20 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 01 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الجهاد والشهادة :: خاصة الأولياء

المجاهد والثقلين



تمهيد
يعتمد العمل الذي يقوم به الإنسان في الغالب على خلفية ثقافية يحملها في نفسه، فإكرام الضيف مثلاً لا يقوم به الإنسان مجرداً عن أي خلفية، وإنما يقوم به على أساس الثقافة التي تأمره بالكرم والإحسان للضيف وإكرامه...

كذلك المجاهد في سبيل الله تعالى لا بد وأن يحمل في طيات نفسه الثقافة الأصيلة التي تؤهله ليكون مجاهداً في سبيل الله تعالى، ومستعداً لبذل أغلى الأثمان في سبيل الله سبحانه وتعالى.

الثقافة القرآنية
القرآن الكريم الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً(الاسراء:9)

هو الكتاب الذي يستمد منه المجاهد في سبيل الله تعالى أساس الجهاد، والروح المعنوية، ويقتبس الهداية.

فمن القرآن الكريم
● يتعلم المجاهد في سبيل الله تعالى حقيقة بذل الغالي والنفيس، والتجارة الرابحة التي عرضها الله تعالى على عباده المؤمنين حيث يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(التوبة:111).

● ومن القرآن يتعلم المجاهد أن الشهادة في سبيل الله تعالى ليست موتاً، وإنما هي استكمال للحياة ولكن في عالم آخر، وأن الشهادة في سبيل الله تعالى ليست إلا معبراً وقنطرة إلى ذلك العالم المحفوف بنعمة القرب من الله جل وعلا، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(آل عمران:169-170).

● ومن القرآن الكريم يتعلم المجاهد إحدى الحسنيين التي هي غاية ما ينال المجاهد في هذه الدنيا، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ(التوبة:52).

● ومن القرآن يعرف المجاهد أن الرمي في حقيقته والتوفيق من الله سبحانه وأن عمله وإن كان مأجورا عليه، ما هو إلا بإرادة الله تعالى وتوفيقه وتسديده، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(الأنفال:17).

● ومن القرآن يتعلم أن الشكر والاستغفار هو الطريق الأنجع للحفاظ على الانتصارات الإلهية، يقول الله تعالى: ﴿إذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً(العصر).

مدرسة أهل البيت عليهم السلام
ينتمي المجاهد إلى مدرسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته عليهم السلام، وهي مدرسة زاخرة بالأحاديث التي تربي الإنسان، وتبين له كيف يجعل من حياته عملاً وطاعة لله تعالى، وحمل هذه الأحاديث علماً وعملاً له آثار في الآخرة ففي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من حمل من أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً"1.

وعنه صلى الله عليه وسلم: "تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا، فإن الحديث جلاء للقلوب، إن القلوب لترين كما يرين السيف وجلاؤها الحديث"2.

فالثقافة التي تنطلق من القرآن الكريم أولاً والحديث الشريف ثانياً، هي الثقافة الأصيلة التي تنفع المجاهد، وتشكل المنطلق الصحيح في توجهه إلى سوح التضحيات.

ثقافة عاشوراء
إن أيام عاشوراء وذكرى كربلاء الإمام الحسين عليه السلام هي المدرسة الحقيقية الكاملة التي تخرج أجيال المجاهدين والشهداء، هي مدرسة العطاء التي تصنع شخصية الإنسان المجاهد القادر على مواجهة الظلم بقلب مفعم بالإيمان والتضحية، شخصية قادرة على الوقوف أمام كل التحديات وتسطر أروع الملاحم وتهيئ الأرض لظهور قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مدرسة عاشوراء تختصر عمق معنى الإسلام الحقيقي المحمدي الأصيل، ويؤكد الإمام الخميني قدس سره على دور هذه المدرسة، فيقول: "إن كل ما لدينا هو من بركات مدرسة عاشوراء الحسين عليه السلام".

فمن عاشوراء نتعلم

معادلة الدم مقابل السيف

فإن ما أوصل سيد الشهداء عليه السلام إلى ذلك المصير هو الدين والعقيدة وقد ضحى عليه السلام بكل شيء من أجل العقيدة والإيمان وكانت النتيجة أن قتل وهزم عدوه بدمه.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "لقد انتصر الدم على السيف، ترون آثاره باقية حتى اليوم حيث ظل النصر حليفاً لسيد الشهداء عليه السلام، بينما الهزيمة ليزيد وأتباعه"3.

التضحية وعدم الخوف
يقول لإمام الخميني قدس سره: "لقد أفهمنا سيد الشهداء عليه السلام وأهل بيته وأصحابه أن على النساء والرجال ألا يخافوا في مواجهة حكومة الجور، فقد وقفت زينبا في مقابل يزيد  وفي مجلسه  وصرخت بوجهه وأهانته وأشبعته تحقيراً بما لم يتعرض له جميع بني أمية في حياتهم". وهذا قليل بل أقل من القليل الذي يمكن لنا أن نستلهمه من عاشوراء التي حمت الإسلام الحقيقي.

ونشير إلى ما قاله الإمام الخميني المقدس رضوان الله عليه حول الارتباط بمدرسة عاشوراء: "منهاج الشهادة القاني، منهاج آل محمد وعلي، ولقد انتقل هذا الفخر من آل بيت النبوة والولاية إلى ذراريهم وأتباع منهاجهم"4.

التفقه بالدين
يمثل التفقه في الدين خلفية ثقافية أساسية عند المجاهد، فالمتفقه في أمر دينه أعرف بواجبه وضوابط ذلك الواجب وحدوده، وبما أن للمجاهد في سبيل الله تعالى دوراً في أداء الرسالة من خلال تقديمه للأمة نموذج العطاء والبذل الحقيقيين في سبيل القضية المحقة، كان لزاماً عليه أن يكون على بينة وبصيرة من أمره كما يقول الله تعالى:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(يوسف:108).

فعلى المجاهدين أن يتفقهوا في الدين، التزاماً منهم بوصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: "لكلّ شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه"5.

الثقافة الإسلامية العامة
كما أنه ينبغي للمجاهد أن يكون ذا ثقافة عامة واطلاع في أمور دينه ودنياه، فإنه بالإضافة إلى الخلفيات التي تحدثنا عنها والتي تشكل الأساس المتين الذي يؤهل روحه للدخول في سلك المجاهدين العارفين بالقضية والهدف والطريق، فإن الثقافة العامة التي يملكها أمر مهم جداً، ولا سيما بعد أن عرفنا أن المجاهد يحمل بجهاده رسالة غير الرسائل العسكرية التي يسطرها ببندقيته، إنها رسالة تشير إلى الخلفية الإيمانية التي انطلق من خلالها في أداء هذه الواجب المقدس.

وقد أكدت على ذلك الكثير من الروايات الشريفة منها
ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس يقوم بدين الله عز وجل إلا من حاطه من جميع جوانبه"6.

وعن الإمام علي عليه السلام: "إنما المستحفظون لدين الله هم الذين أقاموا الدين ونصروه، وحاطوه من جميع جوانبه، وحفظوه على عباد الله ورعوه"7.

معرفة الشبهات
فإن طرق الدنيا مليئة بشبهات المشبهين والمضلين، وقد تكون الشبهات في طريق المجاهدين أشد تأثيراً، وتلعب دوراً بارزاً في ترجيح كفة النصر أو الهزيمة، من هنا كانت معرفة المجاهد بالدين وتعمقه فيه بحيث يكون قادراً على درء الشبهات أمراً في غاية الأهمية، وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "احذروا الشبهة، فإنها وضعت للفتنة"8.

وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنما سميّت الشّبهة شبهة لأنها تشبه الحق؛ فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضّلال ودليلهم العمى"9.

المعرفة السياسية
أمرٌ أخير في الخلفيات الثقافية نشير إليه وهو الخلفية السياسية ومقدار الوعي السياسي الذي يتحلى به المجاهد في سبيل الله، فالوعي السياسي له دور كبير في بناء العقيدة الجهادية للمجاهد، ووعي المجاهد بحال الزمن وأهله والسياسات التي تجري في العالم، تجعل حركته الجهادية مبنية على الأساس السياسي الذي يبين من خلاله الهدف المرحلي من الجهاد ومشروعيته، وبالإضافة إلى هذا تمنع من دخول الشبهات في الفكر السياسي بما يؤثر سلباً على عمله الجهادي، وقد أشارت لهذا الوعي في الإنسان المؤمن الكثير من الروايات فعن الإمام علي عليه السلام: "العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس"10.

وعن الفطنة والوعي والحذر يقول عليه السلام: "أشرف المؤمنين أكثرهم كيساً"11.

والكياسة هي الدراية والذكاء والوعي العالي.

*خاصة الاولياء، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، حزيران 2007م ، ص19-28.


1- المتقي الهندي، الوفاة: 975  كنز العمال، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت  لبنان: 10 - 158 - 28818.
2- الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، آخوندي، الطبعة الثالثة: 1 - 41 - 8.
3- عاشوراء في فكر الإمام الخميني، مركز الإمام الخميني الثقافي.
4- صحيفة نور جزء 15 صفحة 154.
5- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة، ج: 1 - 216 - 30.
6- القاضي النعمان المغربي الوفاة: 363  شرح الأخبار  الطبعة: الثانية  مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: 2 - 389.
7- غرر الحكم 3912.
8- ابن شعبة الحراني، الوفاة: ق 4  تحف العقول، الطبعة: الثانية  مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: 115.
9- نهج البلاغة: الخطبة 38.
10- الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، آخوندي، الطبعة الثالثة: 1 - 27 - 29.
11- غرر الحكم: 3009.

31-08-2009 عدد القراءات 4532



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا