21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

إضاءات إسلامية :: مواعظ حسنة

التـَّقوى والطاعة



أوصى الإمام الصادق عليه السلام عبد الله النجاشي، فقال: "إني أوصيك بتقوى الله وإيثار طاعته والاعتصام بحبله، فإنَّه من اعتصم بحبل الله فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، فاتَّق الله ولا تؤثر أحداً على رضاه وهواه، فإنَّه وصية الله عزّ وجل إلى خلقه لا يقبل منهم غيرها، ولا يعظم سواها. واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى فإنَّه وصيتنا أهل البيت، فان استطعت أن لا تنال من الدّنيا شيئاً تسأل عنه غداً فافعل"1.

مقدمة:
إنّ من الابتلاءات العامة التي تأخذ اهتماماً واسعاً لدى الشرع المبين في الخطابات القرآنية والروايات الواصلة إلينا عن طريق أهل بيت العصمة، مسألة ادّعاء التقوى من دون عمل، أي التقوى المفرغة من محتواها، مما يشكّل خطراً على الأبعاد الإيمانية في المجتمع، إذ يكثر المدَّعون ويقلّ العاملون وتُترك الساحة للّاعبين بالكرامات والناهبين للثروات والعابثين بأمن الناس وثقافتهم ومستقبلهم، هذا بشكل عام، لكن كيف لو حدث هذا لا سمح الله في الميدان الجهادي؟!

تعريف التقوى:

التقوى من "الوقاية" بمعنى المحافظة. وهي في العرف وفي مصطلح الأخبار والأحاديث تعني: "وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه" وكثيراً ما عرّفت بأنّها "حفظ النفس حفظاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشبهات" فقد قيل: "وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبهاتِ وَقَعَ فِي المُحَرَّماتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ"2، "فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمى أوشكَ أَنْ يَقَعَ فيهِ"3.

وقيل فيها أنَّها مجانبة كل ما يبعدك عن الله وعن طاعته وطاعة محمد وآل محمد4. وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير التقوى فقال عليه السلام: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك"5.

قال الله جلَّ شأنه في مُحكم آياته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ6.

وقال الإمام الخميني قدس سره في التعقيب على هذه الآية المباركة: "الأمر بالتقوى (في أوّل مراتبها وهي تقوى العامّة) هي الحذر من مخالفة الأحكام الإلهية الظاهرية وهي كذلك مرتبطة بالأعمال القالبية، وتكون جملة ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ تحذيراً من عواقب أعمالنا وشاهداً على أنّ الأعمال التي نعملها تأتي نفسها بالصورة المناسبة في النشأة الأخرى وستُلحق بنا... إنّ التفكير في هذا الأمر يوقظ القلوب المؤهلة وقد يكون مدخلاً يسهل الطريق إلى المراتب الأخرى"7.

إنَّ التقوى ملازمةٌ للعمل بطاعة الله تعالى بنيّةٍ مخلصةٍ لا يشوبها شكٌّ ولا رياءٌ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس"8.

أبعاد التقوى:

للتقوى أبعاد متنوعة ومتعددة، ومنها أن للتقوى آثاراً على المستوى الدنيوي وعلى المستوى الأخروي.

أ- أبعاد التقوى على المستوى الدنيوي:
فإن للتقوى آثاراً دنيوية على الفرد والمجتمع:
1- هي سبب لقبول الأعمال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ9.
2- بالتقوى تفتح المخارج وتذلّل الصعاب ويُستنزل الرزق: قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ10.﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرً11.
3- التَّقوى تقوّي بصيرة الإنسان ويقظته قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ12.
4- سبيل لفتح بركات السماء والأرض: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ13.
5- التقوى سببٌ للهداية والشُّكر والرَّحمة والفلاح: قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ *والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ14. و ﴿...فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ15. و﴿وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ16.
6- بالتقوى يصبح الإنسان من حزب الله: قال الإمام علي عليه السلام "أيسرُّك أن تكون من حزب الله الغالبين؟ اتقِ الله سبحانه وأحسِنْ في كل أمورك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"17.

فإذا كنّا نريد أن نكون من حزب الله حقّاً لا ادعاءاً، فعلينا أن نكون الأتقياء.

ب- أبعاد التقوى على المستوى الأخروي:
للتقوى أبعاد على مستوى الآخرة، وهي:
1- التقوى هي الزاد والرصيد: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ18. ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى19.
2- إحراز مقام المعية الإلهية: قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ20.
3- الثواب العظيم والجزيل: حيث وعد الله المتقين بالثواب الأكبر يوم القيامة، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ21.
4- التقوى وقاية من النار: قال الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى22.

كيف أكون تقيّاً؟

إنَّ حياة الإنسان ملأى بالتقلّبات فهو يعمل ويأكل ويشرب ويتكلَّم ويمازح ويعاشر ويقيِّم الآخرين وينتقد ويحاور ويأمر ويأتمر و... إنَّ أهم معين له حتى يبقى في دائرة التقوى هو محاسبة النفس التي قوامها أمور ثلاثة:
1- المشارطة.
2- المراقبة.
3- المحاسبة.


أولاً: المشارطة: فيشارط نفسه في كل يوم أو في كل مورد يريد أن يُقبل عليه أن لا يرتكب ما يخالف أوامر الله سبحانه، ويتخذ قراراً حازماً في نفسه، عازماً على أن لا يقوم بمخالفة ما شرطه على نفسه، فمن كان تاركاً لبعض الواجبات عليه أن يعزم على أن لا يترك واجباً، ومن كان فاعلاً للمحرمات يعزم على عدم العود إليها، ومن كان مُقدماً على عملٍ، يعزم على أن لا يرتكب محرماً خلاله،والله سبحانه إذا ما رأى من عبده هذا العزم والجدّ، أيّده وسدّده، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى23.

وهنا لا بد من لفت النظر إلى أنّ الشيطان سوف يستخدم قواه وعسكره في محاربة ذلك العزم من أجل أن يُظهر أن تلك المشارطة أمر صعب مستصعب، فعلى الإنسان التقيّ أن يكون واعياً.

ثانياً: المراقبة: ثم يراقب المتّقي نفسه بانتباه كامل طوال المدة التي يقوم بها بتنفيذ ما شرطه على نفسه من عدم مخالفة أوامر الله تعالى، لتكون المراقبة عامل ردع له عن مخالفة الشرط، وفي حال وسوس الشيطان للإنسان بأن يخالف ما شرطه على نفسه، فعليه أن يتطلّع إلى ما شرطه على نفسه بأن لا يخالف أوامر الله تعالى، على أن تكون المراقبة دقيقة طوال الفترة التي يقوم بها بأي عمل ما.

ثالثاً: المحاسبة: ثم المحاسبة ، فيحاسب التقي نفسه كما يحاسب التاجر عامله ليرى ماذا جنت جوارحه؟ فهل خالف مولاه؟ أم كان طائعاً له جلَّ شأنه؟ فإن وجد نفسه أنه نجح في عمله ولم يخالف ربَّه، فيشكر الله تعالى على ما وفقه إليه، وإن رأى نفسه أنه جنح إلى الحرام وترك التكليف، يندم على ذلك ويؤدِّب نفسه ولا ييأس من رحمة الله، ويعاود المشارطة والمراقبة والمحاسبة، وليتّكل على الله تعالى في ذلك وليستمدّ العون من أعظم الوسائل إلى الله محمد وآل محمد عليهم السلام.

وبعد طي المراحل الثلاث وخصوصاً مرحلة المحاسبة، فإذا تبين أن النفس قد خالفت أمراً ما، فلا بد على المؤمن أن يعاتب نفسه، ويؤنّبها على مخالفتها لأوامر الله تعالى، ثم يعاقبها عقاباً يتناسب مع تلك المخالفة.

وإلى ذلك تشير الرواية المباركة عن الإمام الصادق عليه السلام: "حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيئة استغفر منها، لئلّا يخزى يوم القيامة"24.

* كتاب محاسن الكلم، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص 194.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 68، باب اختلاف الحديث، ح 10.
3- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 18، ص 122، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى، ح39.
4- كتاب التعريفات، ص39.
5- الريشهري، ميزان الحكمة، ج10، ص646.
6- سورة الحشر، الآيتان 18 – 19.
7- الإمام الخميني، بلسم الروح، ص20. بتصرف
8- الريشهري، ميزان الحكمة، ج10 ص646.
9- سورة المائدة، الآية 27.
10- سورة الطلاق، الآيتان 2 – 3.
11- سورة الطلاق، الآية 4.
12- سورة الأعراف، الآية 201.
13- سورة الأعراف، الآية 96.
14- سورة البقرة، الآيات 1 – 5.
15- سورة آل عمران، الآية 123.
16- سورة الأعراف، الآية 63.
17- الريشهري، ميزان الحكمة، ج 1، ص 600.
18- سورة الشعراء، الآيتان 88 – 89.
19- سورة البقرة، الآية 197.
20- سورة البقرة، الآية 194.
21- سورة القمر، الآيتان 54 – 55.
22- سورة الليل، الآية 17.
23- سورة الليل، الآية 7.
24- الريشهري، ميزان الحكمة، ج2، ص407..

02-01-2014 عدد القراءات 8287



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا