24 نيسان 2017 الموافق لـ 26 رجب 1438
En FR

القائد الخامنئي :: 2014

خطاب ولي أمر المسلمين السيد علي الخامنئي بمناسبة عيد الغدير



خطاب ولي أمر المسلمين السيد علي الخامنئي دام ظله مع حشد من مختلف شرائح الشعب، بمناسبة عيد الغدير في حسينية الإمام الخميني قدس سره_13-10-2014

بسم الله الرحمن الرحيم

أبارك لجميع الحاضرين في هذا اليوم، وهو يوم عيد الغدير المبارك وللإخوة والأخوات الأعزّاء في الأمّة الإيرانيّة الكريمة ولجميع شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل ولجميع أولئك الأشخاص المتعلّقين بمحتوى هذا الدين الشريف والمطلّعين على حقائق الإسلام المعرفيّة وهم يشعرون بلذّة هذا الإحساس، وأهنّئ الحضور الكريم، خاصّةً أولئك الإخوة والأخوات اللذين قدموا من أماكن بعيدة إلى هذه الحسينيّة وزيّنوها بحضورهم الكريم.

أعرض لكم جملةً واحدةً من باب مسألة الغدير، وجملة أخرى حول الوظائف الملقاة على عاتقنا والتي ينبغي التوجّه إليها والتي هي اليوم موضوع الغدير والتي ينبغي استفادتها من معارف الغدير العميقة.

واقعة الغدير ثابتة لدى عموم المسلمين
إنّ مسألة الغدير قضيّة مهمّةً جدّاً في تاريخ الإسلام، أوّلاً: إنّ أصل هذه الحادثة العظيمة والمهمّة وهذا البيان الشريف للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه"1 لا ينقله خصوص الشيعة وإنّما يعدّ من المسلّمات عند عموم المسلمين، وأمّا أولئك الأشخاص الذين حاولوا أن يعترضوا على الحديث نجدهم لم يعترضوا على أصل صدور هذا الحديث، وإنّما ذهبوا إلى تأويل وتوجيه معنى الجملة في أصل هذه الحادثة، فإنّ أصل هذه الحادثة مسألة مسلّمة من الناحية التاريخيّة والإسلاميّة، والشبهات التي تطرح حول معنى هذه الجملة والتي قد تخطر في ذهن بعض المحدَثين2 وغير الناضجين فكريّاً ومعرفيّاً في هذا اليوم، هي نفسها تلك الشبهات والاعتراضات التي ذُكرت قبل ألف سنةٍ تقريبًا، وردّ عليها وأجاب عنها علماؤنا العظام، ولم يبقَ أدنى شبهة في أصل هذه المسألة والحادثة، ومعنى جملة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حين سأل الناس في منطقة غدير خم "ألست أولى بكم من أنفسكم"3- وبهذا إشارة منه إلى الآية القرآنيّة الكريمة ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ4 – وبعد هذا السؤال كانت هذه الجملة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه" ومن المؤكّد أنّه لا يوجد أي مجال للشك في أصل هذه المسألة. وما تتضمنه هذه الجملة التاريخيّة الشريفة والتي ينبغي أن تبيّن للأذهان وهو غير موضوع تنصيب أمير المؤمنين(عليه السلام) بالإمامة والخلافة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّته له- وهو المعنى الرائج والشائع لهذه الجملة- إنّما هو مضمون مهم آخر في هذا البيان لا ينبغي الغفلة عنه، وهو تعرّض الإسلام لأمر الحكومة ومسألة سياسة الأمّة وأهميّة هذا الموضوع من وجهة نظر الإسلام.

الغدير هو الردّ..
 أولئك الأشخاص الذين سعوا لفصل الإسلام عن المسائل الاجتماعيّة وعن المسائل السياسيّة وحاولوا حصر الإسلام بالمسائل الشخصيّة والمسائل الخصوصيّة لحياة الأفراد- وفي الواقع كانوا ينظرون نظرة سكولارية (علمانيّة) للإسلام وقد سعى إعلام العدو وأيادي العدو أيضاً للترويج لهذه الرؤية بين المسلمين على طول التاريخ- إنّ الجواب والردّ على هؤلاء هو مسألة الغدير، فإنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الموقع الحساس وفي آخر أشهر حياته وبناءً للتعاليم الإلهيّة والتكليف الإلهي بيّن مسألة أساسيّة ومهمّة، وهي عبارة عن التعرّض لمسألة الحكومة لما بعد زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). وإن مسألة تنصيب أمير المؤمنين(عليه السلام) لم تكن بمعنى التنصيب في خصوص الجوانب المعنويّة فقط، بل يمكن القول إنّ الجوانب المعنويّة غير قابلة للتنصيب، وما هو قابل للتنصيب عبارة عن الحكومة والحكم والسياسة وقيادة المجتمع الإسلامي، وهذا ما أوصى به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذه نقطة مهمّة جداً في مسألة الغدير، والتي تعتبر جواباً مفحماً لأولئك الذين يظنّون ويصرّحون أنّ الإسلام بعيد عن المسائل السياسيّة والمسائل الحكوميّة وأمثال ذلك.

وبناءً عليه، فإنّ هذا الأمر يكشف عن حقيقتين اثنتين، حقيقة تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) بعنوان أنّه الإمام بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحقيقة مسألة التعرّض للحكومة والسياسة والإمامة وإدارة الأمّة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذان موضوعان مهمّان جدّاً وحسّاسان، وهما موجودان في مسألة الغدير، ويعدّان جزءاً من المعارف التي يحملها الغدير ودرساً كبيراً لجميع المسلمين  في هذا العصر وفي عصور الإسلام المقبلة.

الغدير.. عقيدة
وما ينبغي في هذا اليوم التعرّض له والاهتمام به هو؛ أنّ مسألة الغدير مسألة اعتقاديّة فالشيعة وأتباع مدرسة أهل البيت (سلام الله عليهم) ومدرسة الإمامة ملتزمون ومتمسّكون بمسألة الغدير، وهذا أصلٌ وأساس للفكر الشيعي بلا شك، ولا مجال للبحث فيه. وإن من لديه شبهة ونقاش في هذا الصدد يمكنه طرحه والبحث فيه في المجامع العلمية وفي المجالس التخصصيّة، فليجلسوا وليتعرّضوا لهذا البحث. إنّ منطق الشيعة قويٌ وحجّة الشيعة حجّةٌ قاطعة ولا شكّ فيها، لكن يجب أن لا يترك ذلك أثراً [سلبيًّا] على حياة الناس وفي حياة المسلمين العامة وتعاونهم والأخوة فيما بينهم، وإنّ مسألة الاختلاف بين الفرق الإسلاميّة- سواء بين الشيعة والسنّة أم بين الفرق المختلفة الموجودة في داخل كل فرقة من المذاهب الإسلاميّة الأساسيّة- هي إحدى مراكز أطماع أعداء الإسلام، لا خصوص أعداء التشيّع. فعلى مدى السنوات المتمادية كانوا وما زالوا يسعون لإيجاد الاختلاف بين المسلمين، لأنّ الاختلاف بين المسلمين يؤدّي إلى استهلاك همم المسلمين وقدراتهم ودوافعهم وبذل ذلك كلّه في هذه المشاكل الداخليّة، والغفلة عن المسائل الخارجيّة وعن أعدائهم الكبار. وقد كانت هذه هي السياسة الأساسيّة للاستعمار على مدى السنوات المتمادية، وقد شاهد الأعداء بعد انتصار الثورة الإسلاميّة وتشكيل نظام الجمهوريّة الإسلاميّة انتشار فكر ورؤية الجمهوريّة الإسلاميّة في العالم الإسلامي، فركّزوا على سياسة التفرقة بشكل أكبر وأصرّوا بشدّة على هذا الموضوع، وبذلوا الأموال حتى يفصلوا العالم الإسلامي عن الجمهوريّة الإسلاميّة.

التكفير؛ سلاح "فرّق تسد"
إنّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة وثورتنا العظيمة وإمامنا العظيم الشأن الذي استطاع أن يلفت أفكار وأذهان العالم الإسلامي إليه، وأن يجذب القلوب إليه، واستطاع أن يوجّه دوافعهم وحركاتهم باتجاهها5، وهذا ما أخاف العدو وأخاف الاستعمار والاستكبار والصهيونية؛ وبشكل أكثر وضوحًا، أخاف المنظومة السياسيّة في أمريكا، لذلك لجأوا للتوسّل باستخدام ذلك السلاح القديم وهو سلاح ["فرّق تسد"] أو "إيجاد التفرقة".

واليوم وعلى مدى هذه السنوات المتمادية يسعون لزيادة رقعة الاختلافات بين الشيعة والسنّة، وذلك من أجل صرف أذهان الفرقتين عن عدوّهم الأساسي الذي هو عدوّ الإسلام، لا عدو التشيّع بالخصوص ولا عدوّ التسنّن بالخصوص، لقد سعوا ليشغلوهم بعضهم ببعض، وهذه هي سياسة الاستعمار. وإنّ الخبير بهذه السياسة هو الأيادي السياسيّة والأمنيّة لحكومة بريطانيا الخبيثة، والتي كانت نشطةً جدّاً في هذا المجال منذ القدم، وقد سعوا جاهدين، ويعرفون كيف يوجِدون التفرقة والاختلاف بين الفرق الإسلاميّة، وقد جرّبوا طرقها وهم يعرفونها ويعملون عليها.

وهذا تيّار " التكفير" - الذي ظهر اليوم في العراق وسوريا وبعض دول المنطقة، هو في الحقيقة يواجه جميع المسلمين، لا يواجه خصوص الشيعة- هو من صنع أيادي المستعمرين أنفسهم، فهم صنعوا شيئاً باسم القاعدة، وشيئاً باسم "داعش" لأجل مواجهة الجمهوريّة الإسلاميّة ولمواجهة حركات الصحوة الإسلاميّة، بالتالي هم قد هيمنوا عليه؛ أمّا اليوم فقد انقلب الأمر* [وطالتهم النيران]، طبعاً عندما ينظر الإنسان اليوم بنظرة تحليليّة دقيقة يرى أنّ ما تقوم به أمريكا وحلفاؤها اليوم في ما سمّوه" المواجهة مع داعش"_ والتي لا واقعيّة لها- يرومون في هذه المسألة توجيه عداوة المسلمين لتكون فيما بينهم، ويسعون ليتعرّض المسلمون لقتل بعضهم بعضًا،، أكثر من السعي لإبادة نطفة هذه الحركة الخبيثة وقد جعلوا سبب ذلك اليوم هذه المجموعة الجاهلة والمتعصّبة والمتحجّرة، وإلّا فالهدف هو الهدف، وهو السعي لصرف المسلمين عن عدوّهم الأساسي. ونحن- الشيعة والسنّة وكلّ شخص مرتبط بالإسلام وكلّ شخص يرى حاكميّة القرآن ويقبل به - يجب علينا أن نعلم أنّ أمريكا والسياسات الأمريكيّة وسياسات الاستكبار وسياسات الصهيونيّة هم أعداء الإسلام هم الأعداء الواضحون للإسلام وأعداء حاكميّة الإسلام، وإن السعي الذي يسعون إليه اليوم هم أنفسهم قد أسّسوا له وسعوا له منذ خمسة وثلاثين سنةً، فهم منذ خمسة وثلاثين سنة يسعون بأنواع مختلفة. بإذن الله وبحول الله وقوته، سوف يخسرون كل هذه الجهود التي هي ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة وبفضل الله سبحانه وتعالى سوف يخسرون في هذه المواجهة قطعاً.

الوحدة الإسلاميّة: أوجب الواجبات
إنّ وظيفة المسلمين اليوم –مسلمي الشيعة منهم والسنّة- أن لا يساعدوا العدو من خلال تأجيج وإثارة مشاعر التفرقة بين بعضهم بعضاً. وعلى الشيعة أن يعلموا أنّ هذه المشاعر وهذه الأحاسيس وهذه الاختلافات والمشاكل إذا أثيرت بين السنّة والشيعة فإنّ المستفيد الأوحد هو العدوّ المشترك والعدوّ الأساسي، ولا ينبغي أن نسمح بذلك، وعلى السنّة أيضاً هذا التكليف نفسه، فالطرفان ينبغي عليهم مراقبة هذا الأمر، وأن لا يثيروا النعرات والحساسيّات فيما بينهم، ولا يهينوا مقدّسات بعضهم بعضا، ولا يشعلوا نار المشاكل الطائفيّة بين المسلمين والفرق الإسلاميّة، وخاصّة بين السنّة والشيعة – والتي هي مُنى عين أعداء الإسلام- على الجميع أن يلتفت إلى هذا الأمر. فإذا قام شخص ما بعمل يؤدّي إلى إثارة حساسيّة الطرف الآخر وإلى إيجاد العداوة، فليعلم وليكن على يقين أنّه بذلك يعين أمريكا ويساعد بريطانيا الخبيثة والصهيونية ويساعد أولئك الأشخاص الذين أوجدوا "داعش" و"القاعدة" والتكفير من أجل إيجاد الاختلاف والتفرقة بين الشيعة والسنّة.

وفي هذا اليوم، إنّ من أوجب الواجبات والوظائف في المجتمعات الإسلامية، والتي على الجميع أن يلتزموا بها، هي الوحدة الإسلامية، والأخوّة الإسلامية، والارتباط الحميم فيما بين المسلمين. طبعاً إن المسلمين المؤمنين والمطّلعين وأصحاب البصيرة والذين يعيشون في ظل نظام الجمهورية الإسلامية يعرفون تكليفهم وأتمنّى هنا وفي جميع الأماكن أن يلتزموا بهذه الوظائف وهذا التكليف.

أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق للجميع والإفادة لكم وللعالم الإسلامي إن شاء الله من بركات عيد الغدير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


1- الاحتجاج، ج‌2، ص‌؛450 خطبة الغدیر.
2- او الانتهازيين القاصرين والذين ليس لديهم عمق في المعرفة والانصاف.
3- جامع الأحاديث الشيعية، ج23، ص؛742.
4- سورة الأحزاب من الآية:6.
5- الجمهوية  الاسلامية ونظامها الفكري والسياسي
*  بمعنى ما: انقلب السحر على الساحر.

16-10-2014 عدد القراءات 2181



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا