19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

أديان ومذاهب :: التشيُّع والمقاومة

المقاومة الإسلامية بين عامي(1992-1996)الثبات والصمود



المقاومة الإسلامية تصعّد المقاومة ضدّ الصهاينة

ظنّ الجيش الإسرائيلي بانسحابه عام 1985م من لبنان إلى داخل المنطقة اللبنانية التي اعتبرها حزاماً أمنياً أنّه سيحمي مدنه ومستوطناته، وأنّه سينعم بالراحة والاستقرار، ولكنّ المقاومين ظلّوا يلاحقون فلول جيشه وأماكن تجمّعاتهم، داخل الشريط الحدودي المحتلّ. وظنّ الصهاينة أنّ جيش العميل أنطوان لحد سيحميهم من الهجمات، لكنّ كثافة العمليات العسكرية والخسائر الجسيمة جعلت جيش العدوّ يفقد أعصابه، فقام بعدة عمليات انتقامية على المدنيين الآمنين في قراهم.
 
استشهاد السيد عباس الموسوي: كان الأمين العام لحزب الله السيّد عبّاس الموسوي1 قد انطلق صبيحة السادس عشر من شباط عام 1992م إلى بلدة جبشيت العاملية للاحتفال بالذكرى السنوية لشيخ شهداء المقاومة الشيخ راغب حرب. وبعد أن أنهى السيّد كلمته توجّه إلى بلدة الشرقية لزيارة مقبرة شهدائها، ثمّ انطلق عائداً نحو بيروت. وما إن خرج الموكب ليشرف على بلدة تفاحتا حتّى كانت ثلاث طائرات استطلاع للعدوّ تتبّع الموكب وتلاحقه، فيما كانت مروحيّتان من نوع "كوبرا" تكمنان للموكب، فأطلقت إحداهما صواريخ حرارية حارقة على سيارة السيد، فدمّرت السيارة واحترقت، وانتقل السيد وزوجته وابنه الصغير إلى جوار الله.
 
ردود الفعل – مواجهات كفرا – ياطر

علمت إسرائيل أنّ جريمتها لن تمرّ دون عقاب، فقامت باتّخاذ الإجراءات الأمنية المشدّدة، وأخذت تلوّح بالحرب على لبنان، فاستعدّت المقاومة وأعلنت حالة الاستنفار. وبالفعل، فقد التهبت محاور القرى المحاذية للشريط الحدودي المحتلّ، فردّت المقاومة بقصف المستعمرات بستين صاروخاً، فأوقفت قصف القرى من قبل جيش العدوّ إلى أن كان صباح 20 شباط 1992م حيث تقدّمت قوّة مؤلّلة نحو بلدتي ياطر وكفرا من جهة الشريط المحتلّ وعلى مشارف البلدتين، وتدخّلت المروحيّات وسلاح الطيران الحربي. ولكن المقاومين زادوا استبسالاً وصموداً، وبدأت جموع الشباب تنتقل بالمئات من بيروت والمناطق إلى أرض المعركة للمشاركة بالقتال. واستمرّت المعركة يوماً كاملاً، فيما حاول العدوّ يائساً أن يتقدّم لاحتلال بلدة ياطر من خلال إنزال جوّي، لكنّ محاولته باءت بالفشل. ودارت معارك ضارية على محور بلدة حاريص المجاورة، فلم يستطع العدوّ اختراق طوق المجاهدين الذين كانوا يلتفّون عليه من كل حدب وصوب، ومع حلول ليل ذلك اليوم كان العدوّ يتراجع وينسحب، وراح المقاومون يطاردونه ويلاحقونه، بعد أن فقد أكثر من خمسة عشر قتيلاً وعشرات الجرحى.

عدوان العام 1993م وعملية "تصفية الحسابات"

اعتبر العدوان الإسرائيلي الذي استهدف جنوب لبنان وطال البقاع الغربي والشمال وأطراف بيروت في شهر تموز 1993م الأعنف والأكثر همجيّة ضدّ المدنيين الأبرياء في تلك المرحلة، واستمرّ أسبوعاً كاملاً من صباح 25 حتى 31 تموز 1993م. وكان هدف العدوان ممارسة الضغط على لبنان للقبول بالشروط الإسرائيلية في مفاوضات واشنطن، وإنهاء المقاومة في الجنوب. وكان من أهمّ أهداف العدوان إيجاد شرخ بين المقاومة والشعب من جهة، وبين المقاومة والسلطة اللبنانية من جهة ثانية.
 
وعلى أثر عمليات ناجحة لرجال المقاومة في عمق الشريط المحتلّ، حشدت إسرائيل قوّاتها وآلياتها على طول الشريط المحتلّ، فيما ردّت المقاومة على هذه الحشود، بأن شنّ المجاهدون هجمات ضدّ مواقع الاحتلال والميليشيات العميلة له، وأوقعت قتلى وجرحى.
 
اعتداء 1993م

في صبيحة 25/7/1993م استهدفت قوّات الاحتلال أكثر من أربعين قرية في الجنوب والبقاع الغربي والمخيّمات الفلسطينية بقصف مدفعي عنيف وغارات جوّية، ما أدّى إلى نزوح كثيف للسكّان، وسقوط عشرات القتلى والجرحى. وفيما كانت المقاومة الإسلامية تتصدّى ببسالة كانت القوات الإسرائيلية ما تزال تزجّ إلى أرض المعركة المزيد من الجنود والدبّابات لرفع معنوّيات الجيش الإسرائيلي وسكّان المستعمرات. لكنّ كثافة إطلاق الصواريخ من رجال المقاومة على المستعمرات والمدن الإسرائيلية، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى أن توافق على وقف إطلاق النار نتيجة اتّفاق تمّ التوصّل إليه بين الولايات المتّحدة الأميركية وسوريا وإسرائيل.
 
ورغم الدمار الذي أصاب القرى سرعان ما عاد السكّان معلنين تمسّكهم بأرضهم، وفشلت قوّات الاحتلال في تحقيق مآربها العدوانية.

عدوان العام 1996م أو عملية "عناقيد الغضب"

مقدّمات العدوان: أرادت إسرائيل أن توجّه رسائل أمنية إلى كلّ من حزب الله وسوريا وإيران، وأن تكرّس زعامة بيريز، مدعوماً من الولايات المتّحدة الأميركية ومؤتمر شرم الشيخ العالمي في مصر لدعم إسرائيل في تصفية المقاومة في لبنان.
 
الحشد العسكريّ الإسرائيليّ: حشدت - إسرائيل كما عوّدتنا في حروبها السابقة - آلتها العسكرية الجوية والبحرية والبرّية، وطاقاتها الاستخباراتية، وكلّ إمكاناتها الإعلامية والدعائية، واستنفرت كلّ حلفائها وأصدقائها لتشنّ حرباً على الأراضي اللبنانية متناسية فشل الاجتياحات السابقة.
 
وبالرغم من أنّ الساحة الجنوبية كانت هادئة نسبياً، فإنّ المقاومة الإسلامية ردّت على مقتل مدنيين في ياطر وشقراء، واعتبرت أنّ مقتلهم هو خرق لتفاهم أيار 1993م الذي ينصّ على عدم الاعتداء على المدنيين.
 
وكالعادة قامت إسرائيل بقصف القرى وتهجير سكّانها، وامتدّ القصف إلى بعض ضواحي بيروت الجنوبية وضربت البوارج الحربية حصاراً على الشواطئ اللبنانية بدءاً من الجنوب وصولاً إلى العاصمة. وتصدّت المقاومة بعنف أكبر وإصرار على الصمود. وهذه المرّة فشل العدوان أيضاً، فاندفعت إسرائيل كعادتها تقصف القرى والمدن والسكان الآمنين.
 
مجزرة قانا

ظنّ السكّان المدنيون في قانا وجوارها أنّ مركز قوّات الطورائ الدولية التابعة للأمم المتّحدة هو مكان آمن ومحايد، فلجأ عدد كبير من الأهالي مع أطفالهم إلى مركز قيادة قوّات الطوارئ الدولية التابعة للكتيبة الفيجية في قانا، هرباً من القصف المدفعي والجوّي، ولمّا شعرت إسرائيل بفشل عمليتها العسكرية، إلى جانب تصدّي المقاومين ببسالة، أقدمت على الانتقام من المكان الذي كان يأوي إليه المدنيون داخل مركز الأمم المتّحدة وقصفته بقذائف المدفعية الحارقة، فكانت مجزرة مروّعة ذهب ضحيتها مئة شهيد وشهيدان. وقد تفاخر الجنود الصهاينة الذين قصفوا المكان بحقدهم عندما قالوا: "إنّ الذين قُتلوا ليسوا إلّا مجرّد "عرابوشيم"" أي عُربان، وما الضرر في قتلهم؟ ونحن غير آسفين!".
 
نتائج العدوان

لم تستطع كلّ وسائل التدمير والعدوان أن تحقّق أهداف العدوّ، حيث أدّت إلى:
خسارة بيريز لمنصبه وفشله في الانتخابات.
تعزيز موقع المقاومة ودورها.
تعزيز الوحدة الداخلية اللبنانية.
إيجاد حركة سياسية ودبلوماسيّة ناشطة تأييداً للبنان ودعم سيادته واستقلاله.
تمتين وحدة المسارين اللبناني والسوري.
دعم لبنان مالياً واقتصادياً ومعنوياً وإعلامياً، عربياً ودولياً.
استطاع لبنان خلق رأي عامّ عالمياً مسانداً وضاغطاً على إسرائيل لتطبيق القرارات الدولية.

 
تفاهم نيسان

كرّس العدوان تفاهماً في 26 نيسان 1996م، وهو الاتّفاق الخطيّ المعقود بين إسرائيل ولبنان بمشاركة سوريا، وتوقيع كلّ من الولايات المتّحدة وفرنسا، وهو ينصّ على حماية السكّان المدنيين على جانبي الحدود، الأمر الذي لجم إسرائيل عن التمادي في اعتداءاتها، ولم يقيّد هذا الاتّفاق حركة المقاومة، بل شرّعها، ولكن في العام 2000م وبعد تسديد المقاومة ضربات موجعة للاحتلال، حاولت إسرائيل التفلّت من الاتّفاق أو تعديله، ولمّا فشلت عادت قسراً.

* كتاب منار الهدى، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- ولد السيد عبّاس الموسوي عام 1952م في منطقة الشيّاح في الضاحية الجنوبية. وعاش طفولته في عائلة محافظة، وشبّ على معاينة مأساة الشعب الفلسطيني. خضع  وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لعدّة دورات تدريب عسكري. ثمّ التحق بحوزة السيد موسى الصدر في صور، وتعمّم في السادسة عشرة من عمره، بعد ذلك غادر إلى العراق ليتابع دراسته في كنف الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر. في نهايات السبعينيات من القرن الماضي تلك المرحلة العصيبة في كلّ من النجف وجنوب لبنان، ودّع العراق، بعد تسع سنوات قضاها هناك، وكان أوّل عمل قام به جمع طلاب العلوم الدينية الذين أُبعدوا من النجف في حوزة، هي حوزة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، في مدينة بعلبك. وفي خضمّ الإحباط والهزيمة مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82، أرسى وجمع قليل من رفاق الحوزة حالة مخالفة تؤسّس للعمل الجهادي المقاوم لإسرائيل. وعندما بدأ الاجتياح الغاشم، غادر منزله في بعلبك متوجّهاً نحو بيروت ومنها إلى الجنوب عام 1985م، حيث استقرّ في مدينة صور، وكان يقضي وقته مع المقاومين ويتابع بشكل مباشر وميداني عمليات المقاومة ضدّ الاحتلال. وتتويجاً لمسيرته، انتُخب السيد عباس الموسوي في أيار مايو 1991م أميناً عاماً لحزب الله، مفتتحاً مرحلة جديدة من مسيرة حزب الله، هي خدمة الناس إلى جانب استمرار عمل المقاومة، وعبارته الشهيرة "سنخدمكم بأشفار العيون" لا تزال أحد أبرز شعارات حزب الله حتى اليوم. وفي السادس عشر من شباط فبراير 1992م، ومن جبشيت بلدة رفيقه الشيخ راغب حرب وبعد كلمة ألقاها في إحياء الذكرى الثامنة لاستشهاد الشيخ راغب، غادر نحو بيروت، لكن طائرات مروحية إسرائيلية تربّصت لموكبه على طريق بلدة تفاحتا وأطلقت صواريخ حرارية حارقة على سيارته، فاستشهد مع زوجته أم ياسر وولدهما الصغير حسين. ومن جبشيت إلى بيروت إلى النبيّ شيت طاف موكبه، واستحال مرقده مزاراً، وكنيته سيد شهداء المقاومة.

07-10-2014 عدد القراءات 2106



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا