20 أيلول 2019 م الموافق لـ 20 محرم 1441 هـ
En FR

موقظ القلوب :: الموت وتوابعه

حكاية هكذا الصداقة



نقل الشيخ الأجل المحدّث المتبحر ثقة الاسلام النوري نور الله مرقده في دار السلام عن العالم الفاضل الصالح الورع التقي الحاجّ الملاّ أبي الحسن المازندراني قال : كان لي صديق فاضل تقي عالم، وهو المولى جعفر ابن العالم الصالح المولى محمّد حسين من أهل طبرستان من قرية يقال لها (تيلك).

وكان رحمه‌الله في بلده، فلمّا جاء الطاعون العظيم الذي عمّ البلاد ولهم العباد اتفق انّ خلقاً كثيراً ماتو قبله وجعلوه وصياً على أموالهم، فجباها كلها، ومات بعدهم بالطاعون قبل أن يصرف الأموال في محلها. فضاعت كلها.

ولما وفقني الله تعالى لزيارة العتبات ومجاورة قبر مولانا أبي عبدالله عليه‌السلام رأيت ليلة في المنام كأنَّ رجلاً في عنقه سلسلة تشتعل ناراً. وطرفيها بيد رجلين، وله لسان طويل قد تدلى على صدره، فلما رأني من بعيد قصدني. فلما دنا مِنّي ظهر انّه المولى المزبور.

فتعجّبت : فلّما هَمَّ أن يكلمني ويستغيث بي جرّا السلسلة الى الخلف، فرجع القهقرى، ولم يتمكن من الكلام.

ثمّ دنا ثانياً ففعلا به مثل الاُولى، وكذلك في المرّة الثالثة. ففرعت من مشاهدة صورته وحالته فزعاً شديداً، وصحت صيحة عظيمة انتبهت منها، وانتبه مَن كان نائماً في جانبي من العلماء.

فقصصت عليه رؤياي وكان وقت النداء، وإعلام فتح أبواب الصحن والحرم الشريفين. فقلت : ينبغي أن نقوم وندخل الحضرة ونزور ونستغفر له، لعل الله يرحمه إن كانت الرؤيا صادقة.

فقمنا وفعلنا ذلك.

ومضى زمان طويل يقرب من عشرين سنة ولم يتبين لي مِن حاله شيئاً، وكان في زعمي انّ تلك الحالة للتقصير الذي وقع منه في أيّام الطاعون في أموال الناس.

ولما مَنَّ الله تعالى عليَّ بزيارة بيته وقضيت المناسك، وقربنا من الرجوع الى المدينة المشرّفة مرضت مرضاً شديداً منعني عن الحركة والمشي. فلما نزلنا قلت لأصحابي : غسلوني، وبدلوا ثيابي واحملوني الى الروضة المطهرة لعلّ الموت يحول بيني وبين الوصول إليها. ففعلوا، ولما دخلت الحضرة أُغمِيَ عليَّ، فتركوني في جانب ومضوا لشأنهم. فلما افقت حملوني وأتو بي الى قرب الشباك، فزرت. ثمّ ذهبوا بي الى الخلف عند بيت الصديقة الطاهرة عليها‌السلام، أحد المواضع التي تزار فيها فجلست وزرت بما بدا لي، ثمّ طلبت منها الشفاء. وقلت لها : بلغلنا مِنَ الآثار كثرة محبتك لولدك الحسين عليه‌السلام، وانّي مجاور قبره الشريف، فبحقّه عليك ألا ما شافيتني.

ثمّ خاطبت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وذكرت ما كان لي من الحوائج منها الشفاعة لجماعة من رفقائي الذين حلُّو أطباق الثرى ومزقتهم البلوى، وعدّدت اسماءَهم الى أن بلغتُ الى المولى جعفر المتقدم ذكره. فذكرت الرؤيا، فتغيّرت حالي، فألححتُ في طلب المغفرة له وسؤال الشفاعة منه صلى‌الله‌ عليه ‌وآله .

وقلت : انّي رأيته قبل ذلك بعشرين سنة في المنام حال سوء، لا أدري كان صادقاً أم كان من الاضغاث؟

وذكرتُ ما سنح لي مِنَ التضرع والدعاء في حقّه. ثمّ رأيتُ في نفسي خفة، فقمت ورجعت الى المنزل بنفسي، وذهب ما كان بي مِنَ المرض من بركة البتول العذراء عليها‌السلام.

ولما اردنا الخروج من البلد اقمنا في (اُحُد) يوماً وكان أول منازلنا. فلمّا نزلنا فيه، وفرغنا من زيارة الشهداء رقدت فرأيت المولى جعفر المذكور مقبلاً عليّ في زيٍّ حَسَنٍ وعليه ثياب بيض كغرقىء البيض وعلى رأسه عمامة محنّكة وبيده عصاً، فلما دنا مني سلّم وقال : مرحباً بالأخوة والصداقة، هكذا ينبغي أن يفعل الصديق بصديقه، وكنت في تلك المدّة في ضيق وشدة وبلاء ومحنة، فما قُمتَ مِنَ الحضرة إلاّ وخلصتني منها، والآن يومان أو ثلاثة ارسلوني الى الحمام وطهروني من الأقذار والكثافات. وبعث اليّ الرسول صلى ‌الله‌ عليه وآله بهذه الثياب والصديقة الطاهرة عليها‌ السلام بهذا العباء، وصار أمري بحمد الله الى حَسَنٍ وعافية. وجئتُ إليك مشيعاً لك ومبشراً. فطب نفساً انّك ترجع الى اهلك سالماً صحيحاً وهم سالمون.

فانتبهت شاكراً فرحاً.

قال الشيخ المرحوم : وعلى الفطن الخبير أن يتأمّل في دقائق تلك الرؤيا فانّ فيها ما يزيل عن القلب العمى وعن البصر القذى.


* منازل الأخرة / الشيخ عباس القمي.

10-04-2015 عدد القراءات 2236



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا