20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

الجهاد والشهادة :: خاصة الأولياء

المجاهد والمجتمع



تمهيد
حديثنا عن الوظائف الإجتماعية للمجاهد، ونعني بذلك، كيفية علاقته بالناس وما عليه أن يراعيه في العلاقة معهم من الأمور، وهل أن لديه واجباً تجاه الناس، وتجاه الأمة بشكل عام؟

أنت القدوة
يحتل المجاهد في سبيل الله محلاً في قلوب الناس، بمعنى أن الأنظار تتجه إليه دوماً، ويتوقع منه أن يكون في أعلى مراتب الأخلاق والعشرة، فالمجاهد في نظر الناس هو الشخص الملتزم قلباً وقالباً بالحكم الشرعي الإلهي، ولا يتوقع منه في العادة أن يقوم بما ينافي هذا الالتزام.

ولو فرض أن المجاهد قام بما يخالف التزامه الشرعي فإن هذا سيكون له العديد من الآثار، فمن جهة سيقدم نموذجاً ربما يقلده الآخرون، ومن جهة أخرى ستكون مدعاةً لتوهين الخط والحطِّ من مقام المجاهدين ومحلهم في قلوب الناس، فعلى المجاهد دائماً أن يقدم القدوة الحسنة، وليتذكر ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً، كونوا مثل أصحاب علي عليه السلام في الناس إن كان الرجل منهم ليكون في القبيلة فيكون إمامهم ومؤذنهم وصاحب أماناتهم وودائعهم... ولا يسبقوكم "الناس"إلى خير، فأنتم والله أحق منهم به"1.

الاهتمام بشعب الجهاد
إن الشعب المضحي، والمجتمع المقاوم الذي يتحمل مسؤولية تربية وتخريج المجاهدين ودعمهم يستحق من المجاهد حداً أدنى من الالتزام تجاهه، ولا أقل من الاحترام والالتفات إليه، ومنحه الرعاية اللازمة ولو بالتضامن القلبي معه.

ودعت الكثير من رواياتنا إلى الاهتمام بأمور المسلمين، والحنو عليهم وتقديم الخدمة إليهم، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم"2.

كما علّمنا قادتنا في الجهاد أن نخدم الناس بأشفار عيوننا، وكلنا يعلم ما في خدمة المؤمنين من أجر عند الله تعالى، ففي الرواية عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "دخل عبد الجنّة بغصن من شوك كان على طريق المسلمين فأماطه عنه"3.

بل من اللازم أن يحيط المجاهد من يليه من المؤمنين بالحنان الذي يشعرون به بأنه معهم كالجسد الواحد، فما يلقونه يلقاه، وما يعنيهم يعنيه تماماً، تطبيقاً للرواية المروية عن إمامنا أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد، إن اشتكى شيئ منه وجد ألم ذلك في سائر جسده. وأرواحهما من روح واحدة، وإنّ روح المؤمن لأشّد اتصالاً بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها"4.

حسن العشرة
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(البقرة:83).

تتحدث الآية الشريفة، عن صفات أمر الله تعالى بها وهي صفات اجتماعية لها صلة بعلاقة الناس بعضهم ببعض، فالإحسان للوالدين وحسن الجوار، والبر باليتامى والمساكين، والإيجابية في التعاطي مع الناس، هذه الصفات التي تعنى بعلاقة المؤمن بمجتمعه تجتمع كلّها تحت صفة أخلاقية واحدة يمكننا أن نسميها حسن العشرة.

والمؤمن المجاهد أولى الناس بالالتزام بهذه الصفات لأنه الأقرب إلى الله تعالى بسبب ما أولاه تعالى من نعمة الجهاد في سبيله، بالإضافة إلى ما ذكرناه من كونه قدوة تستلهم الناس منه النموذج الإلهي الأمثل.

وقد حثت كثير من الروايات والآيات الكريمة على حسن العشرة بين الناس، ومنها ما ورد في وصية أمير المؤمنين عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية: "ألزم نفسك التودد، وصبّر على مؤونات الناس نفسك، ابذل لصديقك نفسك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرَكَ ومحبَّتك، ولعدوِّك عَدلَكَ وإنصَافَكَ، واضنن بدينك وعرضِكَ عن كلِّ أحدٍ، فإنَه أسلم لدينك ودُنيَاك"5.

وإن من أهم الخصال التي ينبغي أن لا تترك في أي حالٍ حسن البشر، فخلافاً لما يتوهمه البعض من أن العبوس وتقطيب الجبين فضيلة، فإن أهل البيت عليهم السلام أمرونا بحسن البشر وأن نلقى الناس بالبسمة الصادقة، وأما الحزن فهو في القلب، وهمّ النفس بأمر الآخرة ينبغي أن لا ينعكس عبوساً بوجه الناس، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إن أحسن ما يألف به الناس قلوب أودائهم، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم، حسن البشر عند لقائهم، والتفقّد في غيبتهم، والبشاشة بهم عند حضورهم"6.

فالمجاهد الذي يعيش في جهاده احتمال الانتقال لعالم الشهادة، ما أحسن أن ينتقل لجوار ربه مخلفاً وراءه ذكراً طيباً وأثراً من أخلاقه يتأثر به القريب والبعيد، فكم نتأثر حينما نسمع عن صفات ذاك المجاهد، وأخلاق ذاك الشهيد، ونحاول أن نسعى لنصل لمقاماتهم الأخلاقية التي وصلوا إليها تأثراً بهم، واقتباساً من نهجهم، وجرياً على خطاهم التي بوركت، سارت حباً في طريق الله تعالى، فهم قد حققوا كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام إذ يقول في وصيّته لبنيه عند احتضاره: "يا بنيّ، عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنوا إليكم، وإن فقدتم بكوا عليكم"7، وهم شركاء في أجر كل عمل صالح تسببوا به.

إعانة المظلوم
أمة الجهاد هي أمةٌ تستحق منا كل الخدمة وكل الإعانة، كيف لا وهي الظهر الحامي والدرع المانع من أن تنال خاصرة المجاهدين بسوء، وهل المجاهدون هم من مجتمع غير مجتمع الصمود الذي ينتمون إليه؟

فلهذا من أهم الواجبات الاجتماعية على المجاهد في سبيل الله تعالى إعانة المظلومين من أمة الجهاد، وأهل الصمود، وقد حثت على هذا المعنى الكثير من الروايات منها ما عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر ما خاطب الله تعالى به داود عليه السلام: "يا داود، إنه ليس من عبد يعين مظلوماً أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبت قدميه يوم تزل الأقدام"8.

وإنما من أهداف الدفاع عن الأمة رفع نير الظلم عن هؤلاء الناس، والجهاد في أغلب موارده دفاع عن مصالح المؤمنين وأرضهم وأعراضهم وشرفهم، وأخذ للحق المغتصب من الظالم لإرجاعه إلى المظلوم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أخذ للمظلوم من الظالم كان معي في الجنّة مصاحباً"9.

الإحسان للناس جميعاً
ولا يقتصر إعانة الناس على إعانة خصوص المجاهدين والمتدينين فقط، فإن إعانة الناس التي أمرنا بها أهل البيت عليهم السلام هي إعانة لكل الناس ولو انحرفوا في توجهاتهم أو قصّروا في الالتزام الشرعي، والإحسان للناس وعونهم قد يحبب التدين إليهم ويقربهم من النهج الصحيح، ويقدم لهم صورة عن عظمة أخلاق المجاهدين، ولهذا كانت الروايات التي تأمرنا بالإحسان للناس جميعاً، وبدون أي تفريق بين القريب والبعيد والمؤمن والفاسق، والموافق والمخالف، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كلّ برّ وفاجر"10.

ثواب إعانة المتضررين
من يتأمل في الروايات الشريفة التي رويت عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، يذهل من عظمة الأجر والثواب على إعانة الناس المظلومة المقهورة، فمن هذه الروايات:

ثقل الميزان بالحسنات: عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من قاد ضريراً أربعين خطوة على أرض سهلة، لا يفي بقدر إبرة من جميعه طلاع الأرض ذهباً، فإن كان فيما قاده مهلكة جوّزه عنها وجد ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة أوسع من الدنيا مائة ألف مرّة"11.

الفوز بالجنة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ردّ عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنّة"12.

غفران الذنوب: عن الإمام علي عليه السلام: "من ردّ عن المسلمين عادية ماء، أو عادية نار أو عادية عدوّ مكابر للمسلمين، غفر الله له ذنبه"13.

*خاصة الاولياء، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، حزيران 2007م، ص79-89.


1- يوسف، البحراني، الحدائق الناضرة، الوفتة: 1186، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ج11، ص80.
2- الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، آخوندي، الطبعة الثالثة: 2-163-1.
3- الصدوق، الشيخ، الوفاة: 381، الخصال، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة: 32 - 111.
4- الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، آخوندي، الطبعة الثالثة: 2 - 166 - 4.
5- الصدوق، الشيخ، الوفاة: 381، الخصال، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة: 147 - 178.
6- ابن شعبة الحراني، الوفاة: ق 4، تحف العقول، الطبعة الثانية، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: 218.
7- محمد بن الحسن، الطوسي، الوفاة: 460، الأمالي، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، قم: 595 - 1232.
8- المتقي الهندي، الوفاة: 579، كنز العمال، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان: 15 - 872 - 43467.
9- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: 75 - 359 - 75.
10- الصدوق، الشيخ، الوفاة: 183، عيون أخبار الرضاعليه السلام، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان2 - 35 - 77.
11- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة: 75 - 15 - 8 و ص20 - 14.
12- الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، آخوندي، الطبعة الثالثة: 5 - 55 - 3.
13- الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، آخوندي، الطبعة الثالثة: 5 - 55 - 3.

10-11-2011 عدد القراءات 4131



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا