19 تشرين الأول2017 الموافق لـ 28 محرّم 1439هـ
En FR

نهج البلاغة :: مواعظ من نهج البلاغة

ذكر الموت



عن أمير المؤمنين عليه السلام:"وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ إِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ وَ طَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ وَ أُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ". نهج البلاغة، الخطبة 88.

كيف نذكر ما نخاف؟
يوصي الإمام عليّ عليه السلام في هذه الخطبة من نهج البلاغة بذكر الموت والحال أنّ أكثر الناس يخاف الموت، فكيف نوصيهم بذكره؟ فإنّ الإنسان يبتعد عن ذكر ما يخيفه، وينساه أو يتناساه لكي لا يتألّم ولا يقلق ولا يزعج باله ويشغل خاطره.

أسباب الخوف من الموت
في الحقيقة إنّ للخوف من الموت أسباباً:

1-الخوف من الفناء والعدم

إنّ كراهة معظم الناس للموت وخوفهم منه لأجل أنّ الإنسان حسب فطرته التي فطرها الله سبحانه، وجبلّته الأصيلة، يحبّ البقاء والحياة، ويتنفّر من الفناء والممات، وحيث إنّ في فطرة الإنسان هذا الحبّ وذاك التنفّر، فإنّه يحبّ ويعشق ما يرى فيه البقاء، ويحبّ ويعشق العالم الذي يرى فيه الحياة الخالدة، ويهرب من العالم الذي يقابله. وحيث إنّ كثيراً من الناس لا يؤمن إيماناً يقينياً بعالم الآخرة، ولا تطمئنّ قلوبهم نحو الحياة الأزلية، والبقاء السرمديّ لذلك العالم، فإنّهم يحبّون هذه الدنيا، ويهربون من الموت حسب تلك الفطرة والجبلّة.

إنّ أكثر الناس تنشدّ قلوبهم إلى تعمير الدنيا، وتغفل عن تعمير الآخرة، ولهذا لا يرغبون في الانتقال من مكان فيه العمران والازدهار إلى مكان فيه الدمار والخراب. وهذا ناتج من نقص في الإيمان والاطمئنان. وأمّا إذا كان الإيمان كاملاً، فلا يسمح الإنسان لنفسه أن يشتغل بأموره الدنيوية المنحطّة ويغفل عن بناء الآخرة.

2ـ الجهل بالموت
عن الإمام الجواد عليه السلام - لمّا سئل عن علّة كراهة الموت -: "لأنّهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عزّ وجلّ لأحبّوه، ولعلموا أنّ الآخرة خير لهم من الدنيا، ثم قال عليه السلام: يا أبا عبد الله1 ما بال الصبيّ والمجنون يمتنع من الدواء المنقّي لبدنه والنافي للألم عنه؟ قال: لجهلهم بنفع الدواء، قال عليه السلام: والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً إنّ من استعدّ للموت حقّ الاستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما إنّهم لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم لاستدعوه وأحبّوه أشدّ ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفّات واجتلاب السلامة"2.

وعن الإمام العسكري عليه السلام: "دخل عليّ بن محمّد على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت، فقال له: يا عبد الله تخاف من الموت لأنّك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتّسخت وتقذّرت وتأذّيت من كثرة القذر والوسخ عليك وأصابك قروح وجرب وعلمت أنّ الغسل في حمّام يزيل ذلك كلّه أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك أو تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا ابن رسول الله، قال: فذاك الموت هو ذلك الحمّام، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاوزته فقد نجوت من كل غمّ وهمّ وأذى، ووصلت إلى كلّ سرور وفرح، فسكن الرجل واستسلم ونشط وغمض عين نفسه ومضى لسبيله"3.

3ـ الخوف من العقاب
ومثل هذا الخوف يلاحق المذنبين المؤمنين بالآخرة، فيخافون أن يحين حينهم وهم مثقلون بالآثام والأوزار، فينالوا جزاءهم، ولذلك يودّون أن تتأخّر ساعة انتقالهم إلى العالم الآخر.

ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "لا تكن ممّن... يكره الموت لكثرة ذنوبه، و يقيم على ما يكره الموت له... يخشى الموت، و لا يبادر الفوت"4.
وعن الإمام أبي عبدِالله عليه السلام قال: "جاء رَجُلٌ إلى أبي ذَرٍّ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ ما لَنا نَكرَهُ المَوْتَ؟ فَقالَ: لأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيا وأَخْرَبْتُم الآخِرَةَ، فَتَكْرهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِن عِمْرانٍ إلى خَرابٍ، فَقَالَ لَهُ: فَكَيْفَ تَرى قُدُومَنا عَلَى الله؟ فَقالَ: أمَّا المُحْسِنُ مِنْكُمْ فَكَالغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أهْلِهِ، وَأَمَّا المُسِيءُ مِنْكُمْ فَكَالآبِقِ يُرَدُّ عَلَى مَوْلاَهُ...."5.

هذه الأسباب للخوف من الموت ـ خوف العدم والجهل بالموت وخوف العقاب - عالجها الإسلام حيث أحيا في القلوب الإيمان باليوم الآخر، وبذلك أبعد شبح الفناء والانعدام من الأذهان، وبيّن أنّ الموت انتقال إلى حياة أبدية خالدة منعّمة.

ومن جهة أخرى دعا الإسلام إلى العمل الصالح والابتعاد عن عصيان الله تعالى، كي يبتعد الإنسان عن الخوف من العقاب.

التهيّوء لساعة الموت
وكوننا نحن مؤمنين بالحياة بعد الموت وأنّه ليس فناءاً وأنّه قنطرة نعبرها إمّا الى جنّة وإمّا إلى نار- كما عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "الموت الموت ! ألا ولا بدّ من الموت،جاء الموت بما فيه، جاء بالروح والراحة والكرّة المباركة إلى جنّة عالية لأهل دار الخلود، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه بالشقوة والندامة وبالكرّة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم"6، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "وما بين أحدكم و بين الجنة أو النار إلّا الموت أن ينزل به، و إنّ غاية تنقصها اللحظة، و تهدمها السّاعة، لجديرة بقصر المدّة، و إنّ غائباً يحدوه الجديدان: اللّيل و النّهار، لحريّ بسرعة الأوبة، و إنّ قادماً يقدم بالفوز أو الشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غداً"7 - إذا كان الموت هكذا بهذه الخطورة والمصيرية ينبغي لنا أن نتهيّأ لتلك الساعة التي لا مفرّ منها لأيّ أحد.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "وبادروا الموت وغمراته، وامهدوا له قبل حلوله، وأعدّوا له قبل نزوله"8.
فالإنسان الحكيم لا يغمض عينيه عن الأمور الخطيرة والمصيرية ولا يفعل كالنعامة التي تضع رأسها في التراب متوهّمة أنّ الذئب الآتي إليها لن يفترسها!
الإنسان الحكيم يتهيّأ للأمور الخطيرة والمصيرية ولا ينساها ولا يتناساها لأنها لا تنساه.
فالموت لا ينسانا وإن نسيناه أو تناسيناه "وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم؟".

التفكّر بالموت:إنّ الله تعالى كما أنّه خلق الحياة كذلك خلق الموت: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور9.

فالإنسان المؤمن عليه أن يفكّر في الحياة الدنيا وفي الموت الذي هو قنطرة للحياة الأبدية الباقية: ﴿كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.10.

ولكنّ المؤسف أنّ الإنسان يفكّر في دنياه الزائلة ولا يفكّر في الموت الذي هو باب إلى الآخرة الى الحياة السرمدية، بل إنّ التفكير بالموت له تأثير على حياته الدنيوية فضلاً عن آخرته.

فإنّ وجهة نظر الإنسان نحو الموت وما بعده مهمّة جداً في حياته، فكلّما كانت نظرته واقعية وموضوعية وصحيحة، كلّما كانت حياته سعيدة ونشطة ومتحرّكة ومتفائلة، والعكس صحيح أيضاً.

فتركيبة الإنسان النفسية ومن ثمّ سلوكه وأخلاقه تتأثّر جداً من خلال نظرته إلى الموت وما بعده.
فليس التفكير في الموت وما بعده أو بالأحرى ليس الاعتقاد بوجهة نظر معيّنة تجاه الموت وما بعده فكرة عابرة تمرّ بالخيال وترحل، ولو حاول الإنسان أن يخرجها من خياله وشعوره، فإنّها ستنزل رغماً عنه إلى لا شعوره وعقله الباطنيّ وكيانه النفسيّ وتطبعه بطابع معيّن إمّا سلباً أو إيجاباً.

فعلى هذا ليس التفكير في الموت وما بعده موتاً بل حياة، أي له دخالة في حياة الإنسان وبنائه الروحيّ والنفسيّ والعقليّ.

وأنتم إذا دقَّقتم جيداً ستعرفون؛ أنّ الإنسان إذا كانت نظرته إلى الموت على أنّه فناء ستكون تركيبته النفسية معقّدة خائفة متشائمة مضطربة مستهترة متحلِّلة، أمّا إذا كانت نظرته على النقيض من ذلك واعتقد بأنّ الموت ليس انحلالاً تامّاً ولا فناءً محضاً، إنّما حياة ثانية لها نكهتها الخاصّة، فستكون حياته النفسية وتركيبته الروحية متفائلة مطمئنة ملتزمة.

اكتشاف ما بعد الموت يحيي أمماً وأفراداً
يقول بعض الفلاسفة: "إنّ اكتشاف الموت هو الذي ينتقل بالشعوب والأفراد إلى مرحلة النضج العقليّ أو البلوغ الروحيّ"11.
صحيح قول هذا المفكّر وتؤيّده الوقائع التاريخية، وللتدليل على هذه الفكرة نعطيكم مثالاً واحداً.
كان أكثر الأمّة العربية قبل الإسلام منكراً للحياة بعد الموت، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون12.
﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيد13.
﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُون14.

فكيف كانت حياتهم؟ كانت حياتهم حياة جهلٍ وتخلّف وتبعيّة، ولكن عندما جاء الإسلام، وغيّر نظرتهم إلى الموت وما بعده، تغيَّر العرب تغيّراً جذرياً، فانطلقوا في الدّنيا بكل انشراح وقوّة وغيّروا مجرى التاريخ بعد أن كانوا هملاً.

فيتبيّن ممّا مرّ أنّ ذكر الموت والتفكّر فيه وعدم نسيانه ضروريّ للفرد والمجتمع، فهو صمّام أمان للفرد، ودفع للمجتمع للتغيير، فشتّان بين من يحسب الموت فناء ومن يقطع بأن الموت حياة أخرى، فالأوّل جبان كما عليه اليهود ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ15، ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ16، والثاني شجاع كما عليه أبناء الإسلام.

ولهذا الاعتقاد درجات يترقّى فيها الإنسان حتّى يصبح الموت بالنسبة له أمراً عادياً على حدّ تعبير الإمام عليّ بن الحسين : "لا أبالي وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا".

*مواعظ من نهج البلاغة , سلسلة الدروس الثقافية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1-وفي نسخة كتاب الاعتقادات للشيخ الصدوق: «يا عبد الله».
2-بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 6، ص 156.
3-بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 6، ص 156.
4-نهج البلاغة، الحكمة 150.
5-الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 458.
6-جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، ج14، ص 60.
7-نهج البلاغة، الخطبة 64.
8-م. ن، الخطبة 190.
9-الملك: 2.
10-البقرة: 219 ـ 220.
11-انظر: تغلب على الخوف، مصطفى غالب، ص‏74..
12-الجاثية: 24.
13- السجدة: 10.
14-الصافات: 47.
15-البقرة:96.
16-الحشر:14.

07-08-2014 عدد القراءات 2266



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا