21 تموز 2018 الموافق لـ 07 ذو القعدة 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: التوحيد في القرآن

التوحيد مراتبه وأقسامه



التوحيد ونبذ الشرك من أهمّ المسائل العقائدية التي تصدَّرت المفاهيم والتعاليم السماوية على الإطلاق، ويعدّ أساساً لسائر المعارف الإلهية التي جاء بها رسل اللّه في كتبهم وكلماتهم.

وبما انّ للتوحيد مراتب بيّنها علماء الإسلام في كتبهم العقائدية نأتي بها على سبيل الإجمال ونردف كلّ قسم منها بآية أو آيات قرآنية ثمّ نبحث باسهاب عن التوحيد في العبادة الذي هو آخر مراتبه.

فنقول: إنّ للتوحيد أقساماً:

الأوّل: التوحيد في الذات

والمراد منه هو انّه سبحانه واحد لا نظير له، فرد لا مثيل له، بل يمتنع أن يكون له نظير أو مثيل، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير.

وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللّه أحَد* اللّهُ الصَّمَد* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَد.

الثاني: التوحيد في الخالقية

والمراد انّه ليس في صحيفة الوجود خالق غير اللّه سبحانه، ولا مؤثر سواه، وانّ ما في الكون من السماوات والأرض والجبال والبحار والعناصر والمعادن والنباتات والأشجار فهو مخلوق للّه سبحانه، فوجودها وأفعالها وآثارها كلّها مخلوقة للّه تبارك و تعالى.

فالشمس وحرارتها، والقمر وإنارته، والنار وإحراقه وغير ذلك من الفواعل والأسباب كلّها مخلوقة للّه تبارك وتعالى مع آثارها ومسبباتها، قال سبحانه: ﴿قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ القَهّار . وقال سبحانه: (اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلّ شَيْءٍ وَكِيل) وقال تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ. لكن جرت مشيئته على خلق الأشياء عن طريق أسبابها فكون العالم كله مخلوقاً للّه سبحانه ليس بمعنى إنكار علاقة السببية، كما سيوافيك.

الثالث: التوحيد في الربوبية

والمراد منه انّ للكون مدبراً واحداً متصرفاً كذلك لا يشاركه في التدبير شيء فهو سبحانه المدبر الوحيد للكون على الإطلاق، قال سبحانه: ﴿إنّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْر وقال سبحانه: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرونَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر كُلٌّ يَجْري لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْر.

تجد انّه سبحانه يذكر بعد خلق السماوات والأرض، تدبير أمر الخلقة، وربوبيَّتها فيُحصره في ذاته فلا مدبِّر ولا ربّ إلاّ هو، فيكون الخالق هو الموجد، والرب والمدبر لأمر الخلقة ودوامها واستمرارها.

نعم ثمّة سؤال وهو انّه إذا لم يكن مدبر سواه فما معنى قوله سبحانه: ﴿فَالمُدبِّراتِ أمْر أو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَة فانّ الحفظة جمع "الحافظ" وهم الذين يحفظون العباد ويدبّرون شؤون حياتهم،أفهناك تناف بين هذا الإثبات والحصر السابق؟!

والجواب انّ من كان ملمّـاً بحقائق القرآن وعارفاً بلسانه يقف على عدم وجود أيِّ تناقض وتناف بين ذلك النفي وهذا الإثبات، وذلك لأنّ الهدف من حصر التدبير باللّه سبحانه هو حصره به على وجه الاستقلال، أي من يدبر بنفسه غير معتمد على شيء.

وأمّا المثبت لتدبير غيره، فيراد منه انّه يدبر بأمره وإذنه وحوله وقوته على النحو التبعي فكل مدبر في الكون من ملك وغيره فهو مظهر أمره ومنفِّذ إراداته.

وليس هذا بعزيز في القرآن ترى أنّه سبحانه ينسب فعلاً لنفسه وفي الوقت نفسه ينسبه لشخص آخر، ولا تناقض، لاختلاف النسبتين في الاستقلال والتبعية، قال سبحانه: ﴿اللّهُ يَتَّوَفى الأنْفُسَ حينَ مَوتِه وقال: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُن.

فالتوفّي على وجه الاستقلال هو فعله سبحانه، وأمّا التوفّي بحوله وقدرته وإرادته وأمره فهو فعل الرسل.

وبعبارة أُخرى: هناك فعل واحد وهو التوفّي، يُنسب إلى اللّه بنحو وإلى رسله بنحو آخر، دون أيّ تناف وتنافر بين هذين النسبتين.

ونظيره قوله سبحانه: (وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُون) وفي الوقت نفسه يعتبر الملائكة كَتَبَة الأعمال ويقول: ﴿بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِم يَكْتُبُونَ.

وبذلك تقف على معنى التوحيد في التدبير والتأثير، وليس معناه خلوّ كلّ موجود من التأثير وانّ آثار الأسباب تفاض من اللّه سبحانه بلا واسطة، بل معناه انّ الآثار والمسببات، للأسباب نفسها، فالشمس مضيئة، والقمر منير والنار محرقة حقيقة، ولكن بجعل منه سبحانه، فالجميع من مظاهر أمره وإرادته.

ومن زعم انّ معنى التوحيد في الربوبية هو نفي الآثار عن الأسباب فقد نازع وجدانه، كما نازع الوحي المبين حيث إنّه يثبت الأثر الطبيعي لكلّ سبب وفي الوقت نفسه يربطهما باللّه سبحانه، قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأنْزَلَ مِنَ السَّماء ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للّهِ أنْداداً وَأنْتُمْ تَعْلَمُون.

تجد انّ الوحي اعترف بسببية الماء لخروج الثمرات الطيّبة وليست هذه الآية وحيدة في هذا الباب، بل في القرآن الكريم نماذج من هذا النوع، قال سبحانه: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوان يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يعْقِلُونَ.

فتستدلّ الآية على أنّ تدبيره سبحانه فوق تدبير الفواعل الطبيعية، وذلك بشهادة انّ الجنات تثمر أثماراً مختلفة مع وحدة الشرائط والظروف المحيطة بها من وحدة الماء والأرض، وهذا يدل على أنّ وراء الأمور الطبيعية والأسباب المادية مدبراً فوقها، وعلى الرغم من هذا الاعتراف إلاّ انّه لا ينفي تأثير العوامل الطبيعية من دون أن يراها كافية في خلق هذا التنوّع.

هذا هو منطق القرآن في التوحيد والتدبير والربوبية، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب العقائدية.


* كتاب التوحيد/ اية الله جعفر السبحاني.

12-01-2015 عدد القراءات 1205



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا