21 كانون الثاني 2018 الموافق لـ 03 جمادى الأولى 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: التعرّف على القرآن

مميزات القلب




القلب في نظر القرآن أداة من أدوات المعرفة، إذ إن القرآن في معظم رسالته يخاطب القلب، تلك الرسالة التي تستطيع أذن القلب وحدها سماعها، وما من أذن أخرى قادرة على سماعها.لذلك فالقرآن كثيرا ما يعنى بالحفاظ على هذه الأداة، وبتعهدها وتربيتها.

هنالك الكثير من الآيات في القرآن نقرأ فيها عن تزكية النفس، ونور القلب، وصفائه:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا
 
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
﴿إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا


وبالنظر إلى أن السيئات تلقي الظلام على روح الإنسان وتكدر صفاءه، وتبعد عنه حبه للخير وسعيه إليه، فقد تكرر القول في القرآن بهذا الشأن، وقد جاء على لسان المؤمنين:  
﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا..

أو يقول في وصف المسيئين:
﴿
كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ 
﴿
فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ


أو إنه يتحدث عن إغلاق القلوب وختمها وقساوتها:
﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ


كل هذه الآيات تؤكد ان القرآن يرى الإنسان في جو روحي ومعنوي عال، ويرى أيضا أن على الإنسان أن يحافظ على هذا الجو نظيفا، نقيا. ولما كان كل سعي يقوم به الفرد في الحفاظ على طهارته، في مجتمع غير سليم، يعود في الاغلب عقيما غير موفق، فإن القرآن يحث الناس على بذل الجهد لتصفية مجتمعهم، وتزكية محيطهم.ويشير القرآن صراحة إلى أن ما تستثيره آياته من العشق، والإيمان، والرؤى، والتطلعات السامية، وتقبل النصح، وغير ذلك، يتوقف كله على تجنب المجتمع الإنساني والإنسان نفسه الرذائل، والدناءات، وحب الذات والشهوات.

يؤخذ من تاريخ البشر أنه كلما ارادت القوى الحاكمة أن تبسط سيطرتها على مجتمع ما، لاستغلاله، سعت إلى ذلك المجتمع فنشرت فيه الفساد، فتيسر لافراده مجالات اشباع الشهوات، وتحثهم على اتباع الملذات.

لقد ظهرت أمثولة هذا الاتجاه الشائن، الفاجع، ذي العبرة، في اندلس الإسلام - الاندلس الذي كان يعتبر من منابع عصر النهضة، وكان من أكثر دول أوربا تقدما - فلكي ينتزع المسيحيون الاندلس من المسلمين، أخذوا يفسدون روحية الشباب المسلم وأخلاقه، فلم يألوا جهدا في توفير أسباب اللهو واللعب، والانغماس في الملذات للمسلمين، ولقد نجحوا في هذا إلى درجة أن القادة، وكبار رجالات الدولة، وقعوا في حبائلهم، فلوثّوا نفوسهم، وبذلك تمكنوا من أن ينتزعوا ما كان في المسلم من عزم، وارادة، وقوة، وشجاعة، وإيمان، وطهارة روح، فأحالوهم إلى أفراد جبناء، ضعفاء، شهوانيين، يشربون الخمر، ويرتكبون الموبقات.ومما لا ريب فيه هو أن قهر شعب هذا شأنه ليس بالأمر العسير.

لقد انتقم المسيحيون من حكومة المسلمين، ذات القرون العديدة إنتقاما يخجل التاريخ أن يذكره، ويشمئز من ترديد تلك الجنايات الشائنة، لقد كانوا هم أولئك المسيحيون الذين كان المسيح عليه السلام قد علمهم أن يديروا خدهم الأيسر لمن يصفعهم على خدهم الأيمن.

لقد اجروا في الاندلس بحارا من دماء المسلمين، فبيضوا بذلك وجه جن?يز المغولي. وبالطبع كان السبب في هزيمة المسلمين ضعف همتهم، وفساد روحهم، جزاء إهمالهم تعاليم القرآن ودستوره.

وفي زماننا هذا، حينما وضع المستعمرون قدما في بلادنا، كان اعتمادهم على الحالة نفسها التي حذر منها القرآن.أي إنهم سعوا إلى إفساد القلوب. وإذا فسدت القلوب، انقلب العقل إلى قيد أكبر، يغل أيدي الناس وأقدامهم. ولهذا نجد إن المستعمرين، والمستغلين، لا يخشون إنشاء المدارس والجامعات، بل يؤسسونها بأنفسهم، ولكنهم يسعون، في الوقت نفسه، وبكل قواهم، إلى إفساد روح الطالب وقلبه.انهم يدركون حق الادراك إن القلب المريض لن يكون قادرا على المقاومة، بل يستكين إلى كل انحطاط، واستغلال، واستثمار.

لذلك يولي القران أهمية كبرى لطهارة روح المجتمع، إذ يقول: (وتعاونوا على البر والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

فيطلب من الناس ان يتوجهوا اولا إلى عمل الخير، وتجنب الأثم، ثم ان يكون توجههم هذا جماعيا ثانياً.

فيما يتعلق بالقلب، ساورد لكم بعض أقوال الرسول صلى الله عليه واله والأئمة عليه السلام لتكون حسن الختام لهذا الموضوع.جاء في كتب السير، إن رجلا قدم على الرسول صلى الله عليه واله وقال إن لديه ما يسأل عنه.فقال له الرسول: أتريد أن تسمع الجواب أم تريد أن تسأل؟فقال أريد الجواب. فقال الرسول صلى الله عليه واله: لقد جئت تسأل عن البر والخير، وعن الأثم والشر. فقال الرجل هو ذاك. فضم الرسول ثلاثة أصابع وضرب بها صدر الرجل بلطف وقال: استفت قلبك، ثم قال: لقد صنع قلب المرء بحيث يكون متصلا بالخير، فهو يهدأ بالخير، ويضطرب بالشر. مثل ذلك مثل الجسم، إن دخله ما لا يتجانس معه، اختل نظامه وتوازن أعضائه. كذلك روح الإنسان، يختل بالأعمال القبيحة. إن ما يسمى عندنا بعذاب الضمير، ينشأ من عدم انسجام الروح مع الآثام والأعمال الشائنة.

هنا يضع الرسول إصبعه على أمر مهم، وهو أنه إذا كان الإنسان باحثا عن الحقيقة بتجرد، وخلوص نية، فإن قلبه لن يخونه أبدا، وإنما يهديه إلى الطريق الصحيح.في الحقيقة إن الإنسان مادام باحثا عن الحق والحقيقة، ويتقدم على طريق الحق، فإن كل ما يصادفه هو الحق والحقيقة.إلا أن ثمة نقطة ظريفة تبعث على سوء الفهم، وهي أنه إذا ضل الإنسان طريقه، فالسبب هو إنه كان منذ البداية متوجها وجهة خاصة، بعيدة عن البحث عن الحقيقة بخلوص نية.

لقد أجاب الرسول صلى الله عليه واله الشخص الذي سأله عن "البر" قائلا له إنك إن كنت حقا تبحث عنه، فاعلم إنك إن وجدت ضميرك قد استراح إلى أمر، فذاك هو البر، ولكنك إن رغبت في شيء لم يرتح له قلبك، فاعلم أن ذاك هو الأثم.

ويسألون النبي عن معنى الإيمان فيقول: إن من إذا ارتكب القبيح قلق وندم، وإذا عمل صالحا سر وفرح، فهذا له نصيبه من الإيمان.

ينقل عن الإمام الصادق عليه السلام إنه قال: "إذا تحرر المرء من تعلقه بالدنيا احسّ بحلاوة حب الله في قلبه، فيرى الأرض قد ضاقت به، ويسعى بكل وجوده للتحرر من عالم المادة، والخروج منه.وهذا ما أكد أولياء الله والمنقطعون إليه صحته بطريقة معيشتهم. لقد جاء في سيرة حياة الرسول صلى الله عليه واله إنه زار مرة بعد صلاة الصبح أصحاب الصفة، وكانا جماعة من الفقراء، لا يملكون من متاع الدنيا شيئا، يعيشون بجوار مسجد النبي. فوقع نظر الرسول على واحد منهم اسمه زيد، أو حارث بن زيد، ورآه واهنا نحيفا، قد غرقت عيناه في محجريهما، فسأله: كيف أصبحت؟ فقال الرجل: أصبحت وحالي حال أهل اليقين.
فقال النبي: هذا زعم كبير. فما علامة ذلك؟
فقال الرجل: علامة يقيني هي إن النوم قد جفا عيني ليلا، وأنا بالنهار في صوم دائم، أقضي الليل حتى الصباح مضطرب الجوانح في العبادة.
فقال النبي: هذا لا يكفي، زدني.
فأخذ الرجل يسرد العلامات الأخرى، فقال: يا رسول الله، انا الآن في حالة وكأني أرى أهل الجنة وأهل النار وأسمع أصواتهم، وإن اجزتني أخبرتك بباطن أصحابك فردا فردا.
فرد النبي قائلا: صمتا، صمتا! لا تزد. بل قل لي ما ترجو.
فقال: أرجو أن أجاهد في سبيل الله.

يقول القرآن ان صقل القلب يوصل الإنسان إلى مقام بحيث إنه إذا رفعت دونه الحجب - كما قال امير المؤمنين عليه السلام - لما زادته يقينا.".

إن ما يرمي إليه القرآن بتعليماته هو تربية الإنسان، مستفيدا من سلاح العلم والعقل، ومن سلاح القلب أيضا.وهو يستعملها بافضل أسلوب، وأرفع طريقة، في سبيل الحق، ذلك الإنسان الذي يجسده في أمثلة حياة أئمتنا وتلامذتهم الصالحون حقا.
 

* معرفة القرأن / العلامة الشهيد مطهري

20-04-2015 عدد القراءات 1122



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا