21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

أديان ومذاهب :: التشيُّع والمقاومة

مقاومة شيعة لبنان للاحتلال الفرنسيّ



توتّر الأوضاع بين الفرنسيين والعامليين

تكشّفت نوايا الفرنسيين عندما راحوا يكيدون للسوريين واللبنانيين معاً، واندلعت الحروب والمعارك في جبل عامل، بين الثوار العامليين بقيادة صادق حمزة الفاعور1 وأدهم خنجر2 من جهة، والفرنسيين وأتباعهم المحلّيين من جهة ثانية. وبدأت الفرق الفرنسية بالتقهقر في بعض المواقع، وحصرت عساكرها في المدن الهامّة. وفي هذا الخضمّ استقبل الناس في جبل عامل نبأ تتويج فيصل ملكاً على سوريا المستقلّة، في 3 آذار سنة 1920م، استقبالاً حسناً. أمّا الفرنسيون فقد حاولوا جمع العرائض لصالحهم قبل أن ينقضي موعد مؤتمر سان ريمو3. ولا بدّ أنّهم اغترّوا بنجاحهم الأخير، فتوجّهوا إلى حلفائهم من بعض الشيعة، وطلبوا منهم أن يقوموا بحملة توقيع اعتراضاً على مملكة فيصل، إلّا أنّهم لاقوا الرفض ورفضوا أن يمرّروا العريضة، إذ لم يكن باستطاعة هؤلاء - وهم من الزعماء - أن يخالفوا الشعور السائد لدى الناس. ولئن كان تتويج فيصل، وهو من الهاشميين، حدثاً سياسياً، فقد اتّخذ صبغة دينية في نظر العامليين، فكيف للمؤمنين العاديين أن يفضّلوا دولة أجنبية على ملك عربيّ، وله فوق ذلك صفة مقدّسة؟
 
صادق حمزة الفاعور وأدهم خنجر يقودان الثورة ضدّ المستعمر

العصائب4 العاملية في مواجهة الفرنسيين: تزامن انفجار الثورة في جبل عامل سنة 1920م ضدّ الفرنسيين مع انفجار الثورة في العراق ضدّ الإنكليز. وما إن اندلعت المعارك في جبل عامل بين الثوّار والفرنسيين حتّى أصدر المراجع الكبار في النجف الأشرف الفتاوى بضرورة التصدّي للاستعمار الإنكليزيّ في العراق. وقد خرجت ثلّة من المجاهدين العامليين بقيادة صادق وأدهم بعد الوقفة العلمائية المشرّفة، التي أكّدت على حضور الجهاد العامليّ الإسلاميّ العميق الجذور الممتدّ إلى كربلاء الإمام الحسين عليه السلام. لقد استجابت عصبة من الطلائع المؤمنة المجاهدة في جبل عامل، وحملت ما تيسّر من السلاح للدفاع عن حياض الجبل الأشمّ، حماية لدينهم، وصوناً لكراماتهم وأعراضهم وحرماتهم، مستلهمين بذلك ماضي الأجداد المشرّف في مواقع: البحرة وكفر رمّان وسهل الغازيّة ويارون وصور وأنصار وعيناثا، وغيرها من ساحات الشرف والعزّ، سائرين على خطاهم، لأنّهم ما استكانوا يوماً لفاتح، ولا استسلموا لغاصب أو معتدٍ، وكانت حياتهم ترخص دون كراماتهم وحريتهم، لا يأبهون بالنوائب إن وقعت، ولا بالحروب، حتّى وإن كثرت عدّتها أو عددها، وراحوا يرابطون في شعب الأودية وعلى مفارق الطرقات، يكيلون بالعدوّ ضرباً ونكيلاً، رافضين تسلّطه وما يسمى استعماره5.
 
دور العصائب العاملية

إنّ هذه العصائب كانت التعبير الحسّي عن ثورة العامليين، وإن كانت قد اتّخذت أشكالاً من الفوضى في بعض المراحل الزمنية حيث يكن لها زعيم يروّضها ولا مفكّر يرشدها ولا أدوات لتنظيمها. وقد أدّى تطوّر هذه العصائب إلى تغيير حقيقيّ في تقسيمات المناطق في جبل عامل لناحية النفوذ والسيطرة. وكانت عصائب صادق حمزة منظّمة تنظيماً جيّداً، حيث أنشأت حكومات صغيرة مستقلّة، كانت تحكم في حماها، وظلّت فرق الإمداد في جيش فيصل تدعم هذه العصابات طالما كانت تقاتل لحساب الحكومة العربية، فكانت تمدّها بالسلاح وتُلحق بها ضابط ارتباط. لم تكن هذه الظاهرة منفردة، بل إنّها كانت تخضع لاستراتيجية مفادها أنّ الحكومة العربية كانت في وضع لا يسمح لها بإعلان الحرب رسمياً على الفرنسيين، فرأت أن تدعم العصائب التي كانت تجهز عليهم تدريجياً. أضف إلى ذلك أنّ العصائب العاملية كانت تناضل في وجه الاحتلال، وتلقى دعم عصابات البدو في منطقة سهل الحولة في فلسطين والجولان الواقعة تحت السيطرة البريطانية.

* كتاب منار الهدى، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- صادق حمزة الفاعور: أحد قادة حركة المقاومة ضدّ الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام بعد الحرب العالمية الأولى. برز اسمه مع المناضل الآخر أدهم خنجر، وقد حضر مؤتمر وادي الحجير الذي دعى إليه العلامة عبد الحسين شرف الدين. و قد استشهد صادق حمزة الفاعور عام 1926. ويعتبر الشهيد صادق رمزاً للتعبير عن معاناة العامليين الذين أرهقتهم السلطات العثمانية، وكان أيضاً معبّراً عن رفض العامليين للاستعمار الفرنسي وعملائه. والشهيد من مواليد دبعال عام 1894م، وهو ابن الشيخ علي حمزة الفاعور الذي كان يعلّم القراءة والكتابة في منزله. وقد تميّز منذ صغره بصدقه ووفائه وشجاعته وحبه للضعفاء وعندما كبر ورأى كيف أن قريته والقرى المجاورة تتعرض لاعتداءات الأتراك بسلب المحاصيل والحرّيات والتجنيد الإجباري للشباب، ترك هذا الأمر في نفسه تأثيراً عظيماً وجعله يلجأ إلى المقاومة في البراري والكهوف والوديان. وبدأ الشهيد مقاومته في البداية حين كان يتولى رعي قطيع له إذا به مداهماً من قبل جنديين تركيين أسراه وساقاه إلى مدينة صور ليلتحق بالجيش التركي. ولكنّه سرعان ما هزمهم على الطريق وفر منه بعد أن جرّدهم من أسلحتهم، والتحق هو بالمقاومة والتي كان فيها أخوه حسين يقود بعض المجموعات، وما لبث أن أصبح أحد قادتها في جبل عامل، وعندما اشتدّت قوته لم تعد تجرأ القوات التركية على دخول مناطق نفوذه، ولم يعد يجرأ مأمورو المالية والدرك على الدخول إلى منطقته، وأصبح يفرض الضرائب على المهاجرين والأغنياء، ويغير على قوافل الجيش التركي، فيصادر منها ما تحمل من مؤن ويوزّعها على الفقراء، خاصّة أيام المجاعة سنة 1915. وعندما دخل الحلفاء لبنان قام الفرنسيون بمحاولة إغرائه للتعامل معهم، إلا أنّه رفض، فطاردوه وكانت بينهم وبينه عدّة معارك. ونشأت خلال هذه المرحلة الجديدة عدّة فرق مسلحة قاومت الغزو الفرنسي، منها فرقة محمود أحمد بزّي من بنت جبيل، وأخرى بقيادة أبي زكي، وأخرى بقيادة شبلي، وفرقة أدهم خنجر.
2-  أدهم خنجر الصعبي: إسّمه أدهم بك خنجر، وتربطه علاقة قربى وثيقة بحسن بك الدرويش، أحد كبار مقاومي الجنوب اللبناني، ورجالات النضال ضدّ الاستعمار الفرنسي. وهو مقاوم وثائر لبناني من جنوب لبنان. قاد حركة المقاومة ضدّ الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام، تكبّد خلالها الفرنسيون خسائر جسيمة، وذلك بالتنسيق مع الثائر العاملي الآخر صادق حمزة الفاعور. ولد أدهم خنجر ونشأ في بلدة المروانية قضاء صيدا منطقة الزهراني. وقد بدأ شرارة المقاومة عقب مؤتمر وادي الحجير، في جبل عامل (جنوب لبنان) عام 1920م الذي ألقى فيه العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين خطبة تاريخية تدعو لمقاومة الاحتلال الفرنسي ووأد الفتن جاء فيها: "أيّها الفرسان المناجيد، إنّ لهذا المؤتمر ما بعده، وسيطبق نبؤه الآفاق السورية ويتجاوب صداه في الأقطار العربية، ويتجاوزها إلى عصبة الأمم، وقد امتدت به إليكم الأعناق، وشخصت الأبصار، فانظروا ما أنتم فاعلون. يا فتيان الحميّة المغاوير، الدين النصيحة، ألا أدلّكم على أمر إن فعلتموه انتصرتم، فوّتوا على الدخيل الغاصب برباطة الجأش فرصته، واخمدوا بالصبر الجميل الفتنة، فإنّه والله ما استعدى فريقاً على فريق إلا ليثير الفتنة الطائفية، ويشعل الحرب الأهلية حتى إذا صدق زعمه وتحقّق حلمه، استقرّ في البلاد تعلّه حماية الأقليات. ألا وإنّ النصارى إخوانكم في الله وفي الوطن وفي المصير، فأحبّوا لهم ما تحبّون لأنفسكم، وحافظوا على أرواحهم وأموالهم كما تحافظون على أرواحكم وأموالكم، وبذلك تحبطون المؤامرة، وتخمدون الفتنة وتطبّقون تعاليم دينكم وسنّة نبيّكم... إخواني وأبنائي، إنّ هذا المؤتمر يرفض الحماية والوصاية، ويأبى إلا الاستقلال التام الناجز... فاركبوا كلّ صعب وذلول صادقي العزائم، متساهمي الوفاء، وما التوفيق إلا بالله، يؤتي النصر من يشاء... عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير". حاول أدهم خنجر اغتيال الجنـرال هنري غورو، المندوب السامي للاحتلال الفرنسي على لبنان وسوري، في الثاني والعشرين من شهر حزيران لعام 1921م أثناء مروره في القنيطرة، إلا أن الرصاصات التي أطلقها أدهم خنجر استقرّت في ذراع الجنرال غورو الاصطناعية وتسبب ذلك في نجاته. ولجأ أدهم خنجر إلى سلطان باشا الأطرش، الذي كان في رحلة صيد. لكنّ الفرنسيين اعتقلو أدهم بك خنجر في 7 تموز 1922م في غياب سلطان باش، ممّا اغضب سلطان باشا الأطرش عندما علم بأمر ضيفه، فكان اعتقال خنجر دافعاً جديداً فجّر غضب رجال الثورة السورية الكبرى والثوار الدروز في جبل العرب ضدّ الاستعمار الفرنسي. أعدم الفرنسيون الثائر البطل في العام 1922م في بيروت. ولا يزال البيت الذي نشأ فيه أدهم خنجر في المروانية قائماً حتى يومنا هذا.
3- معاهدة سان ريمون: في عام 1920م، تم توقيع معاهدة سان ريمو، التي حدّدت مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية في المشرق العربي. ونتيجة لموقف إنكلترا وفرنسا من مقرّرات المؤتمر السوري العام المنعقد في 1920م فقد انعقد المجلس الأعلى للحلفاء، الذي يعتبر امتداداً لمؤتمر لندن المنعقد في (فبراير) 1920م في مدينة سان ريمو الإيطالية، في المدّة ما بين
التاسع عشر والخامس والعشرين من نيسان (أبريل) 1920م للبحث في شروط الحلفاء للصلح مع تركيا طبقاً لمعاهدة سيفر، والمصادقة عليها بعد إعلان سوريا استقلالها ومناداتها بالأمير فيصل ملكاً عليها في المؤتمر السوري العام في الثامن من آذار (مارس) 1920م. وقد بحث المؤتمر:معاهدة سيفر التي رسمت مستقبل المنطقة العربية التي تضمّ العراق وسوريا بما فيها لبنان والأردن وفلسطين.
والتقسيمات والانتدابات حسب مصالح دول الحلفاء، بحيث تقسم سوريا الكبرى أربعة أقسام: سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين.
وتكون سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين والأردن تحت الانتداب البريطاني، بالإضافة إلى العراق. وقد تسبّب وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، في اندلاع صدامات واسعة بين اليهود والعرب في مدينة القدس. فكان ملخّص نتائج المعاهدة ما يلي:
1 -وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي.
2 -وضع العراق تحت الانتداب الإنكليزي.
3 -وضع فلسطين وشرقي الأردن تحت الانتداب الإنكليزي، مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور.
4-  العصابة بكسر العين، من عصب الشيء إذا شدّه ليقوى، جمع عصائب.
5- كانت أقوى العصابات برئاسة صادق الحمزة الذي رفع العلم العربيّ في عديسة وبليدا والطيبة. وقد حظي بالشهرة إذ قام بالكثير من الأعمال الباهرة.
4- العصابة بكسر العين، من عصب الشيء إذا شدّه ليقوى، جمع عصائب.
5- كانت أقوى العصابات برئاسة صادق الحمزة الذي رفع العلم العربيّ في عديسة وبليدا والطيبة. وقد حظي بالشهرة إذ قام بالكثير من الأعمال الباهرة.

11-11-2014 عدد القراءات 1760



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا