18 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 29 صفر 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: المعرفة

كيف أتعرّف على الله؟



العقل قائد الإنسان

يتميّز الإنسان عن باقي مخلوقات الأرض بالعقل، فبالعقل تمكّن الإنسان من الاستفادة من الطبيعة، وتمكّن من تسخير مواردها لتطوير أساليب عيشه وحياته. وبالعقل يميّز الإنسان الخطأ من الصّواب، والحقّ من الباطل في كثير من الأمور، وذلك باتّباعه جملة من القواعد والقوانين العامّة التي يدركها ويطبّقها على مواردها متى اقتضى الأمر ذلك. ولذلك نرى كيف خطت البشريّة خلال عدّة قرون خطوات جبّارة في شتّى ميادين الحياة، بينما عالم الحيوان لا يزال على حاله منذ آلاف السّنين.

قال أمير المؤمنين: "أوّل الدّين معرفته، وكمال معرفته التّصديق به"1.

أ ـ قانون السببيـّة
ولعلّ قانون السببيّة هو أحد هذه القوانين العامّة التي تبيّن بوضوح أنّه لا يوجد مسبَّب من دون سبب، وهذا ما يظهر بشكل جليّ في تحرّكات الطّفل الصّغير في العديد من المواقف، فهو مثلاً يبتعد عن الأجسام الحارّة، وذلك بسبب إدراكه أنّ اللّذعة الأولى الّتي حدثت له لم تأتِ صدفة، بل سبّبتها حرارة الجسم الّذي لامسه.

كيف نستفيد من قانون السببيـّة في إثبات الخالق؟

فلنلاحظ معاً كيف أنّ طريقة تفكير الإنسان منذ الصّغر لا تخرج عن إطار السّؤال عن الأسباب والمسبّبات، فكم من الأسئلة المحرجة والصّعبة يتعرّض لها الوالدان عندما يسألهما ابنهما الصّغير عن سبب هذا الأمر أو ذاك؟ بل حتّى أنّه يذهب للسّؤال عن سبب السّبب، ولا يكتفي بمعرفة السّبب الأوّل.

وبنظرة تأمّليّة بسيطة في هذا الكون وما فيه نعرف السبب وهو الله تعالى. نظرة في هذه السّماء العظيمة التي لم يستطع الإنسان أن يسبر أغوارها، وفي موقع الشّمس من الأرض وكيف أنّ بعدها المناسب عنها هو الذي وفّر لنا حياة طبيعيّة وملائمة، وفي الأرض وما فيها من جبال شامخة وبحار كبيرة وأنهار تمدّنا بماء الحياة. وتتمثّل هذه النّظرة التأمّليّة في الآية الكريمة التي تستثير عقولنا حيث يقول تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر﴾2.

قال الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾3.

إستنتاج: على الإنسان أن يتأمّل في موجودات الكون (السماء،النجوم،الأرض والجبال...إلخ) ويُعمل عقله ليتوصّل إلى أنّ الكون له خالق.

ب ـ استحضار صورة القويّ القادر في الخلق
بعد أن تنبّهنا إلى أنّ هذا الكون لا بدّ له من سبب وعلّة، يتوجّه عقلنا نحو الأسئلة التالية: مَن هو سبب وعلّة هذا الكون؟ مَن هو الذي أوجد السماء والأرض والنجوم والشمس والقمر...؟ ومَن هو الذي جعل هذه الأجرام بغاية الدقّة والتنظيم في حركتها؟ مَن هو الذي أوجد الإنسان هذا المخلوق العجيب وأودع فيه كلّ هذه الأسرار والصّنائع؟

قال أمير المؤمنين: "بصنع الله يُستدلّ عليه، وبالعقول تثبت معرفته"4.

ولتقريب الصّورة من معناها الحقيقيّ، نسوق مثالاً لبيان ذلك: لو أنّك كنت تسير في صحراء شاسعة وخالية من البشر، ثمّ تفاجأت بوجود ساعة يد متقنة الصّنع مرميّة على رمال الصّحراء، إلى أين سيذهب فكرك؟ هل ستقول إنّ الحيوانات والزّواحف الصّحراويّة هي التي صنعت هذه الساعة ووضعتها في هذا المكان!؟ هل ستقول إنّ الرّياح والرّمال والحرارة هي التي اجتمعت وفعلت ذلك!؟

بالتأكيد لا؛ لأنّ فاقد الشّيء لا يعطيه، فالحيوانات والرّمال والرّياح فاقدة للعلم والقدرة على صناعة وتشكيل هكذا أمور. وبالتالي الجواب الحاسم سيكون: إنّ إنساناً ماهراً عالماً بفنون صناعة السّاعات هو الذي صنعها وجعلها بهذه الدقّة في الأداء والعمل.

لنأتِ إلى هذا الكون المعقّد الصّنع والّذي عجز الإنسان عن كشف أغلب أسراره وخفاياه، ألا يحتاج إلى موجِد مبدع وقادر وعالم حتّى يخلقه؟ هل تتوقّع أنّ الإنسان هو الذي فعل ذلك؟ الإنسان أعجز عن أن يخلق بعوضة. وهل تتوقع أنّ هذا الكون وُجد نتيجة ظروف عشوائيّة أو نتيجة تصادم أجزائه؟!

القبول بهذا أقرب إلى المستحيل. نحن لم نقبل أن تقوم الرّياح والرّمال بصنع ساعة صغيرة توضَع في معصم إنسان! فكيف نقبل أنّ كوناً فيه مليارات المجرّات والنّجوم، وأنّ أرضاً تحوي مخلوقات حيّة ومعقّدة قد وُجدت نتيجة تصادم عشوائيّ!!. الإنسان وأجزاء الكون العمياء أعجز عن أن يخلقوا شيئاً، لأنّ فاقد الشّيء لا يعطيه.

الذي أوجد الكون والإنسان والحياة هو موجود قويّ وعالم وحكيم وقادر وجبّار وهو الله عزّ وجلّ.

إستنتاج: إنّ الله هو الذي أوجد السماء والأرض والنجوم والشمس والقمر.. وهو الذي جعل هذه الأجرام بغاية الدقّة والتنظيم في حركتها، وهو الذي أوجد الإنسان هذا المخلوق العجيب وأودع فيه كلّ هذه الأسرار والصنائع.

* طريق المعارف، سلسلة المعارف الإسلامية ، نشر:جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1-نهج البلاغة، ج1، ص14
2-الغاشية:17-21
3-الطور:35ـ 36
4-تحف العقول، ص62

22-12-2014 عدد القراءات 2913



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


تعليقات القراء 1 تعليق / تعليقات

محمد مهدي | شكر

22-12-2014 | 23-24د

بارك الله بكم ووفقكم الله لكل خير



جديدنا