20 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 01 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الجهاد والشهادة :: خاصة الأولياء

وضوح الرؤية عند المجاهد



تمهيد
حديثنا في هذا المقال عن الخلفيات الثقافية التي تعنى بشكل أساسي بتشخيص الهدف الذي يقاتل من أجله المجاهد، فينبغي على المجاهد في سبيل الله تعالى أن يكون لديه من وضوح الرؤية ما يمكنه من تشخيص مسار الجهاد، ضد من ولماذا، والعدو الحقيقي من العدو الوهمي وغيرها من الأمور وهذا ما سنشير إليه بشيء من التفصيل.

من هو العدو الحقيقي؟
تقع الكثير من الجهات التي ترفع راية الجهاد في الشبهات، وتصنف الأعداء من دون أن تستند لمبرر من الشرع المقدس، وهذا ما يحرف مسارها من الدفاع عن الأمة ومصالحها إلى الإضرار بالأمة وتشكيل خطر إضافي عليها.

ومن أبرز المصاديق لهذه الجماعات ما يسمى بالتكفيريين، والذين اتخذوا من الكثير ممن يخالف معتقدهم موقفاً بإخراجهم من ربقة الدين، والحكم بجواز قتلهم...

ولشدة ما أساؤوا للجهاد والإسلام بهذا التصرف، أصبح من اللازم أن ننبه إلى خطورة انحراف مسيرة الجهاد والمقاومة عن المسار الحقيقي، ولهذا ينبغي أن نلجأ للإسلام الحقيقي لمعرفة من هو العدو الذي ينبغي أن نجاهده ونقاومه، وما هي الطرق الصحيحة والشرعية للجهاد وما هي الضوابط التي ينبغي الالتزام بها في الجهاد.

فالعدو الحقيقي هو الذي يشكل تهديداً حقيقياً من خلال أمرين
الهجمة العسكرية
وينبغي في هذا الإطار أن تهب الأمة جمعاء لمقاومة هذا الغزو والدفاع عن الأرض والعرض والكرامات وهذا حق للإنسان تكفلت بمنحه إياه الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.

الهجمة الثقافية
وينبغي أن تجابه بالعلم والفكر والحوار البنّاء الساعي للوصول للحقيقة، بدون استعلاء ولا مراء، وللجهاد الثقافي دور هام ويتم بأساليب في غاية المرونة، وهو أشبه ما يكون بالطب من حيث الاهتمام والحرص والمداراة، وهو ما يسمى بالتبليغ.

العدو الحقيقي للأمة اليوم
نحن نعيش في زمن سقطت فيه الأقنعة وظهر الأعداء بشكل واضح وعلني، ولا نحتاج لكثير من الوعي لتشخيص العدو المتمثل بالاحتلال الأمريكي والصهيوني، فالإدارة الأمريكية التي تعمل وفق أولوية الحفاظ على الكيان الصهيوني في منطقتنا كشرطي يمنع من قيام الأمة ويسيطر عليها ويستعبدها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً... لا شك أن هذه الإدارة هي العدو.

والجرثومة نفسها هي عدو أيضاً، وهي أداة بيد الإدارة الأمريكية، وهذا ما رأيناه جلياً في حرب تموز 2006م. والتي بذلت فيها كل الإمكانات العسكرية والسياسية للقضاء على النبض الحي للممانعة في العالم الإسلامي والعربي.

الدور والهدف من الجهاد
إن الجهاد في الحقيقة يتضمن مشروعين: مشروع للفرد ومشروع للأمة والمجتمع، فهناك أهداف على المستوى الفردي والشخصي وأخرى على المستوى الاجتماعي.

الهدف الشخصي
قد تتعدد الأهداف الشخصية وتختلف من شخص إلى آخر، فأبواب طاعة الله تعالى كثيرة، ولكن هناك هدف أساسي يجب أن يشترك به كل المجاهدين، وكل الأهداف الأخرى في الحقيقة ترجع إلى هذا الهدف وهو رضى الله تعالى...

وهو الهدف الأسمى والأساسي الذي تتمحور حوله كل حركة يقوم بها الإنسان المؤمن أو سكون يلتزم به، والجبهة هي من الأمكنة الخاصة التي تتميز بجو الصفاء والروحانية والقرب من الله تعالى.

يقول الإمام الخامنئي دام ظله: "ميدان الجبهة هو ميدان التعبد، وفيه لا يوجد دخالة لأي عامل آخر حتى العقل وإذا كنا ملتفتين إلى هذه المسألة وجعلنا التقوى هدفنا والتحرك لمرضاة الرب غايتنا ستتحقق عندها كل غاياتنا".

وإذا كان الجهاد طريقاً لتحقيق رضى الله تعالى، وباباً للتقرب منه، فأي نعمة وأي توفيق إذا توفق أحدنا للدخول إلى هذا الميدان، ميدان الجهاد، الذي عبّر عنه أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: "أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة.."1.

من هنا نجد الإمام الخامنئي دام ظله يقول: "أيها الأخوة الأعزاء عليكم أن تعتبروا حمل المسؤولية في القوات العسكرية هبة إلهية وتوفيقاً عظيماً، وذلك أن يوفق الإنسان ليكون في خدمة دين الله وأتباع دينه، حيث يستفيد أيضاً ليوظف إمكاناته واستعداداته في أفضل طريقة، عليكم أن تعلموا أن هذا توفيق إلهي يتوجب شكره ويجب أن تحافظوا عليه".

الهدف الاجتماعي
لا تقف أهداف الجهاد عند الأفراد والحالة الفردية، فالجهاد هو حركة اجتماعية وله آثاره العامة وأهدافه التي تتجاوز مصالح الفرد لتشمل المجتمع وتحقق مصالحه، ويمكن اختصار مصالح المجتمع ضمن الأهداف التالية:

1- القيام لله تعالى
يقول الإمام الخامنئي دام ظله: سمعتم بآذانكم المعنوية النداء القرآني السماوي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ...(سبأ:46).

فالقيام لله يشمل الحفاظ على حدود الله سبحانه وتعالى وأحكامه، والمحافظة على الدين ونهجه الصحيح في المجتمع.

2- الاستقلال والدفاع عن البلاد
إن الاستقلال له أهميته الخاصة في ظل أطماع المستعمرين الذين يحاولون السيطرة والتسلط على كل ما هو للغير.

من هنا كانت كل حضارة وكل مجتمع بحاجةٍ لقوة تمنع طمع الطامعين وتضمن عدم تعديهم وتجاوزهم، هذه القوة تشكلها القوات المسلحة المقتدرة ومع غياب مثل هذه القوة سيكون من غير الممكن المحافظة على الاستقلال.

مواجهة العدو
في الجهاد لا بد من ثقافة كيفية التعاطي مع العدو، وهذا شرط من الشروط التي تحافظ بها على موقعك المتقدم لتكون كفك الأعلى، ومن أهم الأمور التي ينبغي معرفتها في هذا المجال:

أ- عدم الاستخفاف بالعدو
فالاستخفاف بالعدو آفة كبرى تصيب المجاهد، وهذا ما حذرت منه الروايات، فمهما بدا العدو ضعيفاً لا ينبغي الاستخفاف به وترك الحذر بناءً على الاستخفاف به...

فعن الإمام علي عليه السلام: "احذر استصغار الخصم، فإنه يمنع من التحفظ، وربّ صغيرٍ غلب كبيراً"2.

فآفة الاستخفاف بالعدو ترك الحيطة من جانبه، وقد يصل الأمر لمرحلة يغفل فيها المجاهد عن سلاحه، وهذا ما حذرنا الله تعالى منه حيث يقول:﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً(النساء:102).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "لا تستصغرن أمر عدوك إذا حاربته، فإنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر، والضعيف المحترس من العدوّ القويّ أقرب إلى السّلامة من القويّ المغترّ بالضعيف"3.

ب- اليقظة الدائمة
فالعدو ليس بالغبي، بل يخطط ليلاً ونهاراً للنيل منك، فعن الإمام علي عليه السلام: "شرُّ الأعداء أبعدهم غوراً وأخفاهم مكيدة"4.

وفي أيامنا هذه، يسعى الكيان الصهيوني الذي تلقّى صفعة في حرب تموز والتي كسرت هيبة الردع لديه، يسعى للتخطيط لكيفية استعادة هذه الهيبة المفقودة، والحذر والحيطة من العدو أمر أشارت له الكثير من الروايات منها:

عن الإمام علي عليه السلام: "من نام لم ينُم عنه"5.

عنه عليه السلام: "جماع الغرور في الاستنامة إلى العدوّ"6.

عنه عليه السلام: "من نام عن عدوّه أنبهته المكايد"7.

عنه عليه السلام: "كن من عدوّك على أشد الحذر"8.

*خاصة الاولياء، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، حزيران 2007م، ص29-38.


1- نهج البلاغة، الخطبة 27.
2- المعتزلي، ابن أبي الحديد، الوفاة 656، شرح نهج البلاغة، دار إحياء الكتب العربية، سنة الطبع: 1378 - 1959م: 20 - 282 - 321.
3- المعتزلي، ابن أبي الحديد، الوفاة 656، شرح نهج البلاغة، دار إحياء الكتب العربية، سنة الطبع: 1378 - 1959م: 20 - 309 - 543.
4- غرر الحكم: 5781.
5- نهج البلاغة: الكتاب 26.
6- غرر الحكم: 4775.
7- غرر الحكم: 8672.
8- غرر الحكم: 10301.

31-08-2009 عدد القراءات 4432



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا