20 تشرين الأول 2018 الموافق لـ 10 صفر 1440 هـ
En FR

القرآن الكريم :: وصايا قرآنية

روح الجماعة



قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر1.

أ- الجماعة أساس النجاح:
يحثنا الإسلام العزيز على روح التعاون والجماعة في كل سبل الحياة المرتبطة بشؤون الدين والدنيا، وأن نظرة واحدة إلى الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة كافية في معرفة ما لهذا الأمر من أهمية وتأكيد في الشرع المبين سواء في قيام نظام العيش بما يشتمل عليه من اقتصاد وسياسة واجتماع أو في مراسم العبادات الإلهية كالحج والصلاة ومجالس العزاء والدعاء والجهاد في سبيل اللَّه تعالى ويكفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "يد اللَّه مع الجماعة"2 وما من شك أن كثيراً من مواطن الضعف التي أصابت المسلمين في حقبات من الزمن كانت وليدة روح الفرد والانزواء وإتباع المصالح الشخصية على حساب الأهداف العالية للدين الحنيف وعدم الالتفات إلى الآخرين وفقدان الإيثار وحمل هموم المستضعفين مع أن المجتمع الذي يريده النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلن عنه قائلاً: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"3 فما لم يكن المؤمنون كذلك فإن حليفهم الفشل والهزيمة وليس النصر والنجاح لأنه قائم على التعاون وبذل الجهود صفاً واحداً لأجل بلوغ ما أرادنا اللَّه تعالى أن نصل إليه وإلا خرجنا عن كوننا مسلمين كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"4.

ب- الصلاة جماعة:
تحدثنا الروايات عن المشهد الذي يحبه اللَّه ورسوله وهو صفوف الصلاة جماعة الذي يشكل مصداقاً واحداً من تجسيد مفهومها وعنوانها بما يتسع له من ميادين، فقد جاء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "أما الجماعة فإن صفوف أمتي في الأرض كصفوف الملائكة في السماء والركعة في جماعة أربع وعشرون ركعة، كل ركعة أحب إلى اللَّه عزّ وجلّ من عبادة أربعين سنة"5.

لذلك رتبّ اللَّه سبحانه عليها الثواب الجزيل، ويدعو سماحة السيد القائد دام ظله إلى المحافظة على هذه الشعيرة الربانية وإعزازها قائلاً:"من المناسب للمؤمنين أن يجتمعوا في مكان واحد ويحضروا جميعاً صلاة جماعة واحدة من أجل إضفاء العظمة على المراسم الدينية لصلاة الجماعة"6.

ويؤكد دام ظله على كونها بإمامة العلماء وأهل الفضل وعدم إغفال دورهم حيث يقول: "لو كان بإمكان الأخوة الأعزاء بسهولة أداء الفريضة خلف عالم الدين الذي يجدونه أهلاً للإقتداء به ولو بالخروج إلى بعض المساجد المجاورة فلا ينبغي لهم الاقتداء بغير عالم الدين بل الاقتداء بغيره لا يخلو في بعض الموارد من الأشكال"7.

ج- الجهاد جماعة:
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ8.
إن قوة المسلمين لا يمكن أن تكون كامنة في أفرادهم متفرقين بل هي متجسدة في تماسكهم واجتماعهم تحت راية الهدى في قتالهم ضدّ الأعداء بالصورة التي يحبّها اللَّه سبحانه كأنهم بنيان مرصوص يشدّ بعضهم بعضاً ويقوّي عزيمته ويزيد في قوته وهو مصداق ومورد آخر من هذه الشرعة المقدسة التي يشهد لها تاريخ المجاهدين والشهداء منذ أن كان الإسلام في صدره الأول ويقابلها ما كان من تفرق وتشتت أدّى إلى كثير من الضياع والهزائم بما يبغضه اللَّه عزّ وجلّ.

د- الدعاء جماعة:
كذلك كان لاجتماع المؤمنين في مجلس واحد لأجل قراءة الأدعية المباركة قيمة مختلفة عن الدعاء الانفرادي بحيث أن اللَّه تعالى وعدهم بالاستجابة القطعية لمسألتهم جزاء اتحادهم واجتماعهم وظلَّ الأنبياء والأوصياء عليهم السلام يوصون بهذا المنهج ويؤكدون عليه حتى قائم آل محمد عليه السلام جاء عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يجتمع أربعون رجلاً في أمر واحد إلا استجاب اللَّه تعالى لهم حتى لو دعوا على جبل لأزالوه"9 وهذه من الروايات التي بيّنت بلسان العدد.

هـ- صلة الأرحام والجيران:
عن مولانا الصادق عليه السلام: "إن صلة الرحم والبرّ يهونان الحساب ويعصمان من الذنوب فصلوا أرحامكم وبروا بإخوانكم ولو بحسن السلام وردّ الجواب"10.

وعنه عليه السلام أيضاً: "حد الجوار أربعون داراً"11.
وهنا دعوة إلى العيش بروح الجماعة سواء مع الأرحام الذين تربطنا بهم رابطة النسب أو مع الجيران الذين ظلّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوصي بهم حتى ظنّ المسلمون أنه سيورّثهم، ذلك أن الحياة التي يهدف إليها الإسلام هي التي تحمل هذا الجانب الاجتماعي شكلاً ومضموناً بما له من أبعاد مختلفة تنعكس في سائر شؤون الإنسان الداخلية والخارجية وتساهم في تربية الأبناء وشد الأواصر بين الكبار ليكون هناك نموذج مثالي تحذو حذوه سائر الأمم وهي تدعو إلى التراحم وبناء العلاقات على أسس الخير والصلاح والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ12 وكذلك يشهد لهذا المعنى واجب الحج الذي هو من أبرز مظاهر الاجتماع والوحدة. حيث أراده اللَّه تعالى كذلك في وقت واحد ومكان واحد وبشكل واحد.

* من هدي القران ، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- العصر:1-3.
2- الرسالة السعدية، ص155.
3- ميزان الحكمة، ج4، ص2837.
4- مكاتيب الرسول، ج2، ص625.
5- الخصال للصدوق، ص355.
6- أجوبة الاستفتاءات، ج1، ص163.
7- م. ن، ص109.
8- الصف:4.
9- المستدرك، ج5، ص239.
10- الكافي ج2، ص157.
11- م. ن، ص669.
12- المائدة:2.

25-12-2014 عدد القراءات 3237



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا