20 نيسان 2018 الموافق لـ 03 شعبان 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: الإعجاز في القرآن

كيف نثبت أنّ القرآن معجزة في هذا العصر؟



الإعجاز البلاغيّ
من الواضح عند تتبُّع سير من ادّعوا النبوّات أنّ معجزاتهم كانت مفيدة في عصورهم، لا سيّما أنّها كانت في مقام التحدّي لأعلى التطوّرات الحاصلة في تلك العصور، فموسى عليه السلام طرح معجزة العصا، والحجر، واليد البيضاء، في زمن انتشر فيه السحر، وعيسى عليه السلام طرح معجزة إحياء الموتى، وشفاء المرضى، في زمن راج فيه علم الطب، لا سيّما أنّ فلسطين وسوريا كانتا في عصر المسيح عليه السلام مستعمرتين لليونان الشهيرة بالطب.

ومثل هذه المعاجز تنفع للتصديق بها في زمانها، أو الزمن المتّصل بها، إلا أنّها لا تصلح لكونها خالدة في كلّ عصر، كما هو واضح، فالخالد لا بدّ أن يحمل عناصر الإعجاز بحيث يكون له فاعلية في كلّ زمن.

وقد طرح الإسلام القرآن الكريم معجزة تنفع في عصر نزوله، لا سيّما أن التحدّي به كان في الزمن الذي راج فيه الأدب، والشعر، والخطب، والكلام البليغ، وأيضًا هو يَنفع معجزة في كلّ عصر, من ناحية كون النص القرآني نفسه معجزة.

ولمعرفة مدى صحة هذا الكلام، علينا أن نطبّق عليه عناصر الإعجاز الأربعة التي مرّت عند الإجابة على السؤال السابق، وهي:
1- أن يكون خارقًا للعادة.
2- أن يعجز الناس عن الإتيان بمثله.
3- أن يكون مطابقًا للدعوى.
4- أن يكون مصحوبًا بدعوى النبوة.

ونبتدئ بالتطبيق من العنصر الأخير انتهاء بالأول.
1- هل القرآن مصحوب بدعوى النبوة؟
إنّ هذا الأمر واضح لا شكّ فيه.

2- هل القرآن مطابق للدعوى؟

إنّ هذا الأمر أيضًا واضح من جهة مواءمته لطرح النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

3- هل عجز الناس عن الإتيان بمثله؟

لقد تحدّى القرآن الناس أن يأتوا بمثله بشكل صريح، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا1.

بل تحدّى القرآن الناس أن يأتوا بعشر سور مثل سوره، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ2.

بل تحدّاهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ3.

ومع كلّ هذا التحدّي للعرب، وهم في قمّة البلاغة والفصاحة، لم يسجّل لنا التاريخ أيّة محاولة ناجحة أثبتت قدرة الناس على الإتيان بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بمثل سورة واحدة منه.

ذكر التاريخ أنّ بعض الأدباء العرب، بعد سنوات طويلة على نزول القرآن الكريم، حاولوا أن يعارضوه، وهم: ابن المقفّع، وابن أبي العوجاء، وابن شاكر الديصاني، وعبد الملك الحضرمي. وقد بذل هؤلاء كلّ قدراتهم وجهودهم خلال عام كامل في هذا المجال، واجتمعوا بعد مرور عام في المسجد الحرام ليتدارسوا أعمالهم وجهودهم، فظهر لهم أنّهم لم يصلوا للنتيجة المطلوبة، وقد ورد أنّ الإمام الصادق عليه السلام مرّ عليهم أثناء اجتماعهم، وتلا قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا4.

وعرف عن ابن المقفّع أنّه بعد مدة من اشتغاله بمعارضة القرآن مزّق ما جمع، واستحيا لنفسه من إظهاره5.

وسجّل لنا التاريخ بعض المهاترات، التي لا تحتاج إلى تعليق، مثل معارضة مسيلمة الكذّاب لسورة الفيل بقوله: "الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل"6.

إذًا العنصر الثالث متوفِّر، بقي العنصر الأخير وهو:
4- هل القرآن خارق للعادة؟
نعم، إنّ القرآن خارق للعادة في أمور عديدة، نتعرّض لأمرين يجمعهما عنوان: البلاغة الخارقة لمعارف عالية من إنسان أمّي.

البلاغة

لقد تحدّى القرآن الكريم الناس ببلاغته، أسلوبًا، ونظمًا، وصوتَ حروف.
وقد سجّل التاريخ انشداد الناس إلى بلاغة القرآن، وإسلام العديد منهم بسبب هذا الانشداد، حتى نُعِتَ النبيّ لأجل ذلك بالسّاحر.

ومن لطيف ما حكى التاريخ أنّ الوليد بن المغيرة المخزوميّ، الذي كان يعدّ أبلغ العرب، جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ صلى الله عليه وآله وسلم عليه القرآن، فكأنّه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه يغريه بالمال، ويدعوه إلى اتخاذ موقف سلبيّ من النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان جوابه: "فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالشعر منّي، ولا بِرَجْزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إنّ لقوله حلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنّه ليعلو، ولا يُعلى عليه، وإنّه ليحطم ما تحته"7.

ولتوضيح بعضًا من هذه البلاغة أعرض الأمثلة الآتية:
أ- قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ8.
إنّه تصوير لمشهد التعذيب المرعب في النار، فهي تفور، وهو مشهد يخيف العين، وهم يسمعون صوت الشهيق الذي يعني التهامهم وجذبهم إلى الأسفل، وهم بسماعهم لصوت الشهيق يصابون بالرعب الشديد، فتنخلع قلوبهم قبل أن تلتهمهم ألسنتها ويحرقهم لهيبها.

ب- قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق9.
يصوّر الله تعالى الحقَّ، وهو مجرّد، بقذيفة يلقيها على الباطل الذي يصوّره بالهشّ الواهي, لأنّ الحق يصيبه في دماغه (فَيَدْمَغُهُ)، فيلقيه قشة هامدة، إلا أنّ الإزهاق هو خروج الروح، والمراد بيان حتميّة انهيار الباطل، وبطلان أثره.

ج- نلاحظ أنّ الآيات الداعية إلى التأمّل والتفكير طويلة هادئة، كقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ10.
أمّا الآيات الدالّة على العذاب والإنذار والتخويف، فهي قصيرة شديدة، كقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ11.

ورد أنّ جبير بن مطعم جاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو كافر، يريد أن يُفدي أحدهم، فسمعه يقرأ ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ، فلمّا انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ، أسلم، وقال: "خشيت أن يدركني العذاب"12.

المعارف

وقد جاءت هذه القوالب لمعارف عالية منها:
أ- مبدأ الوجود ووحدانيته وحكمته.
- ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ13.
- ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ14.
- ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا15.

ب- إرسال الله الحكيم الأنبياء،
ومعهم خرائط الكمال واعظين حاكمين
- ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ...16.

ج- مصير الإنسان والكون

- ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُه17، مبرّرًا استغراب ذلك بقوله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ18.

د- تاريخ البشرية بدءً من أوّل إنسان، مرورًا بالأنبياء والقادة والمناوئين لهم إلى عصر الظهور.
1- آدم عليه السلام
تحدّث القرآن الكريم عن آدم عليه السلام أوّل إنسان بشكل تفصيليّ من أول خلقه، وكيف خُلق وتكامل بالأسماء، وتزوّج، ودخل الجنّة، وخرج منها، ورزق أولادًا، مكوّنًا بهم المجتمع البشري الأوّل. مشدّدًا على العقبات الأساسية في تطوّره وتكامله، وأهمّها إبليس. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ19.

2- نوح عليه السلام

وتحدّث عن المجتمع البشري الثاني في سفينة نجاة بقيادة نوح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ *وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ20.

3- سائر الأنبياء عليهم السلام

وتحدّث عن:
- إبراهيم عليه السلام ودعوته التوحيديّة، حاكيًا رحلته الكماليّة، وما واجهه من أعدائه من شياطين الإنس والجن.
- موسى عليه السلام وأخيه هارون عليه السلام، وما واجهاه مع فرعون، وقصّتهما مع بني إسرائيل.

داود وسليمان وعيسى بن مريم عليه السلام، وغيرهم من الأنبياء إلى زمن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، مشيرًا في عرضه هذا إلى أهميّة فهم المخطّط الإلهيّ الاختياري للبشرية، ودور هؤلاء الأنبياء فيه، مبشّرًا بانتصار مسيرة الحق الإلهيّة: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ21.

هـ- القوانين الأساسية في المجتمع الإنساني.

من قبيل:
1- الحكم بالعدل

﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ22.

2- أصالة احترام الحياة

﴿... مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا23.

3- تحريم الاعتداء

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ24.

4- حصر المسؤولية بالمرتكب للإثم

﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى25.

5- أصالة السلام في المجتمع البشري

﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا...26.

6- تشريع الدفاع أمام الفتنة والعدوان

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ27.

و- المسار الكمالي للإنسان

بدءً من تزكية النفس التي قال تعالى فيها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا28، استمرارًا بأهمية تكوين الأسرة، والابتعاد عن الرهبانية، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً29.

وقد اختصر في هاتين الكلمتين قواعد الزواج الناجح.

فالمودة:
هي الحبّ الذي يتجلى بالسلوك تعبيرًا أو عملاً، والحبّ هو انجذاب القلب لما يراه المحبّ في الحبيب، وهي دعوة للنظرة إلى كمال الزوج أو الزوجة، وإلى إظهار كلّ منهما لكمالاته, ليتفاعلا معًا بسبب الانجذاب والحبّ.

والرحمة:
هي رقّة القلب بسبب نقصٍ يراه الراحم في المرحوم، وهي دعوة إلى مقابلة نقص الزوج أو الزوجة برقّة القلب، بدلاً من الرجوع خطوة إلى الوراء.

إنّه اختصار للمنهج الصحيح في الحياة الزوجية الذي يُلاحظ جدوَلَي الإيجابيات والسلبيات، ليقابل الأول بالمودة، والثاني بالرحمة، فتحصل السكينة في الحياة الزوجيّة30.

ويكمل القرآن تبيان المسار, لأجل إيصال الناس إلى تحقيق الأهداف الكبرى من خلال ظهور الكمالات الإنسانية التي اعتبرها القرآن أساسًا للتفاضل، فليس التفاضل في منهج القرآن بين الناس قائمًا على الجنس، ولا العرق، ولا النسب، ولا المال، ولا الجاه، ولا السلطة، بل هو قائم على كمالات متاحة التحقّق أمام جميع الناس.
- ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ31.
- ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ32.
- ﴿وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا33.

واللافت أنّ هذه المعارف المتنوّعة الراقية قد وردت متقطعة خلال 23 سنة في أحوال مختلفة، وأمكنة متعدّدة، وظروف متنوّعة، ليلاً ونهارًا، حضرًا وسفرًا، حربًا وسلمًا، دون أن يؤثّر ذلك على وجود أيّ اختلاف فيها، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا34.

كما أنّ اللافت في المضامين القرآنية ما ورد فيها من إخبارات غيبيّة مستقبليّة لم تكن متحقّقة زمن نزول الآيات القرآنية، ومن تلك المضامين الغيبيّة:
1- إخبار القرآن عن غلبة الروم في قوله عزّ وجلّ: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ35.

2- إخبار القرآن برجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين آمنين إلى مكّة بعد الهجرة، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ36.

لقد جذبت معارف القرآن إلى الإسلام العلماء والمفكّرين، لا سيّما أنّ مجتمع نزول القرآن كان يئد البنات، يحتقر العبيد، يتغنّى بالأنساب، يتفانى بالثأر، يتخبّط في طريقه المستقبلي، فإذا بمحمد بن عبد الله يفاجئهم بهذه المعارف العالية، بتلك القوالب البلاغية الخارقة، ومع هذا كلّه فإنّ هذه المعارف وتلك البلاغة جاءت من إنسان أمّي.

لم يشكَّ أحد منهم بأمّيّته، فهم يعرفونه جيدًا، بأنّه لم يقرأ في حياته، ولم يكتب.

وقد نصّ القرآن الكريم على أمّيّته دون اعتراض من أحد، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ37.

فمن الواضح أنّ الآية تدل على عدم ممارسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزول القرآن عليه أيّة قراءة أو كتابة، مفيدًا أنّ ذلك قد ساهم في تصديق الناس نبوّته.

وقد ربط القرآن الكريم بين المعارف والبلاغة والأمّيّة.

فحينما حاول البعض أن يشير إلى أنّ بعض المعارف القرآنية أتى بها محمد من قين38 روميّ، كان في مكة يصنع السيوف ويبيعها، ردّ القرآن على هؤلاء, رابطًا بين المعارف والبلاغة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ39.

كما نلاحظ الربط بين المعارف والبلاغة بأميّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ40، فمنَ المحتمل جدًّا كون الهاء في ﴿مثلِهِ راجعة إلى قوله ﴿عَبْدِنَا، فتكون الآية مشيرة إلى البلاغة الصادرة من شخص لا يقرأ، ولا يكتب، مثل النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم41.

عودٌ على بدء

إنّ ما تقدّم كان وجهًا من وجوه إثبات أنّ القرآن معجزةٌ تثبت أنّ محمد بن عبد الله مبعوث ومرسل من قبل الله تعالى.

وهناك وجه آخر ينجذب إليه أهل هذا العصر المتطوِّر في علومه وفنونه، ألا وهو الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم، وهو ما نتعرّف إليه في الإجابة على السؤال الآتي.

* كتاب يسألونك عن الأنبياء، سماحة الشيخ أكرم بركات.


1- سورة الإسراء، الآية 88.
2- سورة هود، الآية 13.
3- سورة يونس، الآية 38.
4- سورة الإسراء، الآية 88.
5- الرافعي، مصطفى، إعجاز القرآن، ص124.
6- الرافعي، مصطفى، إعجاز القرآن، ص 112.
7- المصدر السابق، ص187.
8- سورة الملك، الآية 7.
9- سورة الأنبياء، الآية 18.
10- سورة المائدة، الآية 16.
11- سورة الطور، الآيات 1-8.
12- الباقلاني، إعجاز القرآن، ص37.
13- سورة البقرة، الآية117.
14- سورة الحشر، الآية 24.
15- سورة الأنبياء، الآية 22.
16- سورة البقرة، الآية 213.
17- سورة الأنبياء، الآية 104.
18- سورة الحج، الآية 5.
19- سورة الأعراف، الآية11.
20- سورة هود، الآيتان 40-41.
21- سورة التوبة، الآية 33.
22- سورة النساء، الآية 58.
23- سورة المائدة، الآية 32.
24- سورة الأعراف، الآية 33.
25- سورة الإسراء، الآية 15.
26- سورة الأنفال، الآية 61.
27- سورة البقرة، الآية 193.
28- سورة الشمس، الآية 9.
29- سورة الروم، الآية 21.
30- أنظر: كتاب: سعادة الزوجين في 3 كلمات.
31- سورة الحجرات، الآية 13.
32- سورة الزمر، الآية 9.
33- سورة النساء، الآية 95.
34- المصدر السابق، الآية 82.
35- سورة الروم، الآيات 1-4.
36- سورة الفتح، الآية 27.
37- سورة العنكبوت، الآية 48.
38- أي حدّاد (ابن منظور، محمّد، لسان العرب، ج13، ص350).
39- سورة النحل، الآية 103.
40- سورة البقرة، الآية 23.
41- وللإجابة على سؤال يرد على الأذهان حول الجمع اللائق بين أميّة خاتم الأنبياء وكمالاته العالية التي يقع العلمُ في رأس قائمتها، إضافة إلى دوره في تعليم الكتاب نقول: هناك فرق بين عدم معرفة القراءة والكتابة، وعدم ممارستهما، والقرآن الكريم أثبت الثانية دون الأولى، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ. ولم ينف علمه بالتلاوة والخطّ.
وكمال الإنسان هو بالعلم، وليس بقراءته وكتابته، من هنا فُسّرت أُمّيّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم الممارسة لا بعدم العلم، بل في بعض النصوص رفضٌ لإطلاق الأميّة باعتبار القراءة والكتابة، وتوجيه لها أنّ المقصود منها نسبته إلى أمّ القرى مكّة.

17-12-2014 عدد القراءات 4317



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا