينقذهما، ولسنا نعرف تفسيرا لذلك إلاّ أن الله تعالى قد أودع هذه النوازع، والميول في تكوين الإنسان في أصل الخلقة، فهي توجه سلوكه، وتضبط تصرفاته، وتحكم حياته، في حالاته السويّة.

3- القيّم:

القيم على الصغير هو من يقوم بتقويم سلوكه، ويشرف على أمواله وتصرفاته، ويوظّف أمواله، وما يملكه توظيفا صحيحا. والدين القيم هو الدين يقوم بتقويم سلوك الإنسان، ويشرف على ضبط سلوكه، وتصرفاته، ويتعهد تربيته، وتنمية المواهب التي وهبها الله تعالى له.

تفسير آية:

في ضوء التوضيحات المتقدمة نستطيع أن نفسر آية، وهي الآية الثلاثون من سورة الروم في ثلاثة مقاطع كما يلي:
1- فأقم وجهك للدين حنيفا.
2- فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله.
3- ذلك الدين القيم.

وفيما يلي تفسير وتوضيح لهذه المقاطع الثلاثة:

المقطع الأول:

في المقطع الأول من الآية الكريمة يأمرنا الله تعالى أن نقيم وجهنا للدين، يعني أن نجعل الدين قبلة لنا، وإذا جعل الإنسان الدين قبلة له، فإن الدين عندئذ ينظّم حركة الإنسان، وجهة حركته، كما لو أن الإنسان جعل النجم وجهة لحركته في الصحراء، فإن النجم عندئذ ينظم حركته ويهديه يقول تعالى: (… وبالنجم همْ يهتدون) .

والاهتداء بالنجم يتم عندما يجعل الإنسان النجم قبلة له، ويستقبله في حركته، كذلك الدين، إذ يأمرنا الله تعالى أن نقيم وجوهنا له، ونجعله قبلة لنا، ونمكّن الدين من حياتنا، وسلوكنا وحركتنا، وهذا هو أحد وجهي القضية، وهو الوجه الظاهر الذي ينظم حركة الإنسان. والوجه الآخر للقضية هو الوجه الباطن، وهو الميل والنزوع إلى الله وابتغاء وجهه، والإخلاص له في كل حركة.

إذن (الدين) ينظم حركة الإنسان على نحوين:

ينظم ظاهر حركة الإنسان.
وينظم باطن حركة الإنسان، وقصد الإنسان ونيته.

ينظم ظاهر حركة الإنسان في العبادات، والمعاملات، والعلاقات الأسرية، والاجتماعية، وينظم باطن حركة الإنسان في ابتغاء وجه الله تعالى، والإخلاص له في كل شيء، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأقِمْ وجهكَ للدّين حَنيفاً﴾.

المقطع الثاني:

المقطع الثاني في تعريف الدين، فيما كان المقطع الأول في توجيه الإنسان إلى الدين. والدين، كما في هذا المقطع من آية (30) من سورة الروم، نظام تشريعي لتنظيم سلوك الإنسان، ويتطابق هذا النظام التشريعي مع النظام التكويني لخلق الإنسان، وتكوينه. و هي النظام التكويني لخلق الإنسان، والدين هو النظام التشريعي لحياة الإنسان.

فالدين و وجهان لقضية واحدة، متطابقان ولما كان الوجه التكويني لهذه القضية ثابتا، لا يتبدل، ولا يتغير: ﴿لا تَبْديل لخلْق الله﴾ فإن ثبات الوجه التكويني بمعنى ثبات الوجه التشريعي، وهو الدين، والانحراف عن الدين انحراف عن، وإذا انحرف الإنسان عن فطرته شقى.

وبالعكس، سعادة الإنسان في الاستقامة على نهج الدين، لأن الاستقامة على الدين من الانسجام مع. والانسجام مع أساس سعادة الإنسان، وذلك قوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾.

المقطع الثالث: ﴿ذلك الدين القيم﴾.

إن رسالة هذا الدين في حياة الإنسان هي تقويم سلوك الإنسان، وذلك بتعديل سلوك الإنسان على النهد الذي رسمه الله لعباده، وهو النهج الذي يتطابق مع فطرة الإنسان.

ويتم هذا التقويم والتعديل لسلوك الإنسان بالتربية الصحيحة، والتوظيف الصحيح للمواهب التي أودعها الله تعالى في نفس الإنسان. فإذا تمت تربية وإعداد وتنضيج المواهب التي خلقها الله في نفس الإنسان، ثم تم توظيفها بصورة صحيحة، فإن الإنسان عندئذ ينال ما أراد الله تعالى من الخلافة، والعبودية. وعلى خلفا ذلك، إذا لم تتم تربية وإعداد هذه المواهب، ولم يتم توظيفها توظيفا صحيحا أفسد الإنسان على نفسه ما رزقه الله من المواهب، وعطّلها تعطيلا كاملاً.
فالتوظيف الصحيح لهذه المواهب أو إفسادها، وتعطيلها يتوقف على طريقة تعامل الإنسان معها، وإخضاعها لتقويم الدين، أو عدم إخضاعها له. والسبب في ذلك كله تطابق الدين مع فطرة الإنسان. ففي هذا التطابق سر توفيق (الدين) في تنمية مواهب الله تعالى عند الإنسان، وتوظيفها التوظيف الصحيح.

وهذا التطابق بين الدين و أمر طبيعي، فإن ديّان الدين هو خالق، وهو بذلك كما قلنا أعلم بما يصلح الإنسان ويفسده. إنّ المهندس الذي يضع تصميم جهاز دقيق ومعقد، وينتج هذا الجهاز، ويضعه تحت تصرف الناس يضع إلى جانب هذا التصميم عادة تعليمات دقيقة لاستخدام هذا الجهار، وصيانته وهو أمر طبيعي.

وعلى نفس الملاك، فإن الله تعلى الذي خلق الإنسان وركبه مما شاء، هو وحده الذي يضع للإنسان المنهج الذي يسير عليه ويرسمه له. فإذا التزام الإنسان بما رسم الله تعالى من نظام التشريع، تمت له أسباب النمو والكمال الذي أراده الله له.

أنواع الأمور الفطرية على نحوين:

1- المعارف الفطرية.
2- النوازع والميول الفطرية.


وفيما يلي توضيح لهذين القسمين من:

1- المعارف الفطرية:


المعارف الفطرية، هي التي لا يحتاج الإنسان في إثباتها إلى دليل، ويكفي فيها تصور الموضوع والمحمول في الحكم، كما يقول علماء المنطق من دون حاجة إلى إثبات، كما نحكم بأن الكل أعظم من الجزء، وبأنّ الحق والباطل لا يجتمعان في شيء واحد، ولا يكون الأمر الواحد حقا، وفي نفس الوقت ومن نفس الحيثية باطلاً (استحالة اجتماع النقيضين) وهذه طائفة واسعة من الأحكام يصطلح عليها علماء المنطق بالأحكام الفطرية، ويعرفونها بأنّها لا تحتاج بعد تصور الموضوع والمحمول إلى إثبات للحكم، وإنما يترتب الحكم على تصور الموضوع والمحمول بصورة فطرية وقهرية. والأحكام الفطرية من أهم منابع المعرفة الإنسانية.

2- الميول والنوازع الفطرية:


وإلى جانب المعارف الفطرية هناك طائفة أخرى من الأمور الفطرية المودعة في نفس الإنسان ب، وهي الميول والنوازع الفطرية، والتي يميل الإنسان إليها، ويحبها، ويسعى إليها من دون وجود عوامل خارجية. فالإنسان يحب الصدق، ويحب الأمانة، ويميل إليهما، ويحب الحياء، والإيثار، والتضحية، والوفاء ويسعى إليها، ويحب العلم، والجمال، والكمال، وينزع نزوعا إلى عبادة الله، والإخلاص له، وذكره وشكره. ويتم كل ذلك في نفس الإنسان من دون وجود عوامل خارجية، ولا يزيد دور العوامل الخارجية على تأكيد ما أودعه الله في فطرة الإنسان.

وتنقسم النوازع إلى:

النزوع الغريزي والنزوع الفطري.

النزوع الفطري الذي نتحدث عنه شيء ما وراء النزوع الغريزي.


فإن الإنسان والحيوان يشتركان في النزوع الغريزي، أما النزوع الفطري فأمر مختص بالإنسان. والأمور التي ذكرناها يختص بها الإنسان، ولا يشاركه الحيوان فيها، وهي من مصادر كمال الإنسان، وعروجه إلى الله تعالى.


*كتاب الفطرة / اية الله  محمد مهدي الأصفي.

20-04-2015 عدد القراءات 1719



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا