18 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 29 صفر 1439هـ
En FR

الأدعية والزيارات :: حول زيارة الأربعين

مشروعية الزيارة في العقيدة الإسلامية



على أعتاب يوم أربعين الإمام الحسين عليه السلام تشهد مدينة كربلاء زحفاً بشرياً هائلاً يتقاطر من مختلف أنحاء العالم حيث تتوالى وفود الزائرين وتتوجّه القلوب والعقول إلى ذلك المقام العظيم في كربلاء بهدف تجديد البيعة والولاء، واستحضار الدمعة والمصيبة على أعظم فاجعة ومأساة حلّت بالأمة الإسلامية والتي تمثّلت بتلك السيوف التي سلّها جيش الكفر والنفاق لقتل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه.

هذا المشهد اتّخذه أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) موقفاً للعبرة، ونبراساً لإعلان البراءة والرفض لما حصل على أرض كربلاء، ومواساةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمصابه العظيم.

إلّا أن بعض المسلمين اعتبر هذا النوع من الأعمال خارجاً عن تعاليم الإسلام والشريعة المحمّدية، وأنّ زيارة القبور والمشاهد ليس إلّا نوعاً من الطقوس والشعائر التي رفضها الدين الإسلامي.

وهذا ما يدفعنا إلى الجواب عن تلك الإشكاليات التي طرحها البعض والقول بأنّ الزيارة بدعةً من البدع المُحدثة في الإسلام.

وبيان ذلك يتمّ من خلال:

النقطة الأولى: مشروعية الزيارات في الكتاب والسنّة

من المسائل الإسلامية التي وقع الخلاف فيها مع من ادّعى الإسلام هو زيارة قبور الأنبياء والأوصياء والأولياء الصالحين، حيث أخذت هذه المسألة حيّزاً كبيراً في مجال الاعتقاد لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، لكونها أداة ارتباط بينهم وبين من جعلهم الله تعالى خلفاء له في أرضه وسمائه.

فهل هناك مشروعية لهذه الزيارات؟ وهل لها أصل في الكتاب والسنّة يعوّل عليه؟ أم أنها جاءت نتيجة عواطف كامنة لخلفاء الله تعالى في مملكته.

وهذا ما يقتضي النظر في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة لمعرفة حقيقة هذه المشروعية.

وقبل بيان ذلك لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الزيارات ناتجة عن الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى الناس عليها، فزيارة الإنسان لقبر حبيبه ومن كانت له به صلة روحية أو مادية، هي مما تشتاق إليه النفوس السليمة، فكل من يعيش تحت السماء باسم الإنسان السويّ إذا فارق أحبّته وأقرباءه، لا يقطع علاقته بمن شغف قلبه حباً، بل هو على حبّه باقٍ، ويريد أن يجسّد محبته وشوقه بصورٍ مختلفة، فهو تارةً يأوي إلى آثار حبيبه ورسوم داره وأطلاله فيحتفظ بألبسته وأثاثه، ولا يكتفي بذلك بل يحاول أن يزور قبره وتربته حيناً بعد حين. كل ذلك بباعث ذاتي من صميم خلقته، فلا يصحّ لدينٍ أساسه الفطرة كالدين الإسلامي أن يخالفه أو يمنعه من وصل أحبائه وتعاهدهم1.

وفضلاً عن ذلك فإنّ زيارة القبور تنطوي على آثار تربوية وأخلاقية كبيرة حيث تذكّر الإنسان باليوم الآخر، وتؤدّي إلى الحدّ من الطمع بالدنيا والحرص عليها.

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنّها ترقّ القلوب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً"2.

ولها أيضاً آثار اجتماعية حيث أنّ زيارة العظماء من أمثال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين (عليهم السلام) هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلاماً للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

وبالعودة إلى مشروعية الزيارة، فإننا نجد لها دليلاً من الكتاب والسنّة.

أما بالنسبة إلى الدليل القرآني
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ3.

الآية الكريمة خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنهي عن أمرين:
1- الصلاة على جنازة المنافقين.
2- القيام على قبورهم.

وعلى هذا الأساس يظهر من معنى الآية ومفهومها فضيلة الصلاة والوقوف (أو الزيارة) على قبر غير المنافق.

ومفاد ذلك هو مطلوبية هذين الأمرين (الصلاة والقيام على القبر) بالنسبة لغيره أي المؤمن.

بيان ذلك: أنّ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ يحتمل معنيين:
الأول: هو القيام وقت الدفن فقط، حيث لا يجوز ذلك للمنافق ويستحب للمؤمن.
الثاني: القيام في وقت الدفن وفي غيره.

وهنا ذكر بعض المفسرين بأنّ المراد هو المعنى الأول، وخصّصوا القيام نفياً وإثباتاً بوقت الدفن فقط.

ولكن الكثير منهم فسّره في كلا المجالين، أي بالأعم من وقت الدفن وغيره.

قال السيوطي في تفسيره: ولا تقم على قبره لدفن أو زيارة4.

وقال الآلوسي: ويفهم من كلام بعضهم أن على بمعنى عند، والمراد: لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة5.

وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسي: (ولا تقم على قبره) أي ولا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة والدعاء6.

والحق هو ما ذكره هذا البعض في كون المراد هو الأعم من وقت الدفن وغيره، والدليل على ذلك هو:

إنّ الآية تتشكّل من جملتين:

الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدً.
ولفظة "أَحَدٍ" بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق لجميع الأفراد، ولفظة "أَبَداً" تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تصلِّ على أحدٍ من المنافقين في أي وقت كان.

ونتيجة ذلك يكون المراد من النهي عن الصلاة على الميت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميت عند الدفن فقط، لأنها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعددة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى نقطة أبداً، بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء والترحّم سواء أكان عند الدفن أم غيره.

وعليه، فإنّ المقصود الأساس للآية هو النهي عن الترحّم على المنافق وعن الاستغفار له، سواء أكان بالصلاة عليه عند الدفن أم بغيرها.

الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ.
فإنّ مفهوم هذه الجملة هو: لا تقم على قبر أحد منهم مات أبداً لأنّ كل ما ثبت للمعطوف عليه من القيد – أعني أبداً – يثبت للمعطوف أيضاً.

ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من القيام على القبر هو وقت الدفن فقط، لأنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، كما كان بالنسبة للصلاة، ولفظة أبداً المقدرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدل على أنّ القيام على القبر لا يختص بوقت الدفن.

والحاصل: أن الآية الكريمة تريد الإشارة إلى أنّ الله تعالى ينهى نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن مطلق الاستغفار والترحّم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، وينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده.
ومفهوم ذلك هو أنّ هذين الأمرين يجوزان للمؤمن.

وبهذا يثبت جواز زيارة قبر المؤمن وجواز قراءة القرآن على روحه، حتى بعد مئات السنين.

وأما بالنسبة إلى الدليل الروائي
وهذا الدليل يمكن تجزئته إلى عدة أدلة وهي:
أولاً: تجسيد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه لهذه المشروعية من خلال قيامه بزيارة قبور أهل البقيع.
ثانياً: الروايات الواردة عنه صلى الله عليه وآله وسلم والتي يحثّ فيها على زيارة القبور.
ثالثاً: تعليمه المسلمين كيفية الحديث والكلام مع الموتى عند زيارة قبوره.

وفي المجال الأول روى مسلم عن عائشة أنها قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد"7.

وعن عائشة في حديث طويل أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها:
"أتاني جبرائيل فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم". قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟. قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ورحم الله المستقدمين منّا والمستأجرين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون"8.

فهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحرك ويزور القبور ضمن دائرة الوحي الإلهي الذي أجاز له ذلك؟ أم أنّ ما قام به غير جائز شرعاً؟!

وفي المجال الثاني، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أمر المسلمين بزيارة القبور بعد أن كان قد نهى عن ذلك.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها بتذكيركم زيارتها خيراً"9.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّ في زيارتها تذكرة"10.

وفي المجال الثالث، روى ابن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول – في رواية أبي بكر – السلام على أهل الديار، وفي روايةٍ أخرى: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنّا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية"11.

وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول عند زيارته للقبور:
"السلام عليكم يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر".

النقطة الثانية: موقف علماء المسلمين من الزيارة

بعد الاستدلال من القرآن الكريم والسنّة الشريفة على مشروعية زيارة القبور لا مجال لإنكار هذه المشروعية إلّا عند أولئك الذين ختم الله على قلوبهم وبصيرتهم من أمثال أصحاب الفكر المنحرف كابن تيمية وأتباعه من الوهابيين الذين كفّروا كل من يعتقد أو يمشي إلى زيارة القبور.

وما الاستشهاد بأقوال علماء المسلمين إلّا من الاستئناس بسيرتهم وأقوالهم على مشروعية الزيارة.

ونكتفي بذكر ما ورد في أقوال شخصيتين من الشخصيات المقدّسة لدى الطائفتين (السنّة والشيعة).

فقد نقل الإمام تقي الدين السبكي الشافعي المتوفي (567هـ) في كتابه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) باباً خاصاً لنقل نصوص علماء أهل السنّة على استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بيّن أنّ الاستحباب أمر مجمع عليه بين المسلمين.

وأما من علماء الشيعة فقد ذكر العلّامة الأميني في كتاب (الغدير) كلمات أعلام المذاهب الأربعة بما يتجاوز الأربعين كلمة والتي تبيّن الاستحباب في زيارة القبور.

النقطة الثالثة: ثواب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

تأكيداً على ما تقدّم نورِد فيما يلي بعض النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتي تبيّن ثواب زيارته صلى الله عليه وآله وسلم.
 
يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "من زارني في حياتي وبعد موتي، كان في جواري يوم القيامة".

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة".

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من أتى مكّة حاجاً ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة"12.

والحمد لله رب العالمين


1- الزيارة في الكتاب والسنّة، الشيخ جعفر السبحاني، ص10.
2- كنز العمال، المتقي الهندي، 15/ ح42555.
3- التوبة: 84.
4- تفسير الجلالين، السيوطي: تفسير الآية في سورة التوبة.
5- روح المعاني، الآلوسي البغدادي، 10/155.
6- روح البيان، البروسي، 3/378.
7- صحيح مسلم، 7/41.
8- المصدر نفسه، 7/44.
9- كنز العمال، المتقي الهندي، 15/ 248/ ح42563.
10- المصدر نفسه، 15/248/ ح42564.
11- صحيح مسلم، 7/45.
12- روح البيان، البروسي، 3/378.

19-03-2015 عدد القراءات 750



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا