21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

إضاءات إسلامية :: درب الهداية

الرذائل الأخلاقية: الغيبة - النميمة



الغيبة

1- حقيقة الغيبة:
الغيبة هي ذكر المؤمن بما يكره، سواء كان ذلك في خَلقه أم خُلُقه أم إحدى مختصاته. وليست الغيبة محصورة باللسان، بل يمكن أن تشمل كل ما يشعر بانتقاص الغير، قولاً أو عملاً، كتابةً أو تصريحاً. وقد عرّفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: "هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره"1. وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "الغيبة أن تقول في أخيك ما ستر الله عليه وأما الأمر الظاهر فيه مثل الحدة والعجلة فلا"2. وهي من أخسّ الأفعال وأخطر الآثام، وكفاها ذمّاً أن الله تعالى ذمّها في كتابه الكريم وشبّه صاحبها بآكل لحم الميتة حيث قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ3، وأنّه ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع وبين الناس، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"4.

لذا من الحريّ بالمؤمن العاقل أن يترفّع عن هذه السجيّة وعن مجاراة المغتابين وصحبتهم، والاستماع إليهم، لأن المستمع للغيبة صنوّ المستغيب وشريكه في الإثم أيضاً، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "السامع للغيبة أحد المغتابين"5. ولا يخرج المستمع للغيبة عن إثمها إلا أن ينكر على مرتكبها بلسانه، أو يقطع كلامه بكلامٍ آخر، أو يقوم من مجلسه، وإن لم يقدر على كل ذلك فعليه بالحد الأدنى أن ينكر ذلك بقلبه.


2- دوافع الغيبة:
إن للغيبة عواملَ كثيرةً ودوافع متعددة يكاد كل واحد منها يكون سبباً كافياً لارتكابها. فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "أصل الغيبة تتنوع بعشرة أنواع: شفاء غيظ، ومساعدة قوم، وتهمة، وتصديق خبر بلا كشفه، وسوء ظن، وحسد، وسخرية، وتعجب، وتبرم، وتزين. فإن أردت السلامة فاذكر الخالق لا المخلوق، فيصير ذلك مكان الغيبة عِبرة، ومكان الإثم ثواباً"6. إذاً، فالحسد والأنانية وحب النفس، والغرور والتكبر، والعجب بالنفس، ونصرة العشيرة ومجاملة الأصحاب ومجاراتهم دون وجه حق، والحقد، والتشفي وإطفاء سورة الغضب، وسوء الظن بالآخرين، والسخرية والاستهزاء بهم، وغير ذلك من أمثال هذه الدوافع النفسية كلها عوامل تؤدي بالإنسان إلى الوقوع في هذه الرذيلة المهلكة.

3- العواقب السلبية للغيبة:
للغيبة آثارٌ سلبية ونتائج مدمّرة كثيرة على الفرد والمجتمع كونها سبباً أساسياً في نشر سموم البغض والفرقة في صفوف المسلمين فتعكّر صفو المحبة والألفة فيما بينهم، وتفصم عرى الأخوّة والصداقة، وتقطع وشائج القرابة. هذا بالإضافة إلى العواقب المعنوية الوخيمة، والعقوبات الإلهية المترتّبة على هذه المعصية، ويمكن الإشارة إليها باختصار:

أ- الغيبة تأكل الحسنات: فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "الغيبة حرام على كل مسلم، وانها لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"7.

ب- انتقال حسنات المستغيب إلى المستغاب: فعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "يُؤتَى بأحدكم يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى ويدفع إليه كتابه فلا يرى حسناته فيقول: إلهي هذا كتابي فإني لا أرى فيه طاعتي، فيقول له: إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك باغتياب الناس، ثم يؤتى بآخر ويدفع إليه كتابه فيرى فيها طاعات كثيرة، فيقول: إلهِي ما هذا كتابي فإني ما عملت هذه الطاعات، فيقول: إن فلاناً اغتابك فدفعت حسناته إليك"8.

ج. خروج المستغيب من ولاية الله ودخوله في ولاية الشيطان: فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروّته ليسقط عن أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان"9.

د- الإصرار على الغيبة يؤدّي إلى دخول النار: روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل النار، ومن مات مصراً عليها فهو أوّل من يدخل النار"10.

هـ- الغيبة سببٌ لعذاب القبر: فعن جابر قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسير فأتى على قبرين يعذّب صاحبهما، فقال:أما إنهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبيرة، أما أحدهما فكان يغتاب الناس..."11.

و- الغيبة سببٌ لفساد الدين: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه"12.

ز- الغيبة تؤدي بصاحبها إلى الفضيحة: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً قائلاً: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته"13.

ح- لا يغفر للمستغيب حتى يعفو عنه المستغاب: فعن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، إن الرجل يزني‏ ويتوب‏ فيتوب الله عليه‏، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه"14.

ط- الغيبة سببٌ في عدم قبول العبادات: فعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من اغتاب مسلماً أو مسلمة لم يقبل الله تعالى صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة إلا أن يغفر له صاحبه"15.

4- مستثنيات الغيبة:
الغيبة المحرّمة هي ما قصد بها انتقاص المؤمن وإذلاله، أما إن لم يكن القصد ذلك وتوقّف عليها غرضٌ وجيه فلا حرمة فيها. ومن هذه المستثنيات:

أ- شكاية المتظلّم لإحقاق حقه ورفع الظلامة عنه، وهو قوله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمً16.

ب- في موارد النهي عن المنكر، التي يمكن أن يؤدي السكوت عنها إلى الوقوع في مشاكل أكبر من مفسدة الغيبة نفسها.

ج- عند المشورة ونصح المستشير في أمرٍ كالتزويج، أو لتحذير المؤمن من صحبة فاسق أو مضلّ لحفظه من شرّهما، في هذه الحالة يحق للمستشار أن يذكر مثالب الشخص الآخر.

د- في مورد الشهادة عندما يطلب من الإنسان أن يدلي بشهادته في موقع التحكيم مثلاً أو ما شابه.

هـ- في الموارد التي يكون فيها الإنسان متجاهراً بالفسق،
كشرب الخمر ولعب القمار بشرط الاقتصار على ما يتجاهر به إذ ليس لفاسقٍ غيبة.

5- علاج الغيبة:
إن علاج هذه الآفة الخطيرة يشبه علاج سائر الأمراض الأخلاقية، والذي يمكن أن نختصره بأمرين أساسيين هما العلم النافع والعمل الصالح:

أما العلم: فهو أن يتفكّر الإنسان في الآثار الشّنيعة والعواقب الوخيمة المترتّبة على هذه الرذيلة، من التعرض لسخط الله والخروج من ولايته، وذهاب حسناته، والعذاب الأليم الذي ينتظره وغيرها من الآثار التي ذكرناها مفصلاً. لأن الإنسان العاقل متى ما أدرك عواقب الغيبة فسوف يرتدع عنها حتماً ولن يجرؤ على اقترافها. كما أنه من المهم أيضاً على المبتلى بهذه الآفة أن يبحث في أعماق نفسه عن جذورها وأسبابها ليتمكّن من علاجها. وبما أن دوافع الغيبة متعددة عليه أن يبحث عن أيها هو السبب والدافع: هل هو الحسد، أم الحقد، أم الأنانية، أو التكبر مثلاً وأمثال ذلك، لأنه ما دامت الدوافع والأسباب موجودةً فلن يتمكّن من إزالة هذه الرذيلة والتخلّص منها.

أما العمل: فمن خلال ترويض النفس وتهذيبها وحملها على صون اللسان والكفّ عن الغيبة، من خلال مخالفة النفس وعدم الانصياع لأهوائها لأن علاج كل علّة بمضادّة سببها. فكلما حملته نفسه على الإتيان بهذه الموبقة خالفها مذكراً نفسه بعواقبها، ومشتغلاً بعيوبه عن عيوب الآخرين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس"17.

النميمة

1- حقيقة النميمة:
النميمة هي نقل الأحاديث التي يكره الناس إفشاءها ونقلها من شخصٍ إلى آخر بهدف الإيقاع بين الناس وإيجاد الاختلاف وإثارة العداوة والبغضاء فيما بينهم. وهي من الذنوب الكبيرة وأقبح الصفات الأخلاقية سواء كان الكشف بالقول أم بالكتابة أم بالرمز والإيماء، وسواء كان ذلك عيباً ونقصاً على المنقول أم لم يكن. بمعنى آخر هي إفشاء السر وهتك الستر عما يكره الإنسان كشفه بهدف التفريق بين الناس والأحبة. وقد حذّر الله تعالى في كتابه الكريم من هذا الصنف من الناس الذي يمشي بالنميمة فقال عزّ اسمه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ *هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ *مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ18. وعدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرار القوم فقال: "ألا أنبئكم بشراركم؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال: المشاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأحبة الباغون للبُرآء المعايبِ"19. فالنمّام يتألم لما يراه من خير لدى الآخرين، أو لما يجد من المحبة والألفة والتكاتف بين الناس فيسعى لإفساد ذات البين والتفريق، لإيقاع العداوة والحقد بينهم، مدفوعاً بعقدة الحقارة والذلة.

2- الآثار السلبية للنميمة:
تجمع النميمة بين رذيلتين خطيرتين وهما: الغيبة والنَمّ. فكل نميمةٍ غيبة وليست كل غيبة نميمة، فمساوئها كالغيبة بل أشد لاشتمالها على إذاعة السر، وهتك المحكي عنه، والوقيعة به. ومن أهم آثارها:

أ- نشر الفساد في المجتمع: لأن النميمة من العوامل المهمة في إيجاد التفرقة وسوء الظن بين أفراد المجتمع وتفضي إلى العدواة وتعميق حالة الحقد والضغينة بين الناس، لذا تعدّ الروايات الشريفة الشخص النمام أشرّ أفراد المجتمع وأسوأهم. فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتُبعد عن الله والناس"20. ويمكن أن يصل الأمر بالنميمة إلى سفك الدماء وهتك الأعراض، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "إن من أكبر السحر النميمة، يفرق بها بين المتحابّين، ويجلب العدواة على المتصافين، ويسفك بها الدماء، ويهدم الدور، ويكشف المستور، والنمام أشر من وطِئَ على الأرض بقدم"21.

ب- الحرمان من الجنة: فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "محرمة الجنة على القتّاتين المشّاءين بالنميمة"22. والحرمان من الجنة يعني بطبيعة الحال النار والعذاب الأليم وهذا هو حال النمّام في يوم القيامة، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أيما رجل أشاع على رجل كلمة وهو منها بريء ليشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله عز وجل أن يدينه بها يوم القيامة في النار"23.

ج- البغض الإلهي: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أحبّكم إلى الله أحاسِنُكم أخلاقاً الموطَّئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون وأبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرّقون بين الإخوان الملتمسون للبرآء العثرات"24.

3- دوافع النميمة:
دوافع النميمة عديدة ومتنوعة نذكر بعضها وهي:

أ ـ الحسد: لأن الشخص الحسود لا يمكنه أن يتحمل سعادة الآخرين وراحتهم والمودة فيما بينهم. لذلك يسعى من خلال النميمة إلى زرع بذور الفرقة والعداوة وسوء الظن بين هؤلاء الناس.

ب ـ حب الدنيا: لأن المحب للدنيا والعاشق لها يرى أن مكانته وكسبه وعمله الاقتصادي والاجتماعي يتوقف على تقوية عناصر الشرّ والكراهية بين أفراد المجتمع الواحد.

ج ـ النفاق: يعدّ عاملاً آخر من عوامل النميمة، لأن جُلّ عمل المنافق هو إيجاد الفساد والفتنة بأي وسيلة كانت، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "علامة النفاق الحث على النميمة"25.

4- علاج النميمة:
أغلب المفاسد الأخلاقية ناشئة من ضعف الإيمان، فكلما سعى الشخص إلى تقوية دعائم الإيمان بالله واليوم الآخر فإن هذه الرذائل سوف تتلاشى وتزول تدريجياً والنميمة واحدة منها. ومن جهة أخرى التأمل في الآثار السلبية الكثيرة للنميمة على صعيد الفرد والمجتمع وما تورثه من دمارٍ وخراب من شأنه أيضاً أن يردع الإنسان ويصدّه عن هذه الرذيلة. كما وأن لعشرة المؤمنين والصالحين الأثر المهم والبالغ لأن الشخص المبتلى بهذا المرض إذا رأى أن من يعاشرهم لا يعتنون بكلامه ولا يهتمّون بأقواله بل وقد يطردونه من مجالسهم فإنه سيتوقف بسرعة عن عمله هذا. ويبقى أن على الإنسان المبتلى أن يجاهد نفسه ويخالفها كلما سعت في هذه المعصية لأنه الطريق الوحيد للتخلص من هذا المرض، ومن دون المجاهدة والمخالفة الدائمة للنفس لن يتمكن من تطهير باطنه أبداً.

* درب الهداية، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- بحار الأنوار، ج72، ص222.
2- الكافي، ج2، ص357.
3- الحجرات، 12.
4- الكافي، ج2،ص357.
5- مستدرك الوسائل، ج9، ص133.
6- بحار الأنوار، ج72، ص257.
7- كشف الريبة، ص9.
8- مستدرك الوسائل، ج121، ص 9.
9- الكافي، ج2، ص358.
10- مستدرك‏ الوسائل، ج9،ص126.
11- م.ن، ص120.
12- الكافي، ج2،ص356.
13- منية المريد، ص327.
14- مستدرك الوسائل، ج9،ص119.
15- م.ن، ص 122.
16- النساء، 148.
17- مستدرك الوسائل، ج1،ص116.
18- القلم، 10 - 13.
19- الكافي، ج2، ص 369.
20- غرر الحكم، ص 222.
21- بحار الأنوار، ج60، ص21.
22- الكافي، ج2،ص369.
23- كشف الريبة، ص42.
24- بحار الأنوار، ج68،ص 383.
25- م.ن، ج69،ص207.

16-01-2014 عدد القراءات 6776



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا