19 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 30 صفر 1439هـ
En FR

الجهاد والشهادة :: باب الأولياء

الجهوزية الدائمة في الحرب



الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ1.

مقدّمة

إنّ عقل الإنسان يحكم كما فطرته وغريزته بضرورة توفير الاستعداد الكافي للدفاع في أيام الصلح والسلم، وذلك لأجل التمكّن من الوقوف في وجه العدو إن هو قام فجأة بهجوم خاطف وسريع.

وقد دلّت التجارب على أنّ الشعوب اليقظة والمستعدّة تمكّنت على الدوام من صدّ الحملات المفاجئة للعدو، وحفظت بقاءها واستمرار وجودها. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الشعوب التي كانت تعيش الغفلة واللامبالاة، كانت تسقط دائماً ضحيّة لغفلتها وتتعرّض للهزيمة.

والإسلام يأمر أتباعه أن يُعدّوا ما استطاعوا من قوّة لأجل الدفاع عن أنفسهم، وذلك قبل وقوع الحرب وظهور الحاجة إلى الدفاع، بل أكثر من ذلك فإنّه يأمرهم أن لا يسمحوا للعدو حتى بمجرّد التفكير بالهجوم على بلاد المسلمين. فإن هو شنّ هجومه على الرغم من قوّة المسلمين وشوكتهم، يكونون حينئذٍ قادرين من خلال هذا الاستعداد المسبق على مواجهته وردعه بسهولة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعً2.

وجوب إعداد عناصر القوّة

إنّ أصرح آية على الإطلاق تأمر بوجوب التجهّز والاستعداد، هي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ3.

فهذه الآية هي في الحقيقة تحذير بليغ لكلّ المجتمعات الإسلامية من أن يغفلوا عن الأعداء المعروفين وغير المعروفين، ومن أن يتركوا التفكير في مواجهة العدو، لأنّنا إن غفلنا فالعدو لن يدعنا وشأننا، وسيتحيّن الفرص للهجوم على البلاد الإسلامية. ولهذا نَجدُ أمير المؤمنين عليه السلام يقول حول هذا الأمر: "من نامَ لم يُنم عنه"4.

أهم عناصر القوة

لوجوب الإعداد والتجهّز للقتال الكثير من الموارد منها:

تعلّم فنون القتال والسلاح:
فيجب على كلٍّ من الدولة الإسلامية والشعب المسلم أن يعدّوا أنفسهم بتهيئة كلّ الإمكانات اللازمة لتعليم فنون الحرب المختلفة، كما أنّ عليها أيضاً مسؤولية تأمين السلاح الخفيف والثقيل بكافة أنواعه والعتاد الحربي.

ومن جانب آخر، يجب على الشعب تعلّم الفنون القتالية التي يُحتاج إليها، وأن يُشكِّلوا كتائب تعبوية عسكرية مستعدّة للمواجهة دائماً. ولعلّ في هذا ما يُفسِّر سبب توجيه الخطاب لعامّة الناس في آية الإعداد، خلافاً للآيات السابقة واللاحقة التي وجّهت الخطاب إلى شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فهذه الآية تريد أن تُشير إلى أنّ هذا الأمر الإلهي بضرورة الإعداد شامل لآحاد المسلمين تماماً، كما يشمل الحكومة الإسلامية والعاملين عليه، ولذا، يجب على كلٍّ منهم أن يَجِدَّ في تنفيذ هذا التكليف الإلهي بقدر استطاعته، وأن يُعدّ كلّ ما يمكنه من أسباب القوّة.

ولأجل تحقّق وجود هذه القوّة والجهوزية عملياً، كان النبيُّ الأكرمُ صلى الله عليه وآله وسلم يشجّع المسلمين على إقامة مسابقات الرماية وسباق الخيل، كما كان يرافقهم بنفسه لمشاهدتها، وأحياناً كان يُشارك شخصياً فيها5. وقد أولى صلى الله عليه وآله وسلم استمرارية هذا التعليم لفنون القتال عناية خاصة، حيث كان يطلب من أصحابه أن لا يغفلوا عن ذلك، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من تعلّم الرمي ثمّ تركه فقد عصاني"6.

تنويع مصادر القوّة:
وقد استخدمت الآية في بيانها لمعنى الجهوزية المطلوبة، مفردتين اثنتين هما: "القوة" و "رباط الخيل".

والمقصود من "القوة" هو كلّ شيء يؤدّي إلى تقوية المجاهدين في كامل تخصّصاتهم سواء على الصعيد المادي أم المعنوي. ولأنّ هذا التعبير هو تعبير مطلق، نستنتج أنّه لا حدّ لنوع هذه القوّة ومقدارها، وهي تتبدّل بتبدّل الأزمنة، والميزان فيها أن تكون مناسبة لمواجهة العدو.

والروايات التي قد وردت في هذا المجال، جميعها كانت لتعيين مصاديق هذه القوّة وبيان اتساع معناها وشموله. فقد عُبّر عن هذه القوة في بعضها بتعبير "الرماية" كما قيل أيضاً أنّ المقصود من القوّة هو ، وحدة الكلمة والثقة بالله تعالى والرغبة في الثواب الإلهي وأحياناً فُسِّرت بمعنى "الحصن"، وأخرى فُسِّرت - كما في بعض الروايات - بالسلاح والسيف والترس وحتى بصبغ الشعر الأبيض للمجاهدين7.

ومن المعروف أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم علِم في أيام حرب حُنين باختراع سلاح جديد في اليمن فأرسل على الفور رجلاً إلى هناك كي يشتري هذا السلاح للمجاهدين8.

وبناءً عليه، يمكن في هذا الزمان أن نعتبر تأمين وصناعة الوسائل العسكرية المتطوّرة كالدبابات المتنوّعة، والصواريخ، والطائرات، والسفن الحربية، والتدريب المتواصل للقوات العسكرية، هو من مصاديق إعداد هذه القوة.

تطوير الوسائل القتالية:
أمّا التعبير الثاني في الآية، وهو تعبير "رباط الخيل" (أي الخيل المربوطة والمستعدّة)، فيعدُّ أيضاً من مصاديق تلك القوّة. ولأنّ الخيل الأصيلة والسريعة كانت هي أفضل وسيلة للركوب والقتال في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ذُكِرَت بعنوان النموذج الأفضل، وذِكْرُ هذا المصداق يُرشدنا أيضاً إلى ضرورة تحصيل أكثر العتاد الحربي تقدّماً وتأثيراً.

وفي هذا الصدد يقول الإمام القائد الخامنئي دام ظله: "يجب أن تكونوا دائماً في حالة تقدّم، لأنّ العدو ينتظر الأرضية الملائمة للنفوذ، وهو ينتظر تأخّركم ليشنّ هجومه. وأفضل طريقة لصدّ هجومه هو الهجوم عليه. وإنّ تقدّمكم وتطوّركم هو هجوم على العدو. فالبعض يتصوّر أنّ الهجوم على الأعداء معناه حمل المدفع والأسلحة إلى مكان ما أو التصدّي السياسي من خلال الخطابات، ولا شكّ بأنّ هذا لازم في محلّه، ولكنّ الهجوم لا يكون بهذه الأمور فحسب، فإنّ بناء الإنسان لنفسه ولأبنائه ولمن أُمِّرَ عليهم ولبقية أفراد هذه الأمّة الإسلامية هو من أعظم الأعمال"9.

ويقول أيضاً دام ظله: "أيها الأعزاء، يا أبناء القوات المسلّحة، يجب عليكم تنمية قدراتكم العسكرية، والمحافظة على أجواء النظم والتعلّم بأفضل صورة، وكذلك يجب عليكم أن تحافظوا على القيم المعنوية والأخلاقية، لأنّها تعتبر من الأمور المهمّة والضرورية لأية مجموعة عسكرية"10.

هدفنا من الجهوزية القتالية

إنّ الهدف من وراء ضرورة الإعداد وتأمين السلاح وزيادة القدرة القتالية، ليس هو التعدّي على حقوق الآخرين وظلمهم، بل هو منع الأعداء الطامعين وردعهم عن التفكير بالهجوم وشنّ الحملات على المسلمين أو الوطن الإسلامي، وفي قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ11، إشارة إلى هذا المعنى.

ويدلُّ على ذلك أنّه يشير في الآية التالية مباشرة إلى التأثير العميق لهذه الجهوزية الدفاعية على معنويات الأعداء، فيقول: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ12.

فهذا الإجراء الذي يتّخذه المسلمون ليس فقط يُخرِج فكرة الهجوم عليهم من أذهان الأعداء، بل يدفعهم إلى التفكير في عقد صلح وإرساء أواصر العلاقة الطيّبة مع المسلمين.

وعليه، فللجهوزية العسكرية والدفاعية في الإسلام بُعدٌ سلمي ودعوة إلى الصلح لا إلى إشعال الحروب.

والمسألة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها في سياق عرض الهدف من وراء هذه الجهوزية، هي أنّها تصبّ في المقصد النهائي للجهاد، وهو: أن يكون "في سبيل الله" فاقتران "عدو الله" مع "عدوّكم" في الآية يدلّ على أنّه في تطبيق هذا التكليف بضرورة الإعداد لا مكان للأهداف الشخصية، بل إنّ الهدف هو حفظ دين الإسلام فقط13.

* كتاب باب الأولياء، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة الأنفال، الآية 60.
2- سورة النساء، الآية 71.
3- سورة الأنفال، الآية 60.
4- نهج البلاغة، الخطبة 62.
5- كنز العمال، ح10812، 10841، 10844، 10847.
6- أبو بكر السيوطي، الدر المنثور، بيروت، دار المعرفة، ج3، ص193.
7- يُراجع، تفسير نور الثقلين، ج2، ص164-165.
8- يُراجع، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج7، ص224.
9- جمهوري إسلامي، 25/ 9/ 1375هـ.ش(1996م).
10- حديث ولايت، ج6، ص253.
11- سورة الأنفال، الآية 60.
12- سورة الأنفال، الآية 61.
13- يُراجع، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج7، ص226.

29-01-2015 عدد القراءات 1896



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا