24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: مباحث النبوة العامة

النبوّة الخاصّة



لقد بعث الله آلاف الأنبياء عليهم السلام في مراحل تاريخية مختلفة وأماكن مختلفة من العالم وقاموا بمهامّهم خير قيام في هداية البشر وتربيتهم وتقوية معتقداتهم وقيمهم، ودعوا إلى التوحيد والعدل. وتميَّز من بينهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام بأن أنزل الله عليهم كتباً سماويَّة مشتملة على الأحكام والقوانين الفردية والاجتماعية والتعاليم والوظائف الأخلاقية والقانونية الملائمة لظروفها الزمانية. ولكنّ هذه الكتب تعرّضت للتحريف ومنها ما اختفى وعاش الناس في ضلال لأنّهم باتوا يأخذون دينهم من رهبانهم وأحبارهم وكتبهم مع ما فيها من تحريف، وأساطير، وتشويه صورة الأنبياء، والنيل من مقام الربوبية، وتحريم ما أحلّ الله، وتجويز ما حرَّم، فلم يعد أيّ دور يذكر لهداية البشر حيث غاص العالم كلّه في القرن السادس الميلادي في الظلام والجهل والظلم وخمدت مشاعل الهداية الإلهية. وفي ذلك الوقت بعث الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء وأفضلهم في أكثر المناطق تخلُّفاً وانحطاطاً وظلماً وجهالةً، أرسله إلى البشر كافّة ليحمل لهم الكتاب الإلهيّ الخالد ليهديهم إلى سبيل الرشاد ويعلّمهم المعارف الحقيقية ويقود البشر إلى السعادة الدنيوية والأخروية.

يقول تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ1.

ويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ2.

الدليل على نبوّة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم

إثبات نبوّة أيّ نبيّ يتمّ من خلال ثلاث طرق:
الأول: التعرّف إلى سيرتهم وسلوكهم.
الثاني: إخبار الأنبياء السابقين.
الثالث: المعجزة.


وهذه الطرق الثلاث قد توفرَّت في نبوّة نبيّ الإسلام محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أمّا الأوّل: فإنّ أهل مكّة قد عاشروا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أربعين عاماً ولم يجدوا خلالها عثرة من العثرات أو أيّ ضعف في حياته، بل كانت حياته مضيئة بالنور والعطاء وكان يُشار إليه بالبنان، وبالتواضع والزهد والصدق والأمانة حيث لقَّبوه بالصادق الأمين، وكان مثال مكارم الأخلاق حتّى نعته الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ3.

وأمّا الثاني: فقد أخبر وبشَّر الأنبياء السابقون بنبوّته وبعثته صلى الله عليه وآله وسلم. وقد كان ينتظر ظهوره جماعة من أهل الكتاب وكانوا يعرفون بعض العلامات الواضحة والبيّنة عليه، وكانوا يقولون للمشركين من العرب إنّه سيبعث بالرسالة أحد أبناء إسماعيل عليه السلام يصدّق بالأنبياء السابقين. وقد آمن به بعض علماء اليهود والنصارى اعتماداً على تلك البشائر.

يقول تعالى في كتابه الكريم على لسان عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ4.

ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ5.

ويقول تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ6.
إنّ معرفة علماء بني إسرائيل بنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم استناداً إلى بشارات الأنبياء السابقين تُعدُّ دليلاً واضحاً على صحّة نبوّته صلى الله عليه وآله وسلم وحجّة مقنعة لأهل الكتاب ولغيرهم لمشاهدتهم صدق وحصول هذه البشارات.

أما الثالث: المعجزة إنّ الناس كانوا يطلبون المعجزة من الأنبياء عند ادّعائهم النبوّة كما حدّثنا القرآن الكريم عن قوم نبيّ الله صالح عليه السلام: ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ7. وقد يخبر النبيّ عن تسلُّحه بالمعجزة ابتداءً قبل طلب قومه المعجزة كما حصل مع نبيّ الله موسى عليه السلام مخاطباً فرعون: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ8.

وكذلك حدث مع النبيّ عيسى عليه السلام كما في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ9.

معجزات نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم

إنّ معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من أن تحصى. بل إنّ جميع أقواله وأفعاله وأحواله وأخلاقه وأوصافه هي معجزات باهرات وآيات ظاهرات. ومن المعجزات المذكورة في القرآن الكريم:
1- شقّ له القمر بمكّة عندما طلبت قريش منه آية كما أخبر القرآن الكريم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ10.
2- رمى الجيش بقبضة من تراب فعميت عيونهم ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى11.

القرآن المعجزة الخالدة

القرآن الكريم هو الكتاب السماويّ الوحيد الّذي أعلن أنّه لا يمكن لأحدٍ الإتيان بمثله حتّى لو اجتمعت الإنس والجنّ، أو الاتيان بعشر سورٍ أو حتّى بسورة واحدة. يقول تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرً12 ويقول تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 13 ويقول تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ14.

ثمّ إنّ عدم الاستجابة من قبل المشركين لهذا التحدّي لهو دليل على إعجازه وتصديق لنبوّة صاحبه صلى الله عليه وآله وسلم.

وجوه إعجاز القرآن

توجد وجوه عديدة لإعجاز هذا الكتاب العظيم منها:
1- أنّه مع كونه مؤلّفاً من هذه الحروف الهجائية المحدودة عجز البشر عن الإتيان بمثله.
2- فرادة الأسلوب وأعجوبة النظم وليس له شبيه في كتب الشعراء والبلغاء والفصحاء.
3- عدم الاختلاف والتناقض فيه، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. يقول تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرً15.
4- اشتماله على الآداب الكريمة والشرائع القويمة ونظام العباد والبلاد والمعاد.
5- اشتماله على ما كان مخفياً من الأخبار الماضية والأزمنة الغابرة كقصص (أصحاب الكهف وسبأ وذي القرنين والخضر).
6- اشتماله على الأمور المستقبلية: "كغلبة الروم" في قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ16.
7- إضافة إلى كلّ وجوه إعجازه مع ذلك فإنّه صدر عن إنسان أمّيّ لم يكن قارئاً ولا كاتباً.

النبوّة الخاتمة

إنّ الدين الإسلاميّ هو الدين الخالد، ودعوته شاملة وعامّة غير محدّدة بمنطقة وغير مختصّة بقوم. ويؤيّد ذلك الرسائل الّتي كان يبعثها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للملوك والحكّام أمثال قيصر الروم وكسرى الفرس وحكّام مصر والشام والحبشة ورؤساء القبائل المختلفة، حيث دعاهم جميعاً لاعتناق الإسلام. ويدلّ على ذلك أيضاً أنّ خطابات الآيات القرآنية متوجّهة للناس جميعاً في الغالب مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴿يَا بَنِي آدَمَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴿إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ17، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ18.

وهذه الرسالة هي خاتمة الرسالات السماوية، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ19.

الآية المباركة تدلّ على أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء عليهم السلام أي أنّ سلسلة النبوّة تنتهي بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا بالإضافة إلى كثير من الروايات الدالّة على ذلك، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس إنّه لا نبيّ بعدي ولا أمّة بعدكم"20، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: "أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلا أنّه ليس بعدي نبيّ؟"21.

* كتاب في رحاب العقيدة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة آل عمران، الآية: 164.
2- سورة الجمعة، الآية: 2.
3- سورة القلم، الآية: 4.
4- سورة الصف، الآية: 60.
5- سورة الأعراف، الآية: 157.
6- سورة البقرة، الآية: 129.
7- سورة الشعراء، الآية: 154.
8- سورة الأعراف، الآيتان: 105و 106.
9- سورة آل عمران، الآية: 49.
10- سورة القمر، الآية: 12.
11- سورة الأنفال، الآية: 17.
12- سورة الإسراء، الآية: 88.
13- سورة هود، الآية: 13.
14- سورة يونس، الآية: 38.
15- سورة النساء، الآية: 82.
16- سورة الروم، الآيتان: 2 و 3.
17- سورة سبأ، الآية: 28.
18- سورة التوبة، الآية: 33، سورة الفتح، الآية: 28، سورة الصف، الآية: 9.
19- سورة الأحزاب، الآية: 40.
20- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج‏1، ص‏15.
21- م.ن.

14-01-2014 عدد القراءات 6184



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا