21 كانون الثاني 2018 الموافق لـ 03 جمادى الأولى 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: التعرّف على القرآن

أنواع معرفة القرآن




أنواع معرفة القرآن

إن لمعرفة كل كتاب ودراسته، عموما طرقا ثلاثة:

الأول: المعرفة السندية او الانتسابية

في هذه المرحلة، نسعى لمعرفة مدى انتساب الكتاب إلى مؤلفه.فلنفترض اننا نريد معرفة ديوان حافظ الشيرازي أو خيّام.إن الخطوة الأولى هي أن نرى إن كان ما يطلق عليه اسم ديوان حافظ كله من نظم حافظ، أو إن بعضا منه فقط من نظمه، وإن بعضه الآخر مضاف إليه.كذلك الأمر بشأن خيام وغيره.

وهنا تبرز قضية تعدد النسخ، وعلى الأخص أقدمها تاريخا واكثرها اعتبارا، فنلاحظ إن أيا من هذه الكتب لا يستغني عن المعرفة والتمحيص.فديوان حافظ الذي طبعه المرحوم القزويني، إستنادا إلى اكثر النسخ اعتبارا، يختلف اختلافا بينا عن دواوين حافظ المعروفة التي طبعت في ايران أو في بمبي، والتي يحتفظ بها الناس في دورهم.فالدواوين التي طبعت قبل 30 أو 40 سنة تكاد تبلغ ضعفي حجم الدواوين التي يعتمدها الباحثون اليوم.على الرغم من إننا نجد بين الأشعار التي يعتبرها الباحثون منحولة أبياتا لا تقل جودة عن شعره الموثوق.

وعندما ننظر إلى الرباعيات المنسوبة إلى خيام نجد ثمة 200 رباعية تكاد تكون متقاربة المستوى ولا يتعدى ما فيها من اختلاف تلك الحدود المتعارف عليها عند الشعراء.ولكننا كلما تقدمنا تاريخا مقتربين من عصر الخيام نجد أن ما لا يشك في نسبته إلى الخيام من ذلك العدد لا يتجاوز عشرين رباعية.والباقي إما أن يكون مشكوكا في انتسابه إليه، أو أنه لشعراء آخرين حتما.

وعليه، فإن المرحلة الأولى في معرفة كتاب ما هي أن ننظر إذا كان ما بين أيدينا يمكن إسناده إلى مؤلفه أم لا.وإلى أي مدى يصح ذلك.هل إن مستنداتنا تؤيد كل ما بين أيدينا، أم أنها تصح على بعض دون بعض؟ وفي هذه الحالة، ما هي النسبة المئوية لصحة المنسوب إلى المؤلف؟ ثم ما دليلنا على صحة الانتساب، أو على الشك في الانتساب؟.

إن القرآن غني عن هذا النوع من المعرفة، وهو، لهذا السبب، كتاب فريد بابه في العالم القديم، فما من كتاب بين الكتب القديمة يمكن ان تمر عليه قرون طويلة ويبقى مع ذلك لا تناله شبهة أو اعتراضات من قبيل أن تكون السورة الفلانية مشكوكا فيه، أو أن الآية الفلانية موجودة في النسخة الفلانية وغير موجودة في غيرها، ليس مطروحة اساسا.إن القرآن متقدم على النسخ وعلم المعرفة بالنسخ، فليس ثمة أدنى شك في إن الذي أتى بجميع تلك الآيات هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله على اعتبار أنها معجزة، وأنها كلام الله.وإن احدا لا يستطيع أن يدعي بوجود نسخة مختلفة من القرآن، ولا الزعم باحتمال وجودها.ولم يظهر من المسشرقين أحد يحاول تناول القرآن من هذه الناحية، ليقول إن علينا أن نبحث عن نسخ القرآن القديمة جدا لكي نرى ما فيها وما ليس فيها ولئن كانت كتب مثل التوراة والأنجيل والأفستا، أو مثل "شاهنامة" فردوسي و"?لستان" سعدي وغيرها تستلزم هذه الطريقة، فإن القرآن غني عن كل ذلك.

في هذا الموضوع سبق أن قلنا إن القرآن متقدم على النسخ والعلم بالنسخ، فهو فضلا عن كونه كتابا مقدسا سماويا وينظر إليه أتباعه من هذا المنظور، فانه أقوى دليل وبرهان على صدق دعوى الرسول وأكبر معجزة من معاجزه.

ثم إن القرآن لم ينزل دفعة واحدة كالتوراة لتظهر عندئذ مشكلة التساؤل عن النسخة الأصلية، بل تتابع نزول القرآن خلال ثلاث وعشرين سنة.ومنذ اليوم الأول من نزوله أخذ المسلمون يعبون منه مثلما يعب العطشان من الماء الفرات عبا، فكانوا يستوعبون آياته ويحفظونها في قلوبهم.حيث كان المجتمع الاسلامي يومئذ مجتمعا بسيطا وليس عنده كتاب آخر يقرؤه ويحفظه إلى جانب القرآن، فكان يمتاز بخلو الذهن وقوة الحافظةكما إن تفشي الأمية بينهم حملهم على أن يتناولوا معلوماتهم ومعارفهم من بين ما يرون ويسمعون لذلك فقد ارتسم القرآن على قلوبهم - وهو الذي نزل منسجما مع ما لديهم من عاطفة وإحساس - ارتسام النقش على الحجر.ولما كان القرآن عندهم كلام الله، لا كلام بشر، فقد راحوا ينظرون إليه بتقديس، ولا يسمحون بأن يتبدل فيه حرف واحد، ولا أن يتغير مكان كلمة واحدة تقديما وتأخيرا، بل كانوا لا يفتأون يتلونه ويرتلونه تقربا إلى الله تعالى.ولا بد ان نذكر ان النبي صلى الله عليه واله قد انتخب منذ الايام الأول عددا من الكتبة عرفوا باسم "كتاب الوحي". هذه ميزة أخرى تضاف إلى مميزات القرآن لم تكن من نصيب أي كتاب أخر.إذ إن تدوين كلام الله منذ البداية يعتبر من جملة الأسباب الرئيسة في حفظه وصيانته من التحريف.

إن من المظاهر الأخرى التي كانت سببا في حسن استقبال الناس للقرآن، هو جانبه الأدبي والفني والرفيع..جانب فصاحته وبلاغته.كانت لقوته الأدبية جاذبية تشد الناس إليه شدا وتحملهم على سرعة استيعابه، بخلاف ما هو عليه الأمر بشأن كتب الأدب الأخرى، مثل ديوان حافظ وأشعار مولوي وغيرهما، فقد كان المولعون بها لا يتحرجون من التلاعب بما فيها لكي يزيدوها اكتمالا على ما يدعون.

إلا أن أحدا لم يجز لنفسه أن يمد يدا في القرآن، وقد نزل قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين).

وآيات غيرها تبين وخامة التقول على الله سبحانه، وعلى ذلك، وقبل أن يطرأ أي تحريف على هذا الكتاب السماوي، تواترت آياته حتى بلغت مرحلة لم يعد بالإمكان معها حدوث أي تصحيف أو تحريف أو انكار.ولهذا فلسنا بحاجة إلى أن نبحث هذا الجانب من جوانب القرآن، كما لا يحتاج ذلك أي خبير متضلع في القرآن.بيد أننا لا بد أن نتطرق إلى نقطة بهذا الخصوص، وهي إنه على أثر سرعة انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجا، وبسبب ترامي اطراف بلاد المسلمين وبعدها عن المدينة المنورة، مركز الصحابة وحفظة القرآن، فقد ظهر احتمال وجود خطر يهدد القرآن، وعلى الأخص في المناطق النائية، حيث يمكن أن يقوم بعضهم من باب التعمد أو السهو، بإضافة أو حذف أو تغيير في نسخ القران هناك.غير أن ذكاء المسلمين وحسن تقديرهم للأمور حال دون وقوع هذا الإحتمال، إذ إنهم تنبهوا إلى ذلك مبكرا في النصف الأول من القرن الأول الهجري، وأدركوا أن عليهم أن يدرأوا خطر أي تغيير متعمد، أو غير متعمد في القرآن، فاستفادوا من حفظته ومن الصحابة.

وأرسلوا نسخا مصدقة من المدينة إلى تخوم الإسلام البعيدة، وبذلك وقفوا بوجه أي تخريب من هذا القبيل، وعلى الأخص بوجه اليهود الذين كانوا أساتذة فن التزوير والتحريف المشهورين.

الثاني: المعرفة التحليلية

في هذه المرحلة يكون تحليل الكتاب هو موضع الدراسة، أي دراسة ما يشتمل عليه الكتاب من مطالب، وما يقصد إليه من أهداف، ما هي نظرته إلى الكون؟ وإلى الإنسان؟ وإلى المجتمع؟ ما هي طريقة عرضه لتلك المطالب وأسلوب معالجته إياها؟ أينطوي على منظور فلسفي، أو كما نقول اليوم، أفيه منظور علمي؟ أينظر إلى الأمور بعين العارف، أم أن له أسلوبه الخاص؟ وثمة سؤال آخر: أيحمل هذا الكتاب رسالة ما موجهة للبشرية؟ فاذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي تلك الرسالة؟

في الواقع إن المجموعة الأولى من الاسئلة تتعلق بوجهة نظر الكتاب في الكون والانسان والحياة والموت، أو بعبارة أشمل تتعلق بوجهة نظره الكونية، وهو ما يصطلح عليه فلاسفتنا اليوم بحكمته النظرية.أما المجموعة الأخرى من الأسئلة فتتعلق بما إذا كان الكتاب يعرض خطة لمستقبل الإنسان، وعلى أي طراز يريد أن يبني الإنسان والمجتمع؟ وهذا ما نطلق عليه اسم: رسالة الكتاب.

على كل حال، هذا الضرب من المعرفة يخص المحتوى، ويمكن إخضاع أي كتاب إلى هذه المعرفة سواء أكان كتاب "الشفاء" لابن سينا، أو ديوان "?لستان" لسعدي.

وقد نجد كتابا ليس فيه (منظور) ولا (رسالة) أو قد يكون له (منظور) بغير رسالة، أو قد يضمهما كليهما.

اما من حيث معرفة القرآن معرفة تحليلية، فينبغي علينا أن نعرف المسائل التي يتناولها وكيفية تناوله إياها، وكيف تكون استدلالاته ومجادلاته في مختلف المواضيع.

وإذا كان القرآن حارس الإيمان ومحافظا له، ورسالته رسالة الايمان، فهل ينظر إلى العقل بعين الرقيب المنافس محاولا صد هجماته، أو انه بالعكس ينظر دائما إلى العقل بعين الحامي والمدافع محاولا الاستعانة به؟ هذه الاسئلة، ومئات غيرها مما يطرح خلال المعرفة التحليلية، هي التي تقودنا إدراك ماهية القرآن.

الثالث: معرفة الاصل

في هذه المرحلة، وبعد الاطمئنان إلى نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وبعد التحليل التام لمحتواه، علينا أن نبدأ البحث لنعرف إن كانت محتويات الكتاب ومطاليبه من إبداعات فكر المؤلف نفسه، أم إنها مدينة إلى افكار الآخرين.

ففيما يتعلق بديوان حافظ، مثلا، وبعد الانتهاء من مرحلتي المعرفة المستندية والمعرفة التحليلية، علينا ان نتساءل إن كانت هذه الافكار والآراء التي أفرغها حافظ في قوالب الكلمات والجمل والابيات، وعبر عنها بلغته الخاصة، قد ابتدعها بنفسه، أم إن ابوتّه لها انما تقتصر على الألفاظ والكلمات وجمالها الفني فحسب، وإن الأفكار والآراء تخص غيره من الناس؟ وبعبارة اخرى إننا بعد ان نتأكد من اصالة حافظ الفنية، ينبغي ان نتأكد من اصالته الفكرية ايضا..

هذا النوع من المعرفة بخصوص حافظ أو أي مؤلف آخر هو معرفة أصول أفكار المؤلف وآرائه.وهذه المعرفة فرع يتفرع من المعرفة التحليلية.أي إننا يجب أولا أن نعرف محتوى أفكار المؤلف بدقة، ومن ثم نتوجه إلى معرفة أصوله، وبغير هذه الطريقة يكون حاصل عملنا مشابها لما يقوم به بعض المؤلفين في كتابة تاريخ العلوم بدون أن يكون لهم أي علم بها.أو مثل بعض المؤلفين الذين يكتبون في الفلسفة، كأن يكتبوا عن ابن سينا وأرسطو ويحاولون إيجاد ما يتشابهان فيه وما يختلفان، ولكنهم مع الأسف لا يعرفون ابن سينا ولا أرسطو.

إنهم ما إن يجدوا عندهما بعض الالفاظ المتشابهة، حتى يأخذوا بإصدار الأحكام، مع إن عليهم عند المقارنة أن يتعمقوا في فهم الفكرة، وإن التعمق في إدراك عمق افكار اشخاص مثل ابن سينا وأرسطو ليستغرق عمرا بأكمله، وليس ما يقال غير ذلك سوى تخمين وخبط عشواء.

عند بحث القرآن ومعرفته، وبعد أن نكون قد أنجزنا مطالعتنا التحليلية، يأتي دور المقارنة والمعرفة التاريخية.

وهذا يعني إن علينا أن نقارن القرآن بكل محتوياته مع كتب أخرى كانت موجودة في عصره، وعلى الاخص الكتب الدينية.

فاذا كان هذا العالم واقفا على آداب زمانه، ومطلعا على سير العلماء وسلوكهم، ومتعمقا في معرفة متصوفة عصره، بحيث إنه استطاع أن يضع كل ذلك في الشعر بأفضل مما يستطيعه أي شاعر آخر، فهل كان عرضه لتلك الافكار متأثرا بأحد ممن سبقه؟ أم إن ذلك كان من ابتداعه وابتكاره؟ وهل إن لمحي الدين الأندلسي، الذي يعد أبا التصوف الاسلامي، أي أثر على حافظ؟ أفهل يستبعد أن يكون لابن الفارض المصري - وهو اسبق من حافظ، ولا يقل مكانة في الأدب الصوفي العربي عن مكانة حافظ في الادب الفارسي - تأثيره في التكوين الشكلي لأفكار حافظ؟ إن وظيفة (معرفة الأصل) هي البحث في أمثال هذه المسائل وإيجاد الإجابة عليها.

ولأجراء هذه المقارنة لا بد من توفر جميع الشروط، مثل مدى ارتباط شبه الجزيرة العربية بالمناطق الأخرى، ونسبة الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة يومئذ في مكة...الخ.ثم نقوم بالتقويم والتقدير.

ترى هل كل ما وجد في القرآن موجود ايضا في كتب اخرى؟ فاذا وجد، فما هي نسبة وجوده؟ وهل إن المطالب الموجودة في الكتب الأخرى تتخذ شكل الاقتباس أم إنها مستقلة، أم إنها لا تعدو أن تكون مجرد تصحيحات وتوضيحات لما قد يكون فيها من تحريف؟ .

* معرفة القرأن / العلامة الشهيد مطهري

20-04-2015 عدد القراءات 934



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا