21 أيلول 2019 م الموافق لـ 21 محرم 1441 هـ
En FR

موقظ القلوب :: الموت وتوابعه

حكاية العمل الصالح



ونقل عن أربعينات العالم الفاضل والعارف الكامل القاضي سعيد القمّي رحمه‌الله انّه قال: وصل إلينا من أحد الثقات ومحل الاعتماد عن استاذ اساتيذنا الشيخ بهاء الملة والدين العاملي قدس‌ سرهم: انّه ذهب في أحد الأيّام لزيارة بعض أصحاب الحال، وكان يأوى في مقبرة من مقابر اصفهان، فقال ذلك الشيخ العارف للشيخ: شاهدت قبل هذا اليوم في هذه المقبرة أمراً غريباً. فقد رأيت جماعة جاؤوا بجنازة ودفنوها في هذه المقبرة في الموضع الفلاني. وبعد مضي ساعة شممت رائحة طيبة لم تكن من روائح هذه النشأة، فبقيت متحيراً، فنظرت الى يميني وشمالي لاعرف من أين جاءت هذه الرائحة، فرأيت شاباً جميل الصورة في لباس الملوك وهو يذهب الى ذلك القبر حتّى وصل عنده، فتعجبت كثيراً مِن مجيئه الى ذلك القبر.

فعندما جلس عند ذلك القبر رأيته قد غاب وكأنّه صار داخل القبر.

فلم يمض زمن من تلك الحادثة حتّى شممت رائحة كريهة انتن من كل رائحة، فنظرت فرأيت كلباً يذهب بأثر الشاب حتّى وصل الى ذلك القبر واختفى.

فتعجبت لذلك وما كاد تعجبي ينقضي حتّى خرج ذلك الشاب بحال سيئة وهيئة قبيحةٍ وبدن مجروح، وقد رجع من حيث أتى.

فذهبت وراءه، ورجوته أن يخبرني بحقيقة الأمر فقال: أنا العمل الصالح لهذا الميت، وكنت مأموراً أن اصير معه في قبره، فإذا بذلك الكلب الذي رأيته أتى وهو عمله غير الصالح ؛ فأردت أن اخرجه من القبر لأَفيَ بصحبته فعضني ذلك الكلب بأنيابه، وجرحني ومزق لحيتي كما ترى، ولم يتركني أبقى مع ذلك الشاب، فلم أقدر بعد ذلك أن أبقى معه في قبره، فخرجت، وتركته لوحده.

فعندما نقل العارف المكاشف هذه الحكاية للشيخ، قال الشيخ: ما قلتَهُ صحيح ؛ فنحن قائلون بتجسم الأعمال وتصورها بالصورة المناسبة بحسب الأحوال.

* يقول المؤلّف: ويصدق هذه الحكاية الخبر الذي رواه الشيخ الصدوق في أول أماليه وملخصه: انّ قيس بن عاصم وفد مع جماعة من بني تميم الى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، وطلب منه موعظةً نافعة فوعظه صلى‌الله‌عليه‌وآله: ومن جملة ما قال: لابدّ لك يا قيس من قرينِ يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً اكرمك وإن كان لئيماً اسلمك، ثمّ لا يحشر إلاّ معك ولا تبعث إلاّ معه، ولا تسأل إلاّ عنه، فلا تجعله إلاّ صالحاً، فانّه إن صلح أنَستَ به، وإن فسد لا تستوحش إلاّ منه، وهو فعلك.

فقال: يا نبي الله احبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على مَن يلينا من العرب، وندّخره: فأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مَن يأتيه بحسان.

قال: فأقبلت افكر فيما اشبِّه هذه العظة من الشعر، فاستتب لي القول قبل مجيء حسان. قلت: يا رسول الله، قد حضرتني أبيات احسبها توافق ما تريد، فقلت:
تَخَيَّر خليطاً من فِعالِكَ اِنَّما***قَرينُ الفتى في القَبرِ ما كان يَفعَلُ
وَلابدّ بَعدَ المَوتِ مِن أن تعٍدَّهُ***لِيَوم يُنادى المَرءُ فيه فَيُقبلُ
فإن كُنتَ مَشغُولاً بِشَيءٍ فلا تكُن***بِغَير الَّذي يَرضى بِهِ الله تَشغَلُ
فَلَن يَصحَبَ الانسانَ مِن بعد مَوتِه***وَمِن قَبلِهِ إلاّ الَّذي كانَ يَعمَلُ
فَلَن يَصحَبَ الانسانَ مِن بعد مَوتِه***وَمِن قَبلِهِ إلاّ الَّذي كانَ يَعمَلُ
اَلا اِنَّما الانسانُ ضَيفٌ لاِهلهِ***يُقيمُ قليلاً بَينهُمُم ثُمَّ يَرحَلُ


* وروى الشيخ الصدوق قدس ‌سره عن الامام الصادق عليه‌ السلام، قال: قال رسول الله صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله: مرّ عيسى بن مريم عليه‌ السلام بقبر يُعَذَّبُ صاحبه ثمَّ مرَّ به مِن قابل فإذ هو ليس يعذّب.

فقال: يا ربّ مررتُ بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذّب، ثمّ مررت به العام، فإذا هو ليس يعذّب؟

فاوحى الله عزّ وجلّ اليه: يا روح الله انّه ادرك له ولد صالح. فأصلح طريقاً وآوى يتيماً فغفرت له بما عمل ابنه.


* منازل الأخرة / الشيخ عباس القمي.

10-04-2015 عدد القراءات 2433



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا